(7)

حين طلب المغرب من واشنطن الحماية في القرن 19

مع إنهاء مسألة القرصنة بالبحر الأبيض المتوسط، في سنوات 1804 – 1806، بالتزامن مع تداعيات حملة نابليون بونابارت الفرنسية على مصر وفلسطين (التي نفذت من وراء ظهر بريطانيا وخفية عنها في مكر عسكري سنة 1798، عنوانا على شدة التنافس بين القوى الأروبية الصاعدة منذ القرن 18 متوسطيا وعالميا، ليس هنا مجال تفصيل القول في قصته)،، أقول منذ إنهاء مسألة القرصنة بالمتوسط، مع انتهاء الحرب على ليبيا في درنة من الشرق بريا وطرابلس من الغرب بحريا سنة 1805، من قبل القوات الأمريكية المدعومة بالقوات السويدية والدنماركية، صار لواشنطن موقع قدم في الفضاء المتوسطي عبر بوابته الجنوبية، خاصة بعد توالي توقيع اتفاقيات السلم والتعاون مع “داي الجزائر” (5 شتنبر 1795)، ثم “باشا طرابلس” (4 نونبر 1796)، وأخيرا “باي تونس” (28 غشت 1797). وهي الإتفاقيات التي جاءت عشر سنوات بعد توقيع معاهدة “السلم والصداقة” مع المملكة المغربية وسلطانها سيدي محمد بن عبد الله سنة 1786. ولعل من أكبر ما ربحته الدولة الوليدة تلك، التي بالكاد تأسست منذ 20 سنة فقط، هو إنشاء قوة عسكرية بحرية خاصة بها، كان تدشينها عمليا قد تم متوسطيا من خلال إنشاء النواة الأولى لما سيعرف فيما بعد ب “الأسطول السادس الأمريكي” الذي لا يزال متواجدا إلى اليوم.

علينا أيضا أن نسجل أنه في سياق النظام العالمي الجديد للقرن 19، الذي بدأت تتبلور فيه اتجاهات نفوذ جديدة، لعل أكبر عناوينها بداية التمايز من حيث النفوذ بين غرب المحيط الأطلسي وشرقه، فقد صار تنافس القوة البحرية والتجارية مقسما حينها بين مجالات النفوذ الأروبية في المتوسط وإفريقيا وآسيا، وبين مجالات النفوذ الأمريكية في الكرايبي (كوبا بالأساس) وأمريكا الوسطى (الحروب مع المكسيك) وعمق أمريكا الجنوبية.

بالتالي، فإنه ضمن ذلك التواجد الأمريكي متوسطيا، طيلة القرن 19، ستكون العلاقة مع المغرب، علاقة خاصة جدا، يحكمها الحرص من جانب واشنطن على أن لا تفرط في أي من امتيازاتها التجارية والسياسية مع المغرب، مهما تبدل شكل العلاقة بينه وبين الدول الأروبية الطامعة في السيطرة عليه، التي تتشكل بالأساس من الرباعي الفرنسي والبريطاني والإسباني والألماني. بدليل أننا حين نستعرض عناوين تلك العلاقة طيلة القرن 19 الممتد حتى سنة 1906 (تاريخ مؤتمر الجزيرة الخضراء)، سنجد محطات دالة متعددة فيها السياسي وفيها التجاري وفيها التقني، مع خيط ناظم هو الحرص على عدم الإنخراط في أي مواجهة مسلحة قد تغضب القوى الأروبية، ضمن منطق التوازن الجديد الذي قلنا إنه بدأ يتبلور بين شرق وغرب المحيط الأطلسي. وما يعنيه ذلك هو أن واشنطن، إنما حرصت على المحافظة على امتيازاتها التجارية بالموانئ المغربية، لكن ضمن ما يتوافق والمصالح الأروبية متوسطيا وإفريقيا. وكان طبيعيا أن يكون مجال بروزه هو مدينة طنجة وميناؤها الإستراتيجي بمضيق جبل طارق، عند المدخل الجنوبي الحيوي للبحر الأبيض المتوسط.

أليس في طنجة عقد اللقاء بين السلطان مولاي سليمان سنة 1802 والأميرال العسكري للبحرية الأمريكية بريبل، قائد الحملة العسكرية ضد باشا طرابلس، لتجديد معاهدة “السلم والصداقة” لسنة 1786، بعد المواجهات المسلحة البحرية التي تمت بين سفينتين حربيتين مغربيتين والسفن الحربية الأمريكية، والتي كانت نتيجتها بعث السلطان المغربي مولاي سليمان رسالة تأكيدية إلى الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون على التزامه باحترام ما تم التوقيع عليه من عهود مع والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله؟. أليس في طنجة ستحوز واشنطن أول بناية ديبلوماسية لها في العالم، مستقلة وخاصة، بقرار من ذات السلطان المغربي سنة 1821؟. أليس في طنجة سيتم إنجاز أول منارة بحرية عسكرية وتجارية حديثة في إفريقيا بكاب سبارطيل (آشقار) سنة 1864 (بعد المنار التاريخي الشهير للإسكندرية)؟. أليس في طنجة سيتم تجريب أول تنظيم صحي وأمني (شرطة حديثة) بالمغرب في بدايات القرن 19؟. وجميع هذه المحطات كان لواشنطن دور محوري مؤثر فيها جميعها.

إن ما نود أن نخلص إليه هنا، هو أن التواجد الأمريكي بالمغرب، سيرتبط طيلة القرن 19 الممتد حتى سنة 1906، بمدينة طنجة بشكل أساسي، مع حضور قنصلي في ما كان يعتبر موانئ محورية في المحيط الأطلسي بالمغرب، التي يرتبط كل واحد منها بامتداد سهلي فلاحي غني ومنتج، من قبيل ميناء آسفي وارتباطه بسهل عبدة، ميناء الجديدة وارتباطه بسهل دكالة، ميناء آنفا وارتباطه بسهل الشاوية، ميناء العرائش وارتباطه بسهل الغرب، ثم ميناء الصويرة الحيوي المرتبط بمراكش وأيضا بالتجارة الصاعدة من عمق الصحراء. مع تسجيل معطى تاريخي هو أن واشنطن، اعتادت على امتداد القرن 19 تغيير قناصلتها كثيرا بالمغرب، خاصة ممثلها الديبلوماسي المركزي بطنجة، حيث بلغ عددهم ما يفوق 17 قنصلا، وهو رقم كبير حينها مقارنة مثلا مع الوضع الديبلوماسي البريطاني بالمغرب، الذي شهد تعيين فقط 5 سفراء على امتداد ذلك القرن، كان منهم من قضى أكثر من 40 سنة في المغرب مثل السفير اللورد جون دارموند هاي.

كان المغرب، ضمن النظام العالمي للقرن 19، في فضائه المتوسطي والغرب إفريقي، يواجه ضغوطا متلاحقة لاختراقه تجاريا وماليا وسياسيا، في تنافس بين لندن وباريس ومدريد، مما دفعه في السنوات ما بين 1859 و 1890 إلى محاولة البحث عن مخارج للإفلات من تلك الضغوط، كان من ضمنها أمران هامان وحيويان، قليلا ما سلط عليهما الضوء تاريخيا. يتمثل الأول في الدخول في مفاوضات سرية مع واشنطن لمنحها نقطة ارتكاز بحرية عسكرية وتجارية بشمال المغرب بين شاطئ القصر الصغير وجزيرة ليلى (البقدونس)، وهو المشروع الذي ردت عليه فرنسا بإجراء تهديدي عسكري بحري قبالة ميناء طنجة، حين أرسلت 4 سفن حربية إلى المياه المغربية. فيما يتمثل الثاني في تقديم السلطان محمد الرابع (محمد بن عبد الرحمن) وابنه بعده السلطان مولاي الحسن الأول أكثر من مرة لواشنطن طلب الحماية الأمريكية للدولة المغربية ضمن سياق مواجهة تداعيات تلك الضغوط الأروبية، خاصة الفرنسية منها (بعد احتلالها شمال الجزائر سنة 1830، وهزيمة الجيش المغربي أمامها في معركة إسلي سنة 1844). وهو مطلب الحماية الذي لم تجد أمريكا نفسها على استعداد للتجاوب معه، لأسباب مركبة ترتبط في غالبيتها بالتوازن بين شرق وغرب المحيط الأطلسي، وبالمدى المسموح ضمنه للنفوذ الأمريكي بالفضاء المتوسطي والشمال إفريقي من قبل تلك القوى الأروبية، وكذا للضعف البنيوي للمخزن المغربي إداريا حينها، وبالإستتباع للكلفة الثقيلة ماليا وعسكريا وأمنيا.

كثيرا ما يتم التذكير اليوم في الإعلام المغربي (وأيضا في مناسبات أمريكية ديبلوماسية وإعلامية)، بالأهمية الكبيرة للقنصلية الأمريكية بطنجة، التي تعتبر المعمار التراثي الوطني الأمريكي الوحيد في العالم الذي يقع خارج الأراضي الأمريكية. وهي في الواقع عنوان بارز على مستوى طبيعة العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية في القرن 19، ميزته أنه يقدم الدليل مرة أخرى على أن الجانب المغربي هو الذي ظل يبادر بنية حسنة تجاه واشنطن لتعزيز العلاقة معها سياسيا وديبلوماسيا واستراتيجيا، حيث إن السلطان المغربي مولاي سليمان هو الذي قدم من تلقاء نفسه كسلطان للمغرب لواشنطن مقرا ديبلوماسيا لها بطنجة، بدون أن تطلب هي ذلك من السلطات المغربية. وهي المبادرة التي تتكامل مع مبادرة والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله، الذي قرر باسم المملكة المغربية الإعتراف بقيام الدولة الأمريكية قبل أي دولة في العالم سنة 1777. مما يجد تفسيره في أن الرهان المغربي على واشنطن كان منذ البداية، رهانا برؤية استراتيجية ضمن منطق النظام العالمي للقرنين 18 و19، الغاية منه تنويع شركائه بما يحقق له التخفيف من البقاء معزولا أمام ضغط القوى الأروبية الكبرى الطامعة في التحكم فيه واختراقه.

بل إنه قليلا، ما توقفت الدراسات التاريخية المغربية (التي أغلبيتها ذات مرجعية فرنسية منهجا ومصادر) عند ذلك التوازي المثير في حرص السلاطين المغاربة، منذ سيدي محمد بن عبد الله حتى مولاي عبد العزيز، أي على امتداد حوالي 129 سنة، ما بين 1777 و 1908، على تجسير العلاقة مع كل من برلين وواشنطن. وأنه حرص يجد تفسيره في محاولة فك الطوق الذي كانت تضربه القوى المنافسة لها أروبيا وفي العالم، على المملكة المغربية، سياسيا وتجاريا وماليا وعسكريا وأمنيا. بالتالي، فإن ذلك يقدم الدليل على نوع من محاولات “فن الممكن” المغربية (أليست السياسة فن الممكن كما يقال)، للتعايش مع اصطخاب مصالح النظام العالمي للقرن 19. ولعل المثير، في هذا الدرس التاريخي، هو أن برلين وواشنطن، ستتساوقان في ذات الموقف تجاه ذلك الطموح المغربي لفك العزلة عنه، من خلال سعيه وحرصه على تنويع شركائه وعلاقاته الدولية عبرهما معا، حيث كانت ردود فعلهما وخطواتهما محسوبة بدرجة تأثير ذلك على علاقاتهما مع محيطهما الغربي ومع قواه الكبرى الأروبية تلك في لندن وباريس ومدريد، وليس بالرهان على المغرب الذي يضعفه مستوى حاله التدبيري إداريا وعسكريا وتنظيميا وماليا وإنتاجيا. وكان جوابهما ذاك يظهر في كل المؤتمرات الدولية التي عقدت حول “القضية المغربية” في مدريد أوالجزيرة الخضراء ما بين 1880 و 1906.

(8)

جانب من معرض سان لوي الأمريكية الدولي سنة 1902

لو شئنا وضع عنوان سلبي لشكل العلاقات المغربية الأمريكية ما قبل 1912، تاريخ فرض الحماية على المغرب، لكان محصورا في ما يمكن وصفه ب “أزمات مشكل المحميين الأمريكيين من المغاربة والأجانب”. ذلك أن كل المراجع التي اشتغلت على أرشيف المراسلات بين ممثلي السلطات المغربية في طنجة أو في العاصمة فاس، تقف بتفصيل دياكروني (وليس سانكروني) عند كم كبير من المشاكل القانونية والتدبيرية والأمنية والمالية التي تسببت فيها قضية “المحميين الأمريكيين”. وكيف أنها أثرت كثيرا على أدوار القناصل الأمريكيين المعينين من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بالمغرب، مثلما أنها كانت سببا في إعفاء البعض منهم من مهامه الديبلوماسية في قرارات عقابية (القنصل الرئيسي بطنجة ماثيوز كمثال). لأن مسألة منح “الحماية الأمريكية” حينها للأفراد المغاربة، على امتداد سنوات النصف الأخير من القرن 19 وبدايات القرن 20، قد تحولت إلى مجال للفساد المالي واستغلال النفوذ والرشوة.

لكن، الواقعة كما حدثت تاريخيا، مختلفة بعض الشئ. أولا لأن مشاكل أزمة “المحميين” بالمغرب (وهنا مهم جدا العودة إلى الكتاب القيم للمؤرخ المغربي محمد كنبيب “المحميون” الصادر سنة 2011، ضمن منشورات كلية الآداب بالرباط)، كانت واقعا مشتركا بين كل القوى الأجنبية ذات التمثيل الديبلوماسي أو التجاري بالمغرب، من البرازيل بأمريكا اللاتينية حتى روسيا القيصرية بموسكو، مرورا بمدريد، باريس، روما، فيينا، برلين، ستوكهولم، لشبونة، لندن، أمستردام وغيرها من عواصم الدول الأروبية. وأن الفساد المالي والرشوة والإغتناء غير المشروع للوسطاء وللديبلوماسيين الأجانب وهم يبيعون أوراق حمايات حكومات بلدانهم للمغاربة، قد ضاعف منه ثانيا مستوى الفساد والرشاوي والإتاوات المتفشي ضمن البنية الإدارية للسلطة المغربية على كافة المستويات التدبيرية (تجارية، جمركية، ديبلوماسية وأمنية). ولم تكن المشاكل الأمريكية في مجال مسألة المحميين، سوى جزء من كل، حيث سجلت مشاكل عويصة في كل المدن التي كان بها تواجد ديبلوماسي أمريكي بالمغرب، من طنجة حتى الصويرة، مرورا بآسفي والجديدة والدار البيضاء والعرائش، وكذا في كل المناطق التي ولدت بها أنوية تجارية أمريكية (خاصة الشركة الأمريكية للجلود من مدينة فيلاديلفيا، التي كانت تصدر الجلود من المغرب صوب جبل طارق ومنه إلى لندن ومن لندن إلى ميناء بوسطن).

إن ما نود نحن التوقف عنده أكثر، في هذا المستوى من البحث في قصة العلاقات المغربية الأمريكية، هو الشق المؤسساتي لتلك العلاقة كما تبلور في المرحلة الدقيقة ما قبل 1912، والذي ستكون له آثار جلية على الموقف الأمريكي بعد 1912، أي بعد فرض الحماية الفرنسية والإسبانية والدولية على الأراضي المغربية، كما تم توزيعها بين باريس (في الوسط الغني فلاحيا ومعدنيا) ومدريد (في الشمال وفي الصحراء الغربية للمغرب من سيدي إيفني حتى الكويرة) ومجلس حماية دولي في منطقة طنجة. ذلك أن واشنطن لم تعترف عمليا بتلك الحماية بشكل قطعي حتى نال المغاربة استقلالهم من فرنسا وإسبانيا في ثلثي أراضيهم سنة 1956، حيث ظل النقاش بين واشنطن وباريس هل هو “حماية” أم “وصاية”، امتد حتى سنة 1937، بينما في الجانب الذي احتلته مدريد فإن واشنطن لم تعترف به قط. وأن رهانها الدائم منذ معاهدة 1786، ظل هو الحفاظ على حق الحرية الإقتصادية والباب المفتوح والمساواة في ذلك بين الدول الغربية على مستوى تقاطع مصالحها الحيوية مع الجغرافية المغربية، أرضا وبشرا ونظاما سياسيا.

بالتالي، فإن شكل تطوير واشنطن لتواجدها الديبلوماسي والتجاري والإقتصادي بالمغرب، ما قبل 1912، من ضمن تواجدها في الفضاء المتوسطي وفي شمال إفريقيا، قد ظل يحكمه منطق متناغم مع رؤية استراتيجية شاملة للنخب الحاكمة بالولايات المتحدة الأمريكية سواء في مؤسسة الرئاسة أو في المؤسسة ذات القرار الفصل التي هي الكونغرس. وهي الرؤية التي ظلت تحكمها حينها “مبادئ مونرو” الإحتياطية التحرزية حماية لمصلحة “أمريكا أولا”، وعدم الإنجرار عسكريا بالأساس إلى تشابكات الصراعات التنافسية بين القوى الأروبية عبر العالم وعدم التورط فيها. مثلما ظلت تحكمها المسافة الواجبة مصالحيا بين العمق الأروبي في غرب المحيط الأطلسي وبين العمق الأمريكي في شرق المحيط الأطلسي، أي بعبارة تبسيطية: كل واحد يلعب في مجاله الحيوي جغرافيا ومصالحيا. من هنا ذلك الحرص الأمريكي الدائم ما قبل 1912، على أن يكون تواجدها في المغرب متساوقا من الناحية السياسية مع المخططات الأروبية (سواء الفرنسية أو الإسبانية أو البريطانية)، وحريصا من الناحية التجارية والإقتصادية على مبدأ “الحرية الإقتصادية والباب المفتوح والمساواة” حتى تضمن لها موقعا ضمن تلك السوق في شمال إفريقيا وجنوب المتوسط (قبل أن يتوسع ذلك التواجد إلى شرق المتوسط والشرق الأوسط في بدايات القرن 20 بمنطق مصالحي وجيو سترايتجي آخر جديد ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918، وأساسا مع بدايات اكتشاف النفط).

لهذا السبب، فإن تواجد الخبر المغربي والموضوع المغربي، ضمن رزنامة الخطاب السياسي الأمريكي وضمن واجهته الإعلامية والصحفية في تلك المرحلة ما بين 1844 و 1906، سيتحقق من خلال تطور ” القضية المغربية” على مستوى حسابات واستراتيجيات القوى الأروبية الكبرى المتعلقة بتوسيع مجالات النفوذ التجاري والإقتصادي لها، بخلفية التحكم جغرافيا في السوق العالمية بمنطق القرن 19 وبدايات القرن 20. بالتالي فإنه لا يمكن تمثل ذلك بوضوح معرفي متصالح مع الواقعة التاريخية، بدون تمثل تطور التنافس الأروبي على الأسواق الخارجية ضمن مجال نفوذها الجغرافي الأقرب لها الذي هو إفريقي وشرق أوسطي وآسيوي، الذي بلور ضمن نخبها وضمن مجالات التعبير السياسية بها ما يوصف ب “الحزب الإستعماري”، الذي هو تيار عسكري وتجاري واقتصادي وفكري في الآن نفسه. فكان حرص واشنطن، في تعاملها مع “القضية المغربية” حرصا براغماتيا نفعيا بحكم طبيعة الأمور، بالعلاقة مع تطور ذلك التيار “الإستعماري” أروبيا. وأن تواجدها بالمغرب، قد توازى مع ذات مستوى التواجد الأروبي الغربي:

  • على مستوى أشكال التعامل التجاري عبر الموانئ المغربية،
  • على مستوى التمثيل القنصلي والديبلوماسي،
  • على مستوى ممارسة ما يمكن وصفه ب “قانون المحميين”،
  • وكذا على مستوى التهديد العسكري البحري كلما اعتبرت أن الحاجة تقتضي ذلك للدفاع عن مصلحة حيوية آنية أمريكية (مثال حادث اختطاف المواطن الأمريكي “بيرديكاريس” الذي كانت له أدوار مركبة في طنجة، ضمنها أدوار طبية وأدوار تجارية وأدوار تبشيرية وأدوار مخابراتية. أقول اختطافه رفقة إبن زوجته الإنجليزي “كرومويل فارلي” من قبل المتمرد أحمد الريسوني بضواحي طنجة سنة 1904).

بالتالي، فإن التواجد الأمريكي بالمجال المغربي، قد ظل شبيها بالتواجد الأروبي الغربي، أي في تساوق معه وليس في صراع معه. وظل الحرص دائما على الحضور في كل محطة مفصلية تتعلق ب “القضية المغربية” منذ مؤتمر مدريد سنة 1880، الخاص بمناقشة “قانون المحميين بالمغرب” بين الإبقاء عليه أو إلغائه، حتى مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، الذي تم فيه عمليا وضع الأسس لفرض الوصاية على الجغرافية المغربية وتوزيعها تدبيريا بين أكثر من عاصمة أروبية تحت خيمة المصالح الفرنسية بالأساس، والذي سجل فيه رفض واشنطن المشاركة ضمن رأسمال إنشاء “بنك المغرب”، مما اعتبر قرارا غير حكيم من قبل بعض أعضاء الكونغريس بواشنطن. مثلما تم الحرص على الحضور في ملفات أخرى من قبيل لجنة “منارة آشقار – رأس سبارتيل” و “المجلس الصحي” بطنجة و “مجلس شرطة طنجة وموانئ المغرب”.

كان الأمر، في النهاية، أشبه بمد وجزر في التواجد الأمريكي بالمغرب ما قبل 1912، حسب درجة المساس بالخط الحيوي الذي وضعته واشنطن لشكل تواجدها بالفضاء المتوسطي وبشمال إفريقيا، تجاريا وسياسيا. مع تسجيل معطى مركزي هام، هو أنها على امتداد مستوى ذلك التواجد، الذي قلنا إنه مؤطر ضمن رؤية استراتيجية لها (مبادئ مونرو – مبادئ الحرية الإقتصادية والإنفتاح المجالي والمساواة بين الدول)، قد ظلت حريصة على تجسير العلاقة مع مؤسسة الدولة المغربية ممثلة في بنيتها المخزنية السلطانية، فهي لم تقطع أبدا التواصل مع مختلف مستويات هرم السلطة بالمغرب من أعلاها ممثلا في السلطان إلى أدناها ممثلا في خدام الدولة المغربية في الموانئ والمدن، مرورا بالصدر الأعظم والنائب السلطاني بطنجة ومختلف الوسطاء من تجار مسلمين ويهود ومن محميين مغاربة من الديانتين معا بمختلف المدن المينائية بالشاطئ الأطلسي للمغرب. مثلما ظل الحرص كبيرا على بقاء التمثيل الديبلوماسي الأمريكي، وتوسيعه قنصليا ليشمل دوما ما بين 4 و 7 قناصلة في نفس الوقت بمحتلف المدن المغربية ذات الدور التجاري البحري. وأنه سيتم ترقية التواجد الديبلوماسي في طنجة (مقر النائب السلطاني وشبه مقر وزارة الخارجية المغربية بمنطق القرن 19 التي هي “دار النيابة”)، إلى مستوى “وزير مفوض” في نهاية القرن 19، وإعلاء مستوى قنصليتها بطنجة إلى “مفوضية أمريكية”. وأن كل ذلك قد ظل يتم بالتنسيق دوما مع ممثليتها الديبلوماسية بجبل طارق، بدليل أن أغلب القناصلة الأمريكيين الذين سيتم تعيينهم بالمغرب من قبل وزارة الخارجية الأمريكية هم قادمون من مناصب لهم سابقة بجبل طارق.

إن مما يعزز ذلك التوجه الأمريكي للحرص على موقعهم الديبلوماسي والتجاري بالمغرب، هو توجيه الدعوة عبر مبعوث أمريكي حل بفاس إلى السلطان مولاي عبد العزيز للمشاركة في المعرض الدولي لمدينة سان لوي بأمريكا سنة 1902، إسمه لونغرمان، وهو المعرض الذي اعتذر مولاي عبد العزيز عن المشاركة فيه، وأرسل رسالة مع ذلك المبعوث إلى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت يشكره على الدعوة وأنه كلف لونغرمان لإقامة جناح باسم المملكة المغربية وأن له حق التفاوض مع التجار والبنكيين الأمريكيين لدعوتهم للإستثمار في مجال المناجم بالمغرب. وهي الدعوة الأمريكية التي جاءت متساوقة مع إرسال واشنطن قبل ذلك مبعوثا لها إسمه “فالكوط وليامز” أنجز دراسة حول المجال المغربي بعد زيارته، تحت حماية مخزنية، لمدن تطوان، وزان، القصر الكبير، فاس، مكناس، سلا، الرباط ومراكش. مما يقوم دليلا على اهتمام واشنطن بالسوق المغربية ومجالات الإنتاج فيه تجاريا ومعدنيا وفلاحيا.

(يتبع )

‫شاهد أيضًا‬

قوة الهيمنة الدينيّة على الفرد والمجتمع.* د . عدنان عويّد

     لم يكن الدين وليد عصر محدد من العصور التاريخيّة في حياة الإنسان, …