نشر في الاتحاد الاشتراكي  يوم : 09 – 01 – 2017

انعقد اللقاء الفرنسي – المغربي «ايكس ليبان» بين 22 و27 غشت 1955. كان منتظرا عقده في مدينة «نيس» حيث كان الجنرال «كوينغ» يقضي عطلته قبل أن يقرر انعقاده في مدينة «ايكس ليبان» التي كان الرئيس «بيناي» يقصدها بغية الاستشفاء.هكذا إذن اختيرت مدينة المياه الجارية لتحتضن هذا اللقاء. كان أساسيا إشراك الوزير الفرنسي في الشؤون الخارجية لأن مستقبل حكومة «ادغار فور» كان متوقفا عليه.

أما السيد «غرانفال» الذي اعتُبر افتراضيا أنه مستقيل من وظيفته منذ 12 غشت، فقد كان يعارض هذا المؤتمر لأنه اعتبر أن الأخير يسيء إلى صلاحياته وإلى السلطة التي كان يمثلها كمقيم عام، ممثل سلطات الجمهورية. ورغم إلحاح الرئيس «ادغار فور» عليه ظل «غرانفال» متشبثا بموقف الرفض وإن كان هو من نقل الدعوات إلى الأحزاب السياسية والأعيان المعتدلين وإلى التقليديين وإلى تجمعات الفرنسيين الليبراليين وتنظيم «الوجود الفرنسي».

في 19 غشت، استُقبل محمد اليزيد والمهدي بن بركة في الرباط، وجدا في استقبالهما مقيما عاما قلقا، يجاهد من أجل إخفاء قلقه. أبلغهما بأنه لا يرى جدوى من ذلك اللقاء. ماذا كان الهدف من هذا المؤتمر؟ هل كان له جدول أعمال؟ كيف سيُنظم؟ لم يكن المقيم العام ليقدر على الرد على الأسئلة، فقد بدا شاردا لا يستقر على نظر في الموضوع.

أما أنا فقد كنت حينها في باريس، والخلاصة الوحيدة التي استطعت التوصل إليها، والتي بدت لي مقبولة هي أنه لما لم يستطع بن عرفة «تكوين حكومة» مغربية تمثيلية في الآجال المحددة، فقد استخلصت لجنة التنسيق لشمال إفريقيا العبرة والدروس من هذا الفشل. في هذا الإطار، كان لابد من الدفع بوزير الشؤون الخارجية السيد «بيناي» نحو المأزق المغربي وتمكنيه، لأول مرة، من اللقاء مع ممثلي الحركة الوطنية المغربية. وقد كان ذلك اللقاء، إلى حد ما، لقاء ذا طبيعة بيداغوجية على حد تعبير الجمهوريين المستقلين. وقد أبلغت اللجنة التنفيذية للحزب بهذا الأمر عبر الهاتف.

حزب الاستقلال ومشاورات «ايكس ليبان».

كان زعماء حزب الاستقلال حائرين في أمرهم. منهم من كان يعارض المشاركة في تلك المسخرة السياسية، التي لن تفيد في شيء، اللهم إلا اللبس، بينما كان آخرون، تكتيكيا، مع المشاركة. وفيما يلي عرض للطريقة التي حُلل بها الوضع.

قرار مقاطعة المؤتمر، مقاطعة كلية، كان يبدو قرارا ينطوي على عدة نتائج سياسية خطيرة. فلجنة التنسيق لشمال إفريقيا كانت مدعوة للمشاركة في المؤتمر للتدليل على عجز بن عرفة في تكوين حكومة مغربية “تمثيلية” وفي حال امتنعنا عن المشاركة، سنترك المكان شاغرا لمؤامرات لخصوم، بل للوطنيين، الذين يقال إنهم معتدلون، المجبرون، إلى حد ما، على القبول ب”رجل ثالث”. وفضلا عن هذا وذاك، كنا نخشى أن رجلا مثل البكاي، الذي كان معزولا عنا، ينتهي به الأمر إلى الاقتناع بإجراء تكوين حكومة مغربية باتفاق مع لجنة الخمسة، بل لم يكن الأمر إلا احتمالا، لكن كان ضروريا استحضاره.

من جهة أخرى، كنا نعلم أن السيد “غرانفال” المستقيل قبل مدة، لم يكن ليقبل حلا يُستثنى منه. بل كان من الوارد جدا استبداله بمقيم عام جديد. فماذا لو تم تعيين الجنرال “كوينغ” في هذه المهمة كما كان يأمل الجنرال “لوكونت’ والوجود الفرنسي والمتشددون الآخرون مؤيدو الإبقاء على الوضع كما هو وخصوم حزب الاستقلال ومحمد يوسف؟

كانت الايجابيات السياسية والتكتيكية للمشاركة في المؤتمر تتبدى من خلال السلبيات المترتبة عن الامتناع بيد أن المشاركة كانت تستوجب بعض الشروط المحددة وضرورة الإعلان عنها. فحضورنا في ايكس ليبان كان من شأنه أن يدفع بعض الأعيان والوطنيين الذين ينعتون بالمعتدلين إلى الانحياز إلى موقعنا أو على الأقل إلى قضية ،هكذا سيمكننا أن نقطع الطريق أمام أولئك الذين قد يغويهم حل الرجل الثالث.

من جهة أخرى، ستتيح المشاركة لحزب الاستقلال إمكانية أن يستقبل لأول مرة ورسميا من قبل أعضاء الحكومة الفرنسية لاسيما أن الحزب حينها كان يعتبر متطرفا.

وعلى ذلك الأساس سنصبح في عيون الرأي العام الفرنسي والدولي منخرطين في مسلسل مافتئ التوصل إلى حله يصير أمرا مستعجلا. ثم إننا كنا نعتبر أن دور الحزب الذي داوم على الكفاح منذ 11 عاما خلت من أجل الاستقلال الوطني كان هو استغلال كل فرصة سانحة لغاية إسماع صوته والسعي إلى إقناع الآخرين وجميع الأوساط السياسية بما فيها الأكثر ترددا بقضيتنا لهذا كان الرهان كبيرا.

أما السلبية الكبرى لقرار المشاركة فكانت هي أن نبدو كما لو أننا نزكي تمثيلية جميع المجموعات والتنظيمات المدعوة إلى ذلك المؤتمر. كنا واعين بمؤامرات الحكام الفرنسيين التي تتلخص في أنه إلى جانبنا نحن المتطرفين كما كنا نوصف سيجلس المعتدلون والأعيان الأوفياء للمخزن القديم، ما يعني أن هؤلاء هم الشخصيات الحاملة أكثر من غيرها لـ” »الضمانات”» بالنسبة للمتحاورين الفرنسيين. كنا نخشى أن نجد أنفسنا متورطين داخل عالم من الآراء المختلفة حول قضية العرش كما حول المشكل السياسي لخلفية القضية.

لهذا صرحنا علنا يوم 21 غشت 1955 في إطار الحفاظ على مشاركتنا بأن الحزب لا يقبل أن يجلس على مائدة تتحلق حولها شخصيات ليست لها أي تمثيلية. أبلغنا موقفنا إلى المسؤولين الفرنسيين في الرباط وفي باريس.

هكذا، إذن كنا مستعدين لقبول دعوة لجنة الخمسة أن تقبل هذه الأخيرة استقبال وفدنا دون حضور المدعوين الآخرين هؤلاء باستثناء سي البكاي لم تكن لهم أي صلاحية للتكلم باسم الشعب المغربي وباسم ملكه المنفي.

قبل ذلك، كان أصدقاؤنا في اللجنة المغاربية بالقاهرة ودون الاتصال بنا، اعلنوا موقفا رافضا بشكل قاطع لمشاركتنا في المؤتمر، وجاء في برقية طويلة بعث بها إلى باريس محمد الخيدر باسم اللجنة أن أي مشاركة ستعتبر خيانة لقضية الشعوب المغاربية المكافحة لأجل الحصول على استقلالها.

في هذا الإطار، كان حزب الدستور الجديد (التونسي) موضوع تنديد شديد لقبول مفاوضات انفرادية مع الفرنسيين، لهذا كان واضحا أنه بعد انتفاضة الفاتح من نونبر 1954 سكنت جبهة التحرير الوطني الجزائرية بهاجس فكرة أن تبقى وحيدة عزلاء في ساحة الكفاح المسلح ضد الجيش الفرنسي غذ كانت تعتبر أن الحرب الشاملة لمجموعة شمال افريقيا كانت هي الوسيلة الوحيدة لإرغام النظام الاستعماري على قبول التفاوض على قاعدة استقلال البلدان الثلاثة المغاربية.

غير أن الأحداث ستبين بعد سنوات أن استقلال المغرب بالذات ثم تونس كان له دور إيجابي من حيث انه أعطى للجبهة مزيدا من القوة والفعالية منحتاها ثقة الجزائر فيها وتوفرت لها على إثر ذلك قواعد للتدريب ودعم مادي ودبلوماسي لم يتخلف أبدا عن تدعيم التضامن المغربية.

موازاة مع ذلك أعلن علال الفاسي العضو في لجنة القاهرة والرئيس الشرفي للمجلس الوطني للمقاومة الذي كان مقره في تطوان موقفا يرفض مشاركة حزبنا في مؤتمر ايكس ليبان. كان طبيعيا أن يعلن علال الفاسي تضامنه مع الجزائريين باعتباره كان يشعر بأنه أبعد عن الاتصال السياسية ،وهو ما نشأ عليه سوء تفاهم مأساوي كان وراءه بالأساس غياب التواصل بين الزعماء في الداخل والآخرين في الخارج.

من جهتهم، كان مناضلو الحزب قلقين بشأن هذا الموقف الأحادي الجانب الذي كان يتعارض مع تصريح الزعيم علال الفاسي لصحيفة فرانس سوار والذي يفهم منه أنه يتفق مع موقف “غرانفال” الذي يميل إلى إنهاء نظام الحكم المباشر، والدعوة إلى تكوين حكومة مغربية في إطار معاهدة الحماية نفسه. كيف إذن السبيل إلى التقريب بين الموقفين اللذين اتخذا في زمنين غير متباعدين الواحد عن الأخر، بل إنهما محيران من حيث طبيعة كل واحد منهما، إذ كان الواحد منهما على جانب كبير من الاعتدال والأخر كان صلبا.

موازاة مع ذلك، جاء تدخل المخابرات المصرية الذي كان سريا، لكن ممنهجا ليزيد من خطورة الوضع. حدث هذا في سياق كان فيه الرئيس جمال عبد الناصر قد قرر قبل شهور أن يمنح دعمه للمقاومة الجزائرية والمغربية معا، حيث كانت الأسلحة المصرية قد سلمت لابن بلة وشددت طريقها نحو ميناء الناظور في المغرب.

في المغرب، كذلك ظهرت مناورات التشويش على العمل الوطني ابتداء من عام 1953 حيث غدت مواقف حزب الاستقلال موضوع انتقادات ظالمة، وأحيانا غادرة، من داخل المقاومة او جيش التحرير. أولئك المنتقدون كانوا يعتبرون ان الثوريين الحقيقيين هم زعماء تنظيم المقاومة، الذين كانوا يقاومون بالسلاح.
إلى جانب هؤلاء، كان أولئك الذين قادتهم الصدفة إلى تطوان أو طنجة، أو إلى القاهرة او مدريد. فئة من هؤلاء المقاومين، الذين لم يلمسوا سلاحا أبدا، اصبحوا مستشارين سياسيين للمقاومين، واصحاب فكر ثوري. ان البعض منهم اعتمدوا اعضاء في المجلس الوطني للمقاومة، هؤلاء صاروا وسطاء بين المحيط المباشر للرئيس جمال عبد الناصر ومجلس تطوان.

لكن من باب الاقرار بالحقائق، الاعتراف بأن البعض منهم دعم بشكل كبير وملموس المقاومين سواء من خلال تحرير المناشير وتبليغ الخطابات والبحث عن الاسلحة، أما آخرون فقد اقتصروا على تنظيم ندوات في التكوين السياسي.

ولما كان تكوين البعض منهم بعيدا عن ان يرقى إلى المستوى العالي، فإن تحليلاتهم كان تصب، غالبا، في التبسيطية والمزايدة الديماغوجية وفي نقد جميع ما تقوم به الحركة الوطنية، على الخصوص، هؤلاء ما كانوا يترددون في الاعلان، وفي كل مكان، عن أن لا ارتباط لهم بحزب الاستقلال، وأن ارتباطهم الوحيد هو ارتباطهم مع »الشعب المنتفض« الذي لم تعد له ثقة في الزعماء السياسيين، على حد قولهم.

إن هذا الوعي السائد الذي زرع الارتباك في صفوف المناضلين، كان يمكن تفهمه في حال استطاع المستشارون الجدد وضع تحليل للوضع في المغرب ورسموا ملامح برنامج سياسي يؤكدون من خلاله القدرة على وضع تصورات خاصة بحركة المقاومة، والتي تتعارض او تواجه التصورات الخاصة بحزب الاستقلال. طبعا، لا شيء من هذا القبيل حقق. بل ان الفكرة الوحيدة التي كانت مهيمنة حينها هي ان ناصر ورفاقه انتفضوا ضد فاروق والاحزاب السياسية وان ابن بلة ورفاقه يطعنون في مصالي الحاج، وبعدها فعل صلاح بن يوسف الشيء ذاته ضد بورقيبة فصار ضروريا، اذن، ان يكون الوضع في المغرب مماثلا لحال مصر وتونس والجزائر.

ذلك هو المناخ الذي كان سائدا عندما قررت حكومة مانديس فرانس اطلاق سراحنا في العام 1954 بعضنا خرج من السجن، فالتا من حكم المحاكم العسكرية بينما عاد البعض الاخر من معسكرات الاعتقالات.

إلا أن مفاجأتنا، جميعا، كانت بطعم الألم حين اطلاعنا على حالة الحذر السائدة بين بعض رفاقنا القدامى في الكفاح، لنعي خطورة الوضع، والتي يمكنها ان تضر بالحركة الوطنية برمتها في الوقت الذي كانت فيه هذه الأخيرة محتاجة للوحدة والتآزر امام مؤامرات الادارة الاستعمارية والانتهازيين. فكان لابد من بدء حملة تفسير وتوضيح للامور، وهي الحملة التي قام بها، اساسا، المهدي بن بركة، وبعدما عاد الحوار لنصابه، امكن وضع النقاشات في سياقها الحقيقي حول القضايا الاساسية.

في هذا السياق، لم يكن هناك اي اثر للخلاف على المستوى الايديولوجي، فاذا كان مذهب حزب الاستقلال يبدو مستلهما من تصور اصلاحي تقدمي إلى حد ما فقد تبين ان مذهب مستشاري تطوان او القاهرة الجدد كان تبسيطيا، ملتبسا، بل رجعيا في بعض مناحيه، وقد كان لذلك علاقة بكون الناصرية لم تكن بعد اختارت الاشتراكية العلمية مذهبا لها.

ترى هل كان الامر يتعلق باختلافات في وجهات النظر حول الاهداف المستعجلة المطلوب تحقيقها، لا، لم يكن من خلاف كبير حول هذه النقطة، فالشعب المغربي كان متواحدا حول مطلب عودة الملك الشرعي واعلان الاستقلال الوطني. وقد طرح سؤال دقيق في هذا الشأن وهو كالتالي: في حال قبلت الحكومة الفرنسية تكوين مجلس للعرش بعد ابعاد بن عرفة، ماذا سيكون موقف زعماء المقاومة؟

لم يكن ممكنا الحصول على جواب واضح يعكس توحد جميع وجهات النظر، بالنسبة للبعض، سيكون الامر بمثابة خطوة ايجابية لأن هنالك ضمانات منحت في هذا الشأن، في حين كان البعض الاخر يرى ان ليس الامر الا مناورة هدفها ضرب التعبئة الجماهيرية والابقاء على بن يوسف بعيدا.

في هذا الاطار، لم نغفل التركيز على ان فكرة مجلس للعرش قال بها، علانية سي البكاي في باريس في الوقت الذي كنا فيه لانزال قيد الاعتقال بينما كان البعض اعضاء المجلس الوطني للمقاومة يوجدون في المحيط القريب من سي البكاي.

فلماذا تراهم اغفلوا اتخاذ موقف آنذاك؟

توضيحات كهذه أزالت الكثير من الخلافات، لكنها لم تثن خصوم الحركة الوطنية عن مواقفهم. وقد تطلب الامر اجراء لقاءات اخرى لنكتشف، اخيرا، الجرم الكبير الذي اقترفه زعماء الاستقلال! عموما، فقد عوتبنا على أننا لم نأمر بالانتفاض المسلح منذ عام 1951 بل قيل، فضلا عن ذلك، ان اقصاءنا من قبل القوى الاستعمارية هو الذي مكن الشعب من التحرر من سيطرتنا عليه، ومن حمل السلاح!

لقد وضحت في كتابات أخرى الخط الذي سار عليه الحزب بين عامي 1950 و 1952 واؤكد اننا حاولنا، فعلا، تفادي السقوط في الاستفزازات التي كانت تحيكها الحماية، اذ كانت توجيهاتنا للمناضلين ان يمتنعوا عن اي رد فعل عنيف معمم ومنهجي.

لماذا هذا التوجه، هو توجه كانت تمليه اسباب تكتيكية قيمت على نحو دقيق، فالجل الذي حدد في فبراير 1951 لمحمد الخامس، من قبل الجنرال جوان كان جزءا من مخطط عام كان يهدف، بالدرجة الاولى، إلى ابعاد الملك عن السلطة، ثم المرور إلى مرحلة تسليط القمع العام على الحزب كله. والجميع يعرف ان هذه المحاولة الاولى لم تحقق المطلوب منها، فكان لابد ان تعتبر المقاومة من هذا الفشل وتأخذ منه الدروس.

لقد كانت الفرضية الرسمية لدى الإقامة العامة تتمثل الملك كما لو كان منعزلا وان اقصاءه لن تكون له نتائج ذات تبعات كبيرة لها وزنها. كانت هذه الفرضية المبنية على أساس مغلوط تماما، موجهة إلى طمأنة باريس وخداع الرأي العام الفرنسي والدولي بينما الحقيقة شيء آخر، بل ويعرفها جوان ومحيطه، اللذان كانا يعلمان ان اقصاء محمد الخامس من شأنه ان يثير ردود فعل متواصلة قد تتطور إلى ابعد الحدود.

واذا كان »”جوان”« تراجع عن مخططه في فبراير 1951، فانه لم يفعل ذلك من باب اخلاقي، بل من باب الخشية والخوف من النتائج الوخيمة، لذلك، تقرر، مؤقتا، الاقتصار على تنفيذ المخطط الاول. حينها وضع مخطط جديد من قبل الجنرال بوايي دولاتور الامين العام للشؤون السياسية والعسكرية، وهو المخطط الذي وضع على اساس تصور جديد كان يقضي بالعزل التام لمحمد الخامس. ولتحقيق هذه الغاية، كان لابد من القضاء نهائيا، وفي مرحلة اولى، على حزب الاستقلال، ليصبح، بالتالي، عزل الملك عملية ممكنة باقل الاخطار.

على هذه الخلفية، ظهرت الاستفزازات المختلفة التي استهدفت حزبنا على امتداد عام ونصف. في هذا السياق، القي القبض على المهدي بن بركة، قطب الرحي في الحزب، ووضع رهن الاعتقال الاداري. وفي كل مكان، خاصة في البوادي، هوجم مناضلون اواضطهدوا او اعتقلوا كما عزل الباشاوات او القواد الرافضون للكلاوي من مهامهم من قبل المراقبين المدنيين بأمر من الاقامة العامة، في هذا الإطار خرج مقال في العدد الاخير من صحيفتنا الاستقلال يحمل عنوان ou veut on venir وصف فيه مناخ الاعتباطية السائد والقمع الممنهج والترهيب الذي كنا نعيشه.

كانت استراتيجيتنا تروم افشال مخطط الخصم، وواجبنا كان هو ان نظل حاضرين في المشهد السياسي إلى جانب ملكنا، تلك هي الدواعي التي كانت تجعلنا ندعو مناضلينا لتوخي الحذر والتريث بعيدا عن الاندفاع والعنف. ولم يمض وقت طويل قبل أن تبين الأحداث صحة هذا التحليل. فقد استغلت الاقامة العامة الفرص التي لطالما انتظرتها، فقامت بقمع الاضرابات والمظاهرات الشعبية التي نظمت، خلال دجنبر 1952، تضامنا مع العمال التونسيين، بعد اغتيال فرحات حشاد. هكذا، وبعد ان تم تطبيق المرحلة الاولى من مخطط القمع، لم يبق للجنرال غيوم الا ان يرتكب فعلته ويقدم على خلع محمد الخامس في غشت 1953
هكذا، اذن، يتبين ان كل قرار يدعو إلى اللجوء مباشرة إلى الانتفاضة والتظاهر العنيف، بينما كان الملك لايزال على رأس البلد، كان من شأنه ان يستغل كمبرر من قبل الإقامة العامة فتعمد إلى خلعه.

واذا حرصت على التذكير بهذه الظروف، فلأنني اردت الرد على الانتقادات الظالمةالتي تكلم بها بعض المناوئين، لنا، المغرضين. لكن، هؤلاء لا يمكنهم أن يتجاهلوا أن أول المقاومين. علال بن عبد الله و محمد الزرقطوني ومحمد البصري وآخرين كثر، كانوا مناضلين في حزب الاستقلال، اذن، ففي صفوف مناضلي الحزب تأسست اللبنات الاولى للمقاومة في العام 1953.

لقد كان للمجهود الذي قمنا به من أجل توضيح الأمور نتائج ايجابية. لكن الخلاف لم يتبدد نهائيا. وعلى خلفية ذلك، وفي هذه الظروف. اتجه الوفد المفاوض إلى مؤتمر ايكس ليبان، وقد سبقني إلى هناك عبر طائرة خاصة وضعها المقيم العام رهن اشارتهم، الحاج عمر عبد الجليل ومحمد اليزيدي والمهدي بن بركة قبل أن ألحق بهم، أنا برا، قادما من باريس، المحجوب بن الصديق وامحمد بوستة وامحمد الدويري كانوا هنالك، هم كذلك.

موازاة مع ذلك، ذاعت اخبار في الكواليس بخصوص موقف الرئيس بيناي، اذ كان مستقبل الحكومة الفرنسية مرهونا بموقفه، اما الجنرال كوينغ وزير الدفاع الوطني، فقد قيل لنا انه كان يهدد بتسجيل موقف مفاجئ من خلال الانسحاب من لجنة الخمسة، بذريعة انه كان يرفض الجلوس مع الارهابيين، الذين كانوا وراء مذبحة وادي زم. هنا، كان تصريح حزبنا هو المقصود باعتبار ان الجنرال لوكونت كان حاضرا في ايكس ليبان، وكان بديهيا الا يظل سلبيا.

مشاركتنا في المؤتمر كانت موضوع ترحيب من قبل اصدقائنا الفرنسيين، سياسيين، جامعيين وصحافيين، كان هؤلاء يخشون ان تتخذ قرارا بالمقاطعة، وبالتالي، فضل الحوار المباشر بين الحكومة الفرنسية والوطنيين المغاربة، حوارا كانوا يؤسسون عليه الكثير من الآمال.
استعرضت في بداية عرضي، و بشكل سريع، تاريخ العلاقات الفرنسية المغربية والموقف الشهم الذي اتخذه محمد الخامس خلال الحرب العالمية الثانية،والتضحيات التي قدمها المغرب من أجل نصرة قضية الحلفاء، في هذا الإطار بدا لي مناسبا أن أذكر باللقاءات التي جرت بين الجنرال ?دوغول? ومحمدالخامس في الرباط في العام 1943 وفي باريس في العالم 1945. وخلال اللقاء الأخير، أكد زعيم فرنسا الحرة للملك أنه لم يكن ينتظر إلا قيام هيئات الجمهورية الرابعة كي يبادر إلى فتح المفاوضات مع المغرب. وقد كان لهذا التذكير بالدور الذي قام به ?دوغول? أثر بين على مفاوضينا. إذا أن رئيس الحكومة ?ردغار فور? أبدى موافقته، كذلك فعل ?روبير شومان?، بينما بدا وزير الدفاع محرجا بعض الشيء.

ظل موقف وفدنا من قضية إنشاء مجلس للعرش غير واضح، بحيث لم ننتصر لا للموقف المؤيد ولا للمناقض لها، في مقابل ذلك أكدنا أن ?عودة محمد الخامس إلى اعتلاء عرشه يمثل لحزبنا، كما للشعب المغربي برمته، شرطا مبدئيا لإعادة الثقة إلى العلاقات المستقبلية بين المغرب وفرنسا?، أما إذا تم اعتماد صيغة انتقالية، فينبغي أن لا تقود إلى نهاية أخرى غير إعادة تنصيب الملك الشرعي. مهما يكن، فإن صيغة محتملة لن تكون لها من قيمة، في عيون الشعب المغربي، إلا إذا كانت تحظى بموافقة محمد الخامس.

توقعنا، بعد هذه التوضيحات والتأكيدات، أن يخرج علينا أحد المسؤولين الفرنسيين ليسجل استدراكا أو تنبيها إلى شيء ما في ما قلناه. لكننا فوجئنا بأن لا شيء من هذا وقع. وهو ما زاد من طمأنتنا.

وعلى مستوى العلاقات الفرنسية المغربية، أكدنا أن إلغاء معاهدة فاس هو، و حده، الكفيل بفتح عهد جديد لهذه العلاقات. وقد أشير في هذا إلى القرارات التي سبق اعتمادها من قبل مؤتمر ?باندونغ?.

أضفت قائلا في هذا الشأن: ?إن السيد ?غرانفال? مقتنع، بعد لقاءاته مع مختلف شخصيات الوسط السياسي والاقتصادي، أن عهد الحماية ولى!??. حينها قال أحد الوزراء الفرنسيين، ملاحظا، إن تصور ?ليوطي?، بخصوص نظام الحماية، لم يحترم بعد رحيله عن المغرب. مما لاشك فيه أن الوزير كان يحل في حديثه على تلك كالدورية المشهورة التي تعود إلى العام 1920. فيما يتعلق بهذه النقطة أجبت: ?لا يمكن الاحتفاظ بالنظام المترتب على معاهدة 1912 والتخلي عن الحكم المباشر، فالتخلي عن الخير من شأنه أن يقود إلى انفلات السيادة المغربية من الوصاية، ما يعني إفراغ معاهدة فاس من محتواها. من صالح فرنسا أن تتقدم إلى الأمام وأن تعتبر أن الوقت حان لإنهاء وصاية الحماية. حينها، لن تكون العلاقة بين شعبينا إلا علاقة ثقة، فيما يبقى كل حل جزئي، حلا ناقصا.. إن أي اتفاق مع محمد الخامس، مهما كانت طبيعته، حول قضية العرش يترتب عنه، بالضرورة، اتفاق حول العلاقات السياسية المستقبلية بين بلدينا، وذلك لأن الخلاف الذي وجد، دائما، بينه وبين المقيمين العامين المتوالين (على المغرب) يحيل على الإصرار الذي عبر عنه في العديد من المذكرات، والقاضي بالتوصل إلى إلغاء معاهدة فاس عن طريق المفاوضات.. إن حزبنا لمقدر، كبير التقدير، للقيم الثقافية الفرنسية. وثقافتنا متحت من هذه القيم دون أن تفقد خصوصيتها? وانتهيت إلى القول: ??إننا نتطلع إلى المستقبل بثقة لأن وطنيتنا بعيدة عن التعصب والكراهية، بل نؤمن بأن الصلح والتصالح ممكنان بين فرنسا، كانت دائما أرض ضيافة للمغاربة ومغرب سيبقى، دائما، أرض ضيافة لفرنسيين، ووطنا ثانيا لهم?.

بدا الرئيس ?إدغار فور? مرتاحا لعرضنا. وأحسسنا بأنه كانت له ?فكرته? عن الخطوط العريضة للحل. كنا نشعر كذلك بأنه يستطيع أن يعول على دعم ?روبير شومان?. في نهايجة تدخله، حرص على التصريح، وهو يتوجه إلى زملائه في لجنة الخمسة، بما يلي: ?استمعتم إلى رجال الاستقلال، ولاشك في أنكم استحسنتم الطريقة التي أثاروا بها القضايا. أعتقد أن ثقافتنا ودقائق لغتنا ليست بالشيء الغريب، الخفي عنهم. فمستوى تكوينهم يماثل مستوى أي برلماني فرنسي?.

لدى خروجنا وجدنا ممثلي الإعلام الفرنسي والدولي في انتظارنا. وقد عبرت لهم عن ارتياحنا من أننا تمكنا من عرض وجهة نظرنا بشكل مباشر للحكومة الفرنسية. ويتلخص ذلك في نقطتين أساسيتين وهما أن:

1- عودة محمد الخامس، باعتباره الملك الشرعي، هي القادرة، وحدها، على تبديد التوتر، الذي يشوب الحالة العامة.
2- إلغاء معاهدة فاس تعتبر شرطا أساسيا، لا محيد عنه.

في السياق ذاته، طرح علي أحد الصحافيين السؤال الآتي: ?لنفترض أن معاهدة فاس ألغيت، بماذا ستبدلونها في اعتقادكم؟
كان جوابي كالتالي: ?بعد إلغاء معاهد 1912، سيستعيد المغرب سيادته الكاملة واستقلاله. وإذاك، يمكن البدء في مفوضات بين البلدين لغاية تحديد علاقات جديدة. بل عضوية إذا اقتضى الأمر، لكن في مناخ من الثقة المستعادة? أما لوثيقة – المذكرة التي هيأناها من قبل فلم نسلمها إلى هيئة الخمسة. وقد اتخذنا هذا القرار لأننا لم نرغب في أن نصبح حبيسي صيغ قد تؤول على نحو لا يخدم المعنى الذي نريد. ثم إن الحكومة الفرنسية لم تطلب منا تسليمها وثيقة مكتوبة.

في أثناء ذلك، كان أحمد بلافريج، الأمين العام للحزب، في مدينة جنيف السويسرية. وخلال مقامنا في ?إيكس ليبان? كنا ننتقل ذهابا وجيئة، بين المدينتين لإطلاعه على تطورات المفاوضات والتشاور حول القرارات الواجب اتخاذها. وفي اعتقادي، أن وجوده في جنيف كان له دخل كبير في الموقف الذي اتخذه علال افاسي، الذي ونظرا لوجوده آنذاك في القاهرة بعيدا عن حقائق الأمور ودقائقها، اعتقد أنه أبعد عمدا عما كان يجري في ?إيكس ليبان?. وقد انضاف سوء التفاهم هذا إلى أمور أخرى ملتبسة ليزيد من التوتر داخل الحزب. بعد لقائنا بلجنة الخمسة، كان لزاما أن تتواصل اللقاءات مع ?بيير جولي? وجاك دوهاميل، ومدير ديوان الرئيس ?إدغار فور?. قبل ذلك كان سي البكاي التحق بالوفد.

وخلال لقائنا، انصبت النقاشات على هوية الشخصيات التي ينبغي تعيينها لتكون طرفا في مجلس العرش. كان لهذا الاختيار أهميته الخاصة، لاسيما أن الحكومة الفرنسية، ومن أجل إرضاء خصوم محمد الخامس، كانت تحرص على تعيين واحد من التقليديين وممثل لباشا مراكش. و?الرجل الثالث? سيكون هو ممثل الوطنيين. كانت المناورة بينة، وهي أن المجلس بتشكيلته هذه كان موجها ليكون تحت أوامر المقيم العام، وليقود في النهاية إلى الحل المعروف بحل ?الرجل الثالث? بعد أن يكون ممثل الوطنيين هو الحلقة الضعيفة.

أبلغنا محاورينا بمعارضتنا لهذه الصيغة! وقلنا: ?إن المشكل الأساسي لا يوجد على مستوى إبعاد بن عرفة فقط، بل يوجد في قضية عودة محمد بن يوسف إلى المغرب، باعتباره الملك الشرعي والوحيد للبلاد. وأما إذا تم الاتفاق على صيغة انتقالية، فلأن الغاية الوحيدة من وراء ذلك هي تحقيق الهدف المرسوم.. ?.
في مقابل هذا، طرحوا علينا السؤال التالي: ?كيف يريدون إقناع الرأي العام الفرنسي بتنحي بن عرفة إذا كان بن يوسف لا يريد التنحي عن العرش..? كان الجواب أن:

– ?محمد بن يوسف لم ولن يتخلى أبدا عن عرشه. لهذا، فهو الملك الوحيد للبلاد في عيون الشعب المغربي. وإذا لم يعتل المكان الذي يليق به، فلأنه ممنوع من ذلك. أما بن عرفة، فمبدئيا، ليس مطروحا عليه التخلي عن أي شيء، لأنه غير موجود بالنسبة للشعب المغربي!? توتر النقاش قليلا ليقترح ?بيير جولي? استئناف اللقاء في تاريخ لاحق بباريس. هكذا، إذن، انتهى مؤتمر ?إيكس ليبان?.

في 29 غشت، عين مجلس الوزراء الجنرال ?بوايي دو لاتور? مقيما عاما في المغرب، لم يكن الخبر ليثير فينا شيئا آخر غير أن يزيد من تأكيد موقف الحذر. ما عسانا نتوقع من رجل يكن عداء واضحا لمحمد الخامس. عندما حاولت السلطات الاستعمارية خلع محمد الخامس في فبراير 1951، كان الرجل أمينا عاما للشؤون السياسية والعسكرية لدى الجنرال ?جوان?. وحين مغادرته المغرب، على إثر تعيين الجنرال ?غيوم?، ترك ما يمكن اعتباره وصية?.
وهي الوصية التي أوصى فيها بالتدابير الواجب اتخاذها ضد حزب الاستقلال، وبالتالي ضد محمد الخامس.

بلغت تلك الوثيقة، التي كشفت نوايا الإقامة العامة، إلى المسؤولين عن المناطق وإلى المراقبين المدنيين. إلا أننا حصلنا على نسخة منها بفضل تفاني مستخدم (شاوش)، من مناضلي الحزب، كان يشتغل في مديرية الشؤون السياسية، وهو ما مكننا، حينها، من اعتماد الاستراتيجية الملائمة، كما ذكرت سابقا.

‫شاهد أيضًا‬

عبد الرحمن اليوسفي وشعار “ثورة الملك والشعب “.* لحسن العسبي

أثناء اشتغالي على كتاب “الشهيد محمد الزرقطوني.. سيرة حياة” سنة 2000 (والذي ترج…