في الحقيقة إن مبتغى تحقيق تفوق ثقافة “النحن” عن الثقافة الفردانية الأنانية “الأنا” كان دائما انشغالا إنسانيا، والجوهر الذي يتمحور عليه عمق النفسية الفردية والجماعية للشعوب. فكل كتب الفلاسفة وتعاليم الديانات السماوية فصلت بما يكفي الرسالة الحقيقية للوجود البشري أفرادا وجماعات، وأبرزت حقيقة كون الإنسان لم يخلق إلا ليفكر ويبدع ويكدح ويتعب ويخلق شيئا نافعا لنفسه ومجتمعه و/أو لشعوب العالم، باحثا عن اعتراف موضوعي يرسخ وجوده الفاعل في الروح الجماعية. تطور السلوك والحاجيات والرغبات مع مرور السنوات والعقود والقرون، ليظل الالتزام بمنهج قويم نواة تكبر جراء تدحرجها المتوازن في الزمن التاريخي. النصوص الدينية السماوية، وما ترتب عنها من تطورات حضارية، أبرزت اليوم حاجة سكان العالم إلى ثقافة جديدة جامعة، تتشكل من خلالها روح مجتمع كوني، تزدهر فيها وبها نفوس الشعوب القطرية. ليس هناك خلاف في منطق الرب في شأن مكارم الأخلاق الجامعة في المسيحية واليهودية والإسلام، وتم تسجيل بحث دائم للإنسان، منذ اتخاذ قرار إعماره لسطح هذه الغبراء، عن مقومات العيش المشترك عليها. إنها الحاجة إلى انبثاق ثقافة “النحن” القادرة على غربلة تاريخ تفاعل الحضارات، وما ترتب عنه من أحداث وخطابات عقدت تشعبات تطورات أحداثه، وشكلت اليوم حفريات مليئة بالدروس والعبر.

إن الإنسانية اليوم تمر من فترة تاريخية حرجة وحساسة، فترة انتشار فيروس كورونا ووبائه الكوفيد المتحور. تحولت الأوضاع المتراكمة إلى محطة فرضت على الكل، على العربي كما على الأعجمي، الحاجة الاضطرارية إلى تلاحم الأنا ب”النحن” المجتمعية والمؤسساتية، لتحقيق الخروج من هذه الجائحة بأقل الأضرار، خروج ستزداد نسبة التفوق فيه لا محالة كلما تم التعبير عن مستويات عالية من التضامن والتعاون ونكران الذات ما بين الشمال والجنوب.

وهنا، أعود، من باب التعبير عن الهموم الدائمة للبشرية تاريخيا، لرواية تحت عنوان “فتاة هايدلبرج الأمريكية” للكاتب أحمد جمال الدين موسى التي أثارت في بعض صفحاتها الإرث اللاسماوي القديم في مجال الأخلاق وارتباطاتها بالتنمية وقوة الشعوب والحضارات. ولتوضيح الارتباط النفسي النظري للبشرية بالسلوك القويم منذ قديم الأزل ومزاياه الفردية والجماعية، بل والحضارية، سأستحضر في آخر هذا المقال بعض الفقرات من كتاب الموتى في الميثولوجيا الفرعونية، التي كانت تعقد محكمة الموتى برئاسة ماعت وأوزوريس للتمييز بين الأخيار والعصاة.

هذا الكتاب وكتاب تعاليم كونفوشيوس، الذي جاء بعده بألفي سنة، يتشاركان في طبيعتهما الدعوية للإنسان للتشبث بالفضيلة. لقد تجاوز كتاب كونفوشيوس التوجه للفرد الأحادي، لتمتد دعوته إلى مجال الحكم محددا ما يجب على الحكومة أو الحاكم أن يقوم به. فهذا الداعية لم يكن ثائرا أو مناضلا، وإنما كان معلما أخلاقيا، وداعية مهموم باسترداد الدولة الصينية لقوتها التي فقدتها عبر قرون بسبب تردي الأخلاق وطغيان حكام الأقاليم الإقطاعيين على السلطة المركزية.

هذا، فعلى مستوى الفرد، لقد جاء في تعاليمه أن الإنسان الكامل (أو ما يسميه الإنسان الأعلى) إذا تخلى عن الفضيلة فلا يمكنه أن يكون كاملا. فهذا الإنسان الكامل لا هوى له في الدنيا، فهو ليس مع أو ضد أي شيء وإنما يتبع الصواب وحده … هو ينشغل بالفضيلة واحترام القانون، على حين ينشغل “الرجل الصغير” بالراحة والرفاهة والمزايا التي يمكن أن يحصل عليها … هدف الإنسان الكامل الحقيقة .. لا يقلقه الفقر، ولا يشغل نفسه بالطعام والمتطلبات المادية .. مبدؤه الوفاء والإخلاص .. يحارب الشر في داخله قبل أن يحاربه عند الآخرين .. لا يجد الغرور طريقا إليه رغم اتساع عقله … لو حاد عن الطريق القويم سرعان ما يصحح نفسه … فالرجل الكامل يكون مستقيما ومحبا للحق … مستعدا للتضحية بحياته للحفاظ على الفضيلة، فهي للإنسان أهم من الماء والنار.

في نفس الرواية، حدد هذا الداعية تعريفا للفضيلة الكاملة في عبارة أولى: “ألا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يفعل بك”، أما عن السلوك الذي يجب أن يتبعه الإنسان ليشاد به في كل مكان، فلخصه في عبارة ثانية: “عليه أن يثق بنفسه، ويزن كلماته لتكون مخلصة وصادقة، ويجعل أفعاله محترمة وحريصة”. أما عن سلوك الحكام، فعبر عنها من خلال نصيحة قدمها لحاكم تشو-فو: “لا تكن راغبا في أن ترى الأعمال تجري بسرعة، ولا تنظر للمزايا الصغيرة… فالرغبة في إجراء الأعمال سريعا تحول دون تمامها بالكفاءة الواجبة .. والنظر للمزايا الصغيرة يمنع تحقق الأعمال الكبيرة .. ونجاح الحاكم يتطلب التزامه بأربعة أمور: المعرفة عن طريق التعلم المستمر، الفضيلة كي لا يخسر ما كسبه، الكرامة ليحترمه الناس، تطبيق القوانين القائمة على الاستقامة والانضباط ورضا المحكومين .. فقيادة الناس بالقانون وردعهم بالعقاب قد يجعلهم يتجنبون الجريمة ولكنهم يظلون يريدون العار، أما قيادتهم بالعقل ومعاملتهم بالكياسة واللطف فإنه يضعهم على طريق الفضيلة ويعرفهم العار فيتجنبونه من ذاتهم …”.

بالطبع، لن تستوي رسالة هذا المقال بدون خاتمة تربط الماضي بالحاضر، وتدمج تكرار الأقوال والأفعال التاريخية النافعة في الإبداع والتطور المعاصر في أفق خلق مقومات عيش مشترك جديدة. أعود لما جاء في كتاب الموتى كما جاء في الرواية السالفة الذكر، الذي كان يدفن مع الميت منذ عهد الأسر الأولى، وإن تطور محتواه عبر التاريخ الفرعوني. فهو يتضمن اعترافات الميت بأنه لم يقترف المعاصي المذمومة … فيقول ضمن ما يقول: “أنا لم أكذب .. أنا لم أفعل شرا .. أنا لم أسبب ألما لإنسان ولم أتسبب في بكائه .. أنا لم أترك إنسانا جائعا، وأعطيت خبزي للجائعين ومياهي للعطشى وثيابي للعراة وقاربي لمن كان بحاجة إليه .. أنا لم أخالط الأشرار .. أنا لم أقتل ولم أتآمر للنيل من حياة الآخرين .. أنا لم أغتصب حقوق المحرومين .. أنا لم أوقف جريان المياه ولم أهدم سدا على قناة .. أنا لم أقل كذبا وأنا أعلم ذلك .. أنا لم أنافق ولم أتعمد الخداع .. أنا أعيش على الحقيقة ولا أتغذى بغير الصدق ….”

إن عالم اليوم، وهو يعيش تطورات مرحلة ما بعد الحداثة زمن الأوبئة الفيروسية المتربصة بالحياة أرضا، يتخبط في أزمة منظومته الرأسمالية التي وصلت إلى عتبة الإشباع نتيجة حصائل تراكمات الثروة التي لم يتم التحكم فيها من طرف القوى الاقتصادية الغربية. فحركية الرأسمال ومردوديته خلقت بإستراتيجية محكمة منافذ للدفق القوي نحو الشرق بثقافته المختلفة عن باقي العالم. إنه الوضع الذي يطرح اليوم الحاجة إلى منطق متطور، بمرجيات فكرية جديدة تبعث التجديد في المعتقدات والسلوكيات على أساس العودة إلى الفضيلة وترسيخ قيم الإنسان الأعلى الذي تحدث عنه كونفوشيوس لتحقيق تفوق ثقافة “النحن” وطنيا ودوليا.

‫شاهد أيضًا‬

الغباء عاهة تشل تفكير نخب النظام الجزائري * محمد إنفي

غباء النظام الجزائري لم يعد موضع شك أو مثار تساؤل. وقد وقفت الشعوب والأنظمة عبر العالم على…