علي القاسمي وعالمية قضية إنسانية عربية

بشرى ترجمة روايته “مرافئ الحب السبعة” بالحروف اللاتينية

الحسين بوخرطة

تحية للعلامة الدكتور علي القاسمي، الروائي والقاص والفاعل اللغوي الفذ في صناعة المعجم العربي التاريخي والأديب والمفكر المتألق.

تحية للأخ العزيز الأستاذ مصطفى شقيب، الذي متعني بتواصل زاخر بالحب والمعزة.

هنيئا للعالمين العربي والمغاربي بترجمة هذه الرواية القضية إلى الفرنسية. إنه فعلا ولوج إلى الفضاء الأدبي الفرنكوفوني الرحب بأدواره الريادية غربا. إنها خطوة في العالمية، ستليها بلا شك خطوات أخرى، بلغات حية كونية، ستزكي لا محالة الهاجس المشترك والدائم الذي يخالج النفوس باستمرار، إنه هاجس تثبيت مسار جديد في مجال التلاقح الأدبي والفكري والعلمي والإنساني ما بين الشمال والجنوب.

فالحديث عن علي القاسمي في هذا الشأن، كإنسان عربي، ليس بالأمر العادي، بل هو حديث عن قداسة قضية المواطن العربي المكافح المبدئي والمتعلم والمناضل، الذي الصق القلم بأصابعه وسخر عقله ووجدانه طوال حياته للعلم والمعرفة وخدمة الأجيال العربية من الخليج إلى المحيط. ذكره في تعليق أو مقال جعلني أحس أن الأمر يتطلب الحكمة والتبصر واستحضار حق أمة حضارية عريقة تاريخية في فرض الذات كونيا. القاسمي نموذج رجل أمة ارتقى وجدانا وعقلا ووجودا ذاتيا متوغلا في التراكمات الفكرية والعلمية المتفوقة في العالم المعاصر منذ صباه. هو كذلك نموذج رجل قدوة، قدم للعرب والمغاربيين تجربة لا تتيح خيار الحياد. تفاعلاته القوية عبر الترجمة مع المنتوجات الفكرية الكونية قدمت خدمات ثمينة للأجيال منذ عقود، ويستمر بنفس الإصرار بالرغم من تقدمه في السن.

وهنا لا يمكن أن أتردد في اعتبار ترجمة روايته: “مرافئ الحب السبعة” للغة الفرنسية، كونها اعتراف واضح بقامة فكرية عربية لم تستوعبها الأنظمة العربية العسكرية داخل فضاء ترابي فسيح ومقدس، ارتقت حضارته تاريخيا بأمجاد معارفه ومروءة ناسه. رتب حاجياته الخاصة في حقيبته، وغادر شابا موطنه باحثا بعزم الكبار عن العلم والمعرفة ومقومات التأثير القوي على الوعي الجماعي العربي. لقد غادر بلا شك ليس بدافع الخوف على نفسه، بل هلعا من وأد إرادة وعزيمة شاب متشبث بصعود الجبال وجلب المنفعة لأمته. لقد خطا خطوات ثرية عبر سنوات عمره في العالمية، ليتوج مساره بخطوة رسمية إضافية، بقيمة مستحقة، على طريق العالمية وتصالح الحضارات وخدمة المصير المشترك.

وفي الأخير، أرفع قبعتي عاليا تمجيدا واحتراما لجهود أخي وعزيزي المترجم الأستاذ مصطفى شقيب، الرجل الذي تذوق بلاغة وجاذبية الكلمة والعبارة العربية في هذه الرواية، مشددا على تقديمها برقي للعالم بلغة بلد موليير (جُون بَابتِيسْت بُوكْلَان).

الشكر والامتنان موصول كذلك لأستاذة الأدب المقارن بجامعة غرناطة الدكتورة ماري ايفلين لوبودير في تقويم ومراجعة النسخة المترجمة.

فهنيئا للإنسانية بهذا المولود الأدبي العالمي، مولود بعبارات تقشعر لها الأبدان، وتنتعش بها الأماني والأحلام بغد أفضل.

وتعميما للفائدة بمناسبة هذا الحدث التاريخي الرائع، أقدم في هذا الموضوع، فيما يلي مقال الأخ العزيز المترجم الأستاذ مصطفى شقيب.

نص المقال

رواية الكاتب العراقي علي القاسمي “مرافئ الحب السبعة”

تلج الفضاء الأدبي الفرنكوفوني

مصطفى شقيب

صدرت مؤخرا عن دار النشر لارماتان L’Harmattan  – سلسلة  Les Impliqués الترجمة الفرنسية لرواية “مرافئ الحب السبعة” من تأليف الكاتب العراقي الدكتور علي القاسمي وترجمة مصطفى شقيب ومراجعة أستاذة الأدب المقارن بجامعة غرناطة الدكتورة ماري ايفلين لوبودير.

صورة الغلاف من اقتراح الدكتورة ماري ايفلين، وهي صورة لتمثال المهاجر بمدينة فيغو باسبانيا تكريما للمهاجرين.

وقد صدرت الرواية العام 2012م، في طبعتها الأولى عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء وبيروت، لتتوالى الطبعات بعد ذلك بعدد من دور النشر العربية.

ومنذ صدورها، أثارت هذه الرواية اهتمام النقاد وحظيت بنشر كتابين عنها وعشرات المقالات، وألهمت عدداً من الشعراء والرسامين ونالت إعجاب القراء عبر ربوع الوطن العربي.

وفي تقديم الرواية، كتبت الأديبة الفرنسية، مراجعة هذه الرواية، الدكتورة ماري ايفلين “وهي سيرة ذاتيّة روائية؛ مزيج من الأحداث الواقعية والخيالية، مهداة إلى المغتربين والمغتربات عبر العالم؛ إلى هؤلاء الأشخاص الذين تركوا بلدانهم طوعا أو فروا اضطرارا بغرض اللجوء إلى بلدان أخرى.

سليم، البطل، اغترب على إثر انقلاب عسكري حدث في بغداد.

القلب، مقرالأحاسيس والعواطف، شكّل روح اغترابه القسري الذي سيمكّنه من البقاء ومواصلة دراسته. غير أنّ ما وراء هذا الرهان المزدوج، سيضحى هذا النفي سريعا هروبا من الحياة من أجل الالتجاء داخل الموت؛ الحياة والموت، هذان الجاران المتنازعان. سفر طويل من النور إلى الظلام، تطبعه المشاعر والعواطف.

النور، إنه أحاسيس الحب، والود، والبهجة، والسعادة، والمتعة، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالعراق، وطنه، وبالبيت الأسري، وبمحبة طاغية وبإعجاب لا متناه بأمه التي كانت تأخذه بين ذراعيها، تضمه إلى صدرها، وتمطره بالقبل.

الظلام، إنه أحاسيس الحنين، والحزن، والغم، والأسى، والألم، والمعاناة، والوحدة، والخوف أيضا، المرتبطة بشدة بالاغتراب.

عند عبور الحدود، ينطفئ النور على الطرق الرملية… تظل الوجوه، والمعالم والروائح، عالقة في شغاف القلب، يستحيل محوها. غير أنّ سليم، أثناء هذا السفر الطويل، سيصادف ثلاث نساء سيطبعن حياته بشدة؛

امرأة أرادته وأرادها، لكنّ القدر لم يردهما معاً؛

وامرأة ارادته ولم يردها، فكسر قلبها؛

وامرأة لفظته، لكنه سيعشقها إلى حد الجنون ولن يقوى على نسيانها… حاضرة في كل النواحي، والاتجاهات، والأماكن. بل سيكتب قصتها على أمل التحرر منها. الكتابة المحررة ! سيكتب على أمل إعادة بناء عالم مفقود من خلال كلماته، وإنشاء عالم جديد سيكون ملجأه.

رواية رائعة ومؤثرة أسالت الكثير من دموعي. شكرا أستاذي وصديقي العزيز جدّا علي القاسمي”.

وسيتوالى مشروع ترجمة الأعمال القصصية الكاملة للعلامة القاسمي عبر إصدارها من طرف الناشر الفرنسي نفسه، حيث تخضع للمراجعة من الأستاذة لوبودير بعد أن أتم المترجم مصطفى شقيب ترجمة المجموعات القصصية السبعة التي صدرت منها خمسَ مجموعاتٍ قصصية تشتمل على سبعٍ وسبعين قصةً عن مكتبة لبنان ناشرون في بيروت، وصدرت مجموعة قصصية سادسة عن الدار العربية للموسوعات في بيروت، بعنوان” الحب في أوسلو” فيما المجموعة القصصية السابعة، ذات المنحى المتفرد، قيد الصدور بلبنان.

وهي قصص كُتبت، كما جاء في تقديم دار نشر مكتبة لبنان ناشرون، من أجل مكاشفة الذات ومساءلة الكينونة، بأسلوبٍ ممتعٍ سهلٍ ممتنعٍ ؛ وهي نابضةٌ بالإثارة والتشويق؛ ومزدانةٌ بالمعرفة والثقافة؛ ومضمَّخةٌ بلغةٍ راقية؛ ومشرعةٌ على رياح التأويل؛ ونابعةٌ من تجربةٍ حقيقية، ومعاناةٍ وجدانيةٍ عميقة، وموهبةٍ فذة، وخيالٍ مُجنَّحٍ جامحٍ أخّاذ. لقد كتبها القاسمي بدم القلب ودمع العين.

وقد تم نشر أغلب هذه المجموعات القصصية في عدّة طبعات في القاهرة والدار البيضاء وحظيت بعنايةٍ خاصةٍ من لدن النقّاد في المغرب العربي وفي المشرق العربي على السواء، وكُتبت عنها عدّةُ كتب وكثيرٌ من الدراسات والمقالات النقدية.

وهذه المجموعات هي: 1. ” رسالة إلى حبيبتي”، حول ذكريات الطفولة والصبا، و2. ” صمت البحر” حول قصص الحبِّ الخائب، و3. “دوائر الأحزان”، حول ما يثير الحزن في وجدان العربي، و4. ” أوان الرحيل”، حول الموت، و5.”حياة سابقة” حول قضايا علم النفس الموازي. و6. “الحب في اوسلو” و7. “القبض على عصفور السعادة”. يقول القاسمي في إحدى مقدِّمات قصصه: ” إن مَن يقرأ هذه القصص لكي يستخلص منها جوانبَ من سيرتي، سيصابُ بخيبة أمل، ومَن يقرأها بوصفها من نسج الخيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة ؛ لأن الفنّ عموماً، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع ليحلّق في فضاء الخيال الواسع.”

والقاسمي كاتبٌ متعدِّد الاهتمامات له أكثر من خمسين كتاباً في القصة والرواية والترجمة والنقد، وباحث في اللسانيات وعلم المصطلح وصناعة المعجم والتربية والتنمية البشرية وحقوق الإنسان.