مبادئ التصوف العرفانيّة:

     العرفان في اللغة مشتقّ من “عَرَفَ”، ويُعْنى به المعرفة. يقول ابن منظور: “عرف: العرفان: العلم… عَرَفَه، يَعْرِفُهُ، عِرْفَة وعِرْفاناً وَمَعْرِفَةً واعترفه… ورجل عروفٌ: وعَروفة: عارف يعرف الأمور، ولا ينكر أحداً رآه مرة… والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم… والجمع عرفاء…”.

والعرفان في الاصطلاح هي المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبيّة، وليس عن طريق العقل أو التجربة الحسّية… وهذا اللون من المعرفة يحصل من خلال العمل المؤمن إيماناً كاملاً بأحكام الدين. وهو بالتالي, الثمرة الناضجة والنهائيّة للدين الحقيقي. وعلى هذا الأساس قدَّم أصحاب الاختصاص تعاريف متعدّدة للعرفان، من أبرزها ما جاء على لسان القيصري: “هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره, وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأَحَدِيّة, ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة, لتخليص النفس من مضايق القيود الجزئيّة و بالتالي اتّصالها بمبدئها أو خالقها, واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّيّة”. (16).

     وعند الصوفيين، تتمثل الحقيقة اليقينيّة العرفانيّة بتزاوج مبدأيّ الفناء والبقاء الذين يتكاملان للوصول إلى اليقين.

     والفناء عند الصوفيين هو مصطلح يدل على مستويات إدراكيّة يصل إليها المريد. وهي نوع من أنواع اندثار أو غياب النفس مع الحفاظ على الجسد الماديّ حياً. أو هي حالة كاملة الاتحاد مع الوجود الماديّ والروحانيّ. وهناك ثلاثة مستويات من الفناء التي يجب تحقيقها وهي:

     “الفناء بالشيخ” أي التكامل مع الوجوديّة الفيزيائيّة الماديّة،

     “الفناء بالرسول” أي التكامل مع العالم الروحانيّ،

     ثم “الفناء بالله” أي التكامل مع الوجود المجرد.

     ولكي يصل الصوفيّ إلى هذه المستويات، عليه تطهير ذاته النفسيّة من كل الدوافع الشريرة, والتغلب على كل الغرائز الجسديّة الوضيعة. بمعى أخر، الامتناع عن القيام بكل الخطايا (مثل الجشع، والشهوة، والمتعة، والغرور، والأنانيّة… والامتناع عن كل أنواع الحب ما عدا حب الذات الإلهيّة المطلقة. ويؤدي هذا الامتناع إلى تدمير الذات النفسيّة, مما يقرب المريد إلى الله لدرجة الفناء فيه. (17).

 الفناء والبقاء:

      إذا كان الفناء في الصوفيّة هو سقوط الأفعال المذمومة عند المتصوف, وتحقيق النقاء الجسديّ والروحيّ معاً, فإن البقاء في المنزلة التالية, هو درجة إدراكيّة عليا, يصل اليها المريد عند نهاية تجربته الصوفيّة,  حيث يفنى كذات إنسانيّة بشكل تام بالذات الإلهيّة مما يعطيه الكمال في الوجود والعرفانيّة واليقين. ويعتبر الصوفيون أن كل المخلوقات ستصل إلى هذه الدرجة سواء بحياتهم أم بمماتهم. ويعتبرون أن كل الحكماء والأنبياء سيصلون لهذه الدرجة, وأنهم حاولوا تعليمها للبشر. فهذه الفكرة أساسيّة في كل الطروحات الدينيّة, فكل دين أو طريقة تطلق مصطلحا مختلفا لمعنى البقاء نفسه. فعلى سبيل المثال، تسمى في الإسلام “النجاة”، وفي المسيحيّة تسمى “الخلاص”، وفي البوذيّة تسمى “نيرفانا” وفي الهندوسيّة تسمى “موكتهي”.(18).

هذا وهناك الكثير من المفاهيم الصوفيّة مثل:

اليقين:

    وهو أعلى مقامات أو مستويات العرفانيّة الصوفيّة, وهو نهاية مطاف المريد الصوفيّ, التي وصل إليها كل الأولياء والقديسين.

الحقيقة:

    وهي المعرفة الكاملة التي يصل إليها المريد عند مستوى اليقين.

المعرفة:

      وهي عند الصوفيّة تعني إدراك الموجود بحقيقته بشكل غرائزيّ, وذلك عن طريق المرور بخبرات شخصيّة خارجة عن المألوف (الشطح) بدلا من تعلمها عن طريق الأخرين أو إدراكها بالتفكر.

الإحسان:

       وهو الكمال وَالْتَمَيّزُ, ويعتبر من أهم أهداف الصوفيّة.

الْذِكْرُ:

     وهو شعيرة فكريّة يقوم بها المريد للتقرب من الله. وبالعادة تكون بترديد لفظة معينة (مثل كلمة الله أو عبارة سبحان الله) أو القيام بحركة معينة مهمتها توجيه العقل كلياً للتفكر بالله. (19).

الكرامة الصوفيّة و الأسطورة و الحلم:

     إن من يبحت في الأبعاد الفكريّة والنفسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة وأخيراً الكاريزميّة للكرامة,  سيجد فيها:

     أولاً الوعي: حيث يسود الفكر و الوضوح، وثانياً اللاوعي: حيث يسيطر المضمر و المقنّع و الرمزيّ. أو بتعبير آخر يسود عالمان : عالم الوقائع الخارجيّة التي تجري فعلا و تحصل أمام العين، وعالم التجارب الداخليّة الذاتيّة للفرد المتصوف, التي يفصح عنها بواسطة الرموز. إلا أن المحتوى الخارجيّ، الواعي، أو الواقعي يظل متوازياً مع المحتوى المضمر للكرامة. فالكرامة التي يحققها الصوفيّ وتتجلى في الظاهر, هي نتاج أو تجلي  لتجارب ” روحيّة ” أو أليات (ميكانيزم) نفسيّة. اشتغل عليها الصوفيّ كما بينا في عرضنا السابق. فالصوفيّ الذي  يخرج إلى المجتمع ويحل مشكلة أخلاقيّة أو اجتماعيّة للناس أو للمريدين, هو صوفيّ يستمع كما يعتقد هو إلى صوت الضمير ممثلاً هنا بـ ( نداء ملاك، أو نداء الله،), يأمره لفعل هذا الأمر المعجزة أو ذاك. فالمهم هنا هو أن القطاع اللاواعي الداخليّ عند المتصوف، بحكم موازاته للعالم الواعي، أي كون القطاع الخارجي الفعليّ، بحكم موازاته للعالم الذاتيّ والروحيّ  للمتصوف فقد وجدا تعبيرا عنهما بحوادث قابلة لأن تحصل في العيانيّ أو أمام العيان. (20).

     وفي الكرامة اتجاهان: الأول يرفض المجتمع والجسد باحتقار، والثانٍي يشكل المرحلة التي يعود فيها هذا الجسد (المطهر) إلى المجتمع مرة ثانية, ولكن بشكل أقوى, ليبني المجتمع الأكمل، والجسد الأكثر انقيادا للقيم النبيلة.

     وفي الكرامة اشتياقان أو توقان: توق إلى المطلق واللامحدود والخلود. وتوق إلى نسيان قهر الواقع للإنسان, أو الهروب من الانجراحات ، الخاصة أو الفرديّة ،

      وفي الكرامة منهجان: عمليّ يمارس الرياضيات الروحيّة لتخليص الجسد من الرذيلة, وفكريّ يتأمل المطلق والقيم النبيلة. اتجاه يروض البدن, وآخر يصقل النفس من الداخل, أو يعمل على النفسيّ أو الروحيّ. وهنا يندمج المنهجان في مبدأ حياتيّ هو سلوك، و طريقة عيش، وأسلوب تطهر, ودرب للخلاص, وحل مشكلة الإنسان أمام القدر والموت.

       وفيها أيضا لغتان: لغة الكلام والمنطق والاقناع والصراحة، وأخرى أقدر على الإثارة، والتوجيه، و التوصيل والأداء، وأقرب إلى الإيحاء والإشارة.

     وفيها أيضاً قطاعان: سويّ و مرضيّ ، حاضر وسحيق في قدمه ، متحضر وهمجيّ أو ابتدائيّ.

      وفيها نوعان من القلق: قلق تجاه المصير، حيث تحل المشكلة هنا بإخراج الذات المقهورة من خلال إدخال الفردّي في الرمزيّ، والأنا في المطلق. وقلق إزاء المجتمع و السلطة وشتى رموز القمع التي تعمل على محو الذات.(21).

د. عدنان عويّد كاتب وباحث من سوريّة

‫شاهد أيضًا‬

بانتظار استعادة فضيلة الفلسفة * د. محمد الشرقاوي

كتب أحد أصدقاء فيسبوك سعيد السعدي يقول: “هرِمْنا من أجل هذه اللّحظة التاريخية. اليوم ناقشت…