مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد.

خاص موقع صحيفة المثقف: يستضيف موقع صحيفة المثقف, الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور عدنان عويّد، ضمن مرايا فكريّة، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول قضايا الفكر والهوية واللغة والنهضة في العالم العربي، فأهلا وسهلا بهما:

 المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س18: أ. مراد غريبي: في مقاربتكم لفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة أين الفخ وأي أمن ثقافي من شأنه توليد حداثة عربية منسجمة مع سلطة الدين في حياتنا؟

ج18: د. عدنان عويد: دعنا نعيد تعريف الحداثة وما بعدها هنا قبل الإجابة عن هذا السؤال الهام في مضمونة ودلالاته.

     إذا كانت الحداثة في سياقها العام، هي كل جديد في حياة الإنسان أفرزته بالضروة طبيعة العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة أثناء تطورها وتبدلها, وعبر إنتاج الناس لخيراتهم الماديّة والروحيّة. فإن هذا التطور والتبدل إن جاء بفعل داخليّ أو خارجيّ، سيجد له بالضرورة مجالاً حيويّاًّ، وتقبّلاً عند أبناء هذا المجتمع أو ذاك بسلبه وإيجابه.

     إن ما بعد الحداثة, هي في الحقيقة نمط حياة, تمثله الدول والمجتمعات الغربيّة بشكل عام وأمريكا بشكل خاص. فبعد انتهاء الحربين العالميتين وما تركته من دمار ماديّ وقيميّ على حياة الفرد والمجتمع الأوربيين، راحت تتجذر بشكل أكثر فاعليّة مسألة الضياع الإنسانيّ بعد أن ساد النظام العالميّ الجديد بقيادة الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة – وما تمثله من قيم السوق (الربح) على كافة مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، حيث راح الإنسان ذاته يُسلع في هذا النظام، ومع تسليعه وتشيئه واستلابه وتغريبه روحيّا وجسديّا، أدخلوه بالضرورة في عالم اللامعقول، فالحياة تحت مظلة هذا النظام التي أخذ يعبر عنها فلاسفة ما بعد الحداثة كحياة تفرد فيها المجتمع ذاته بعد أن حاز الفرد على حريته إلى درجة أصبحت فيها مصالح الفرد هي الأساس, و لم يعد للكتلة الاجتماعيّة ومصالحها ذاك الاهتمام الذي كانت تحظى به في مرحلة الحداثة والسرديات الكبرى، حيث تبين أن كل قيم الحداثة الداعيّة إلى الحريّة والعدالة والمساواة والمواطنة ودولة القانون وغيرها قد تلاشت, ولم تعد صالحة أو أثبتت فشلها، وبذلك تحولت الحياة كلها إلى عبث، وراح يؤكد على موت القيم والدين والفن والأدب والمصالح الجمعيّة، ليسود عالم من التذرير الاجتماعيّ، وليظل الفرد وحده سيد هذا الوجود، فكانت الوجوديّة بشقيها الماديّ والمثاليّ، وسادت العدميّة والعبثيّة دون أي ضابط أخلاقيّ. ومع سيادة هذه القيم راح يتذرر الإنسان ويتنمذج وفق ما يريده أصحاب الرأسمال المتوحش الذين يديرون سياسات العالم، بحيث لم يعد لهذا الفرد المنمذج أي لون أو رائحة أو طعم، إلا لون ورائحة وطعم ما يريده إعلام وسياسة وثقافة وفن وأدب كباتنة الرأسمال المتوحش المتحكمين بالنظام العالميّ.

     على العموم نستطيع القول: إن الحداثة قد انطلقت برأيي من أساسين اثنين هما: أساس طبيعيّ فرضته طبيعة حياة الإنسان الذي يبحث دائما عن حريته وتأمين حاجاته الماديّة والروحيّة، وهذا ما جعله يسعى في مناكبها كي يكتشف أسرارها ويسخر ما يستطيع تسخيره في هذه الحياة بشقيها الطبيعيّ والاجتماعيّ لمصلحته، وقد استطاع فعلاً أن ينجز الكثير في هذا المجال على المستويين الماديّ والفكريّ. فمن اختراعه للفأس الحجريّة وصولاً إلى اختراعاته بمستوياتها العليا في مجال التكنولوجيا، ومن اكتشافه للحرف وصولاً إلى مستويات عليا أيضا في التفكير واستخدامه في مجالات الفلسفة والفن والأدب وكل مجالات العلوم. هذه هي الحداثة والتجديد – على اعتبار أن كلاهما وجهان لقضيّة واحدة في نسقها الأول.

     أما الحداثة في نسقها الثاني: فهي الحداثة التي شكلت نظام حياة، وقد تجسد عبرها جملة من التحولات الماديّة والفكريّة بقيادة طبقة جديدة هي الطبقة التجاريّة في بدايتها، التي شكلت بدورها مع بداية القرن الخامس عشر الحركة الأنسيّة كحركة حداثية في مدن إيطاليا التجارية (فلورنسا والبندقيّة)، ثم ظهرت من صلبها الطبقة الرأسماليّة الصناعيّة التي تحولت تاريخيّاً من طبقة تقدميّة أيضاً, كانت وراء عصر التنوير في القرن الثامن عشر، إلى طبقة استغلاليّة مارست وتمارس القهر على شعوبها وشعوب العالم الضعيفة والمتخلفة, ومنها شعوب وطننا العربيّ منذ ظهور المرحلة الإمبرياليّة وصولاً إلى المرحلة الرأسماليّة الاحتكاريّة ونظامها العالميّ الجديد.

     نقول: إذا كانت الحداثة هكذا هي في سياقها التاريخيّ، فالسؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا هو: أين نحن من الحداثة وما بعدها؟.

     لا أحد ينكر أن العرب عبر امتدادهم التاريخي قد أوجدوا حضارات كبيرة لها عمقها التاريخيّ وتجلياتها الماديّة والروحيّة في بلاد الشام وبين النهرين وإفريقيا ومصر. ولكن هناك قطع تاريخيّ كبير قد حدث في مسيرة هذه الحضارات، حيث تحولت معالمها اليوم إلى مناطق سياحيّة يجوبها عشاق السياحة في العالم، أما الذي ساهم في تحقيق هذا القطع، فهي الحروب التي كانت تدور بين دولها قبل التاريخ من جهة، ثم سيطرة الرومان واليونان والفرس عليها وطبعها بميسمها من جهة ثانيّة، وأخيراً وهذا هو المؤسف حقاً، هو ظهور الإسلام بعظمته وسيطرة قوى اجتماعيّة ذات عقليّة بدويّة على مقاليد أموره وبالتالي إدخاله في عالم القبيلة والغنيمة أولاً، ثم ممارسة الاستبداد على الشعوب التي خضعت له روحيّاً وجسديّاً في المناطق التي انتشر فيها من قبل طبقة سياسيّة ذات عقليّة بدويّة كما قلنا فقدت منذ البداية قدرتها على فهم هذا الدين العظيم ومقاصده ثانياً، كما فقدت تالياً سيطرتها على أمور قيادة الدولة والمجتمع والخضوع لقوى غريبة هم من أدخلوها السلطة، وراحوا فيما بعد بسبب صراعاتهم على هذه السلطة تتحكم هذه القوى الغريبة بهم وإيصال حلفائهم من الخلفاء الضعاف إلى ببغاوات ينفذون ما يأمرونهم  به كما فعل البويهيّون والبرامكة والسلاجقة وغيرهم.

     إذن نحن قي عالمنا العربيّ فقدنا زمام مقومات الحداثة في نسقها الطبيعيّ الذي أشرنا إليّه أعلاه، وإن بقي لدينا بعض من مقوماتها فقد هُجرت بالقوة إلى سمرقند واستانبول وغيرها من عواصم الدول الغازيّة التي حكمتنا مئات السنين باسم الإسلام. الأمر الذي جعل الباحث الجبرتي يذكر في كتابه (تاريخ الجبرتي) عن مفردات بعض الحضارة الغربيّة التي دخلت مصر مع حملة بونابرت:( ولهم فيها أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا). أو كما يقول الطهطاوي بعد عودته من فرنسا: ( بأن هناك خمسة عشر علما تقوم عليها الحضارة في الغرب نحن نفتقد إليها في مصر، وسماها بالعلوم البرانيّة، أذكر منها: علوم التربيّة التي يدخل فيها الحساب والهندسة والجغرافية والرسم، وعلم تدبير العلوم كالحقوق الطبيعيّة والحقوق البشريّة والحقوق الوضعيّة، وعلم الاقتصاد كالمصارف وتدبير المعاملات والمحاسبات وحفظ بيت المال، وهناك العلوم العسكريّة والبحريّة، وعلم السفارات، وفن المياه، وعلم الميكانيك وهندسة العمارة، وفن الرمي بالمدفع، وفن سبك المعادن، وعلم الكيمياء وصناعة الورق، وعلم الغلافة، وعلم الطبيعيات، وعلم الطباعة وفن الترجمة). هذا في مصر ذات الحضارة الفرعونيّة، فماذا عن حضارات المشرق العربيّ كالآراميّة والفينيقيّة والبابليّة والسومرية والأكديّة.؟. فهذا الكاتب النهضويّ “أحمد فتحي زغلول” يوصف حالة المشرق العربيّ المزريّة عام 1899 فيقول: ( نحن ضعفاء في كل شيء تقوم به حياة الأمم، متأخرون في كل شيء عليه مدار السعادة .. ضعفاء في الزراعة.. ضعفاء في الصناعة.. وليس منا إلا الفعلة والعتالون ومنفذو إرادة الأجنبي ليبقى هو ونموت نحن، هذه المعامل الفسيحة والمصانع العظيمة التي أقيمت بين بيوتنا كلها للأجنبيّ. ثم يتابع قوله: نحن ضعفاء في التجارة والعلم، اللهم إلا علم مداره جهل حقائق الأشياء في الوجود، أما المفيد منه فقد اقتصرنا منه على ما يختص بعلاقة الأنسان مع ربه، والباقي حكمنا عليه بالإعدام.).

     هذا ويجب أن نشير هنا إلى دور التقسيم الدوليّ للعمل وتأثيره على دول المتروبول ومنها وطننا العربيّ. حيث كانت لهذا التقسيم آثار سلبية انعكست على حياتنا حيث وصفها أحد الأوربيين المقيمين في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر بقوله: (إن مخازن هذه المدينة مليئة بالسلع من مصانع أوربا وأمريكا، ويكاد السائح يجد في كل شارع من شوارعها سلعاً وبضائع من جزر الهند الغربية… أقمشة قطنية من انكلترا… وأجواخ من مانشستر… أقمشة اسكوتلىنديّة.. حرائر فرنسيّة.. ومناديل سويسريّة.. والذين يعرفون كيف كانت بيروت من سنة 1835 – إلى 1855. فهي أشبه بالفرق بين منتصف الليل ومنتصف النهار.). وهذا الوضع الاقتصاديّ تحت مظلة التقسيم الدوليّ للعمل دفع المفكر النهضويّ “نسيب شبلي” يكتب عام 1886عن الوضع الاقتصاديّ في البلاد العربيّة ومنافسة الاقتصاد الغربيّ له قائلاً: (يكاد المال أن يفرغ من يد أبناء البلاد، وما ذلك إلا لقاء سلع الأجانب علينا، ولا نرى ندحة من اقتنائها. ثم يتساءل: أين محصولاتنا؟. أين صناعاتنا؟. أين المواشي؟. أين المعامل؟. أين المصانع؟. أين الزراعة؟. أين كل أساليب التمدن؟. هذه كلها أسئلة يخجل المتكلم عن الجواب عليها.).

     أمام هذا التردي العربيّ حضاريّا مقارنة بالحضارة الغربيّة الغازيّة، تأتي دعوة المهندس الفرنسي “جومار” الذي وقف أمام البعثة الدراسيّة المصريّة التي أوفدها “محمد على باشا” إلى فرنسا خطيباً أثناء تخرجهم قائلاً: (أمامكم مناهل العرفان فاغترفوا منها بكلتا يديكم، اقتبسوا من فرنسا نور العقل الذي رفع أوربا على أجزاء الدنيا. وبذلك تردون لبلدكم منافع الشرائع والفنون التي ازدان بها عدة قرون في الأزمان الماضيّة، فمصر التي تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصيلة).

     نعم إن دعوة “جومار” هذه، كانت دعوة لتبني الحداثة الغربيّة كنظام حياة وقد تبناها الكثير من الكتاب والمفكرين العرب من الطهطاوي مروراً بشبلي شميل وفرح انطون وأديب اسحق ومحمد عبده وسلامة موسى وطه حسين وكل المفكرين التنويريين اللاحقين من الجابري والعروي والتيزيني وجلال صادق العظم ومحمود أمين العالم وزكي نجيب محمود وحسن حنقي وغيرهم الكثير، ممن حمل لواء الحداثة على المستوى الفكريّ والعمليّ، بيد أن طبيعة الأنظمة الاستبداديّة التي تسيطر على حياة البلاد والعباد حالت دون تحقيق النهضة الحداثيّة، وحاصرت الفكر التنويريّ العقلانيّ، لتفسح في المجال واسعاً أمام الفكر الظلاميّ الأصوليّ الذي يعمل على تجهيل الشعب وإبعاده عن التفكير العقلانيّ بواقعه المعيش، وربط تفكره بالله واليوم الاخرة وعذاب القبر وناكر ونكير والجنة والنار وحور العين وأنهار الخمر والعسل وأرائك الاستبرق.

     إذا كان هذا هو واقع الحداثة في علمنا العربي فما هو واقع ما بعد الحداثة.

     إن من يتابع الحركة الفكريّة الفلسفيّة منها، والفنيّة والأدبيّة بشكل عام على الساحة الثقافيّة العربيّة، يجد الكثير من المفكرين والفنانين والأدباء قد انساق وراء التيارات الفلسفيّة للحداثة وما بعد الحداثة كما ظهرت في أوربا، محاولين بشكل مباشر أو غير مباشر الاستفادة من أساليبها ومفاهيمها الفكريّة ومناهجها. وخاصة الما بعد حداثويّة في تاريخنا المعاصر، أملا في تجاوز أزمة الواقع العربيّ المتردي في معطياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة. حيث أعطوا الأهميّة الكبرى لمضمون النص المقتبس من الغرب، أدبيّاً كان أو فنيّاً أو فلسفياً، بعد عزله عن محيطه، وجملة ملابساته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة، على اعتبار أن هذا النص له عالمه الخاص به، وحركته وسياقاته التي تتم من داخله فقط، ولا تأثير عليه من المحيط الذي ينوجد فيه، أو ما يساهم في إنتاجه بالأصل.

     إن هذا التوجه المنهجي التفكيكيّ أو البنيويّ، جاء برأي، عند هؤلاء المتبنين لمناهج ما بعد الحداثة، إما هرباً من عقاب السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة لكل من يحاول توصيف وتحليل أزمة الواقع  المعيش عقلانيّا، وبالتالي إظهار أسباب أزمته وتخلفه، أو جاء نتيجة غياب الرؤية العقلانيّة النقديّة لديهم، وسيادة نزعة التقليد والتجريب، دون وعي أو إدراك للأسباب التي أدت إلى ظهور هذه المناهج في أوربا.

     نقول: إن معظم محاولات التجديد التي تأتي من الحداثة أو ما بعدها مهما كانت طبيعتها، إذا لم تهتم بالمستلزمات الأساسيّة لتطور المجتمع والدولة معاً، والسير بهما نحو التحرر والتقدم وفقاً للحاجات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة التي تتطلب بالضرورة تحطيم أو إقصاء ما أصبح تقليديّا ومترهلاً ومتخلفاً منها، والفسح في المجال لبناء بنى جديدة أكثر ملاءمة وحيويّة لخصوصيات العصر، إنما هي في الحقيقة محاولات تجديد مفتعلة وشكليّة, أو منفصلة عن سياقها التاريخيّ مهما كانت نيات حواملها الاجتماعيين،

     أي هي حداثة دائرة في فراغ، ومفضيّة إلى فراغ، وبانتظارها فراغ جديد. وبالتالي هي اتجاه حداثيّ مغترب، لا يلامس الحالة الوطنيّة، ولا يقارب الواقع الموضوعيّ الملموس، أو المعيش. وهذا ما يجعلها ثقافة نموذجيّة للعقليّة الثقافيّة الزائفة التي تحاول بوعي أو بدونه، تخليد حالات الانفصال بين المثقف العربيّ والحاجات الضروريّة الملموسة لشعبه. الأمر الذي يجعل هذه الثقافة تعمل على تكريس وضعيّة اجتماعيّة معينة تخدم قوى اجتماعيّة وسياسيّة أو طبقيّة معينة ذات مصالح أنانيّة ضيقة في الغالب.

     إذن، من هنا علينا أن نبين عمليّة الخلط ما بين الحداثة وما بعدها… ما بين الحداثة كتوجه عقلانيّ نقدي تفرضه الضرورة التاريخيّة لمسيرة المجتمعات نحو تقدمها ونهضتها، وهي فعل إيجابيّ يراعي خصوصيات الواقع دون الخضوع المطلق لهذه الخصوصيات بطبيعة الحال، وبين الما بعد حداثة، كتوجه حداثيّ سلبيّ يقفز فوق الواقع وخصوصياته، بغية تحقيق مصالح معينة تقوم على دوافع ذاتيّة إرادويّة بعلم حاملها الاجتماعيّ لخطورة هذا التوجه أو بدون علمه. لذلك أن الموقف المنهجيّ العقلانيّ النقديّ والأخلاقيّ معاً، يتطلب منا أن نكشف الأبعاد الحقيّقة لهذا النمط من الخلط المنهجيّ بين الحداثة وما بعدها وتحطيمه. فما قيمة الأدب والفن والفكر عموماً، إذا لم يعبر عن قضايا وهموم الفرد والمجتمع، أو ما قيمة أدب وفن وفكر يبحت عن وجود الإنسان في عالم الميتافيزيقا أو الغيبيات، أو عالم البنى الثقافيّة التقليديّة، أو تحت مظلة التخيل والتأمل والحدس السلبيّ، ملغيّاً الحاضر تحت ذريعة البحث عن المستقبل.. أي عن زمن غير زمننا ولا يلامس قضايانا ومشاكلنا، ووضع الحلول لها، في الوقت الذي تعاني منه مجتمعاتنا الجوع والقهر والظلم والتشيىء والاستلاب والضياع والغربة.

     إن البحث عن واقعنا في تلك العوالم الفكريّة والأدبيّة والفنيّة المفارقة للواقع المعيش، هو ليس أكثر من البحث عن حداثة أو ما بعد حداثة الاغتراب الماديّ والقيميّ معاً، وبالتالى هذا ما يجعلنا نعيش فقط في سحر الكلمات وتراكيبها، وصورها الفنيّة وألوانها، وعالم أوهام شعر وأدب خالٍ من أي مضامين إنسانيّة سوى مضامين الدهشة التي تنتهي بانتهاء قراءتنا أو مشاهدتنا لتجلياتها. أي عالم الفن من أجل لفن وليس من أجل المجتمع.

كاتب وباحث من سوريّة

 

ملاحظة:

كل المقتبسات الواردة في هذه الحلقة هي من كتابي (إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط) إصدار دار المدى – دمشق – 1997.

‫شاهد أيضًا‬

وأد طفولة قراءة للقصة القصيرة “هارب من الطفولة” بقلم الكاتب رعد من بغداد * الحسين بوخرطة

هنيئا للكاتب عن جاذبية بنية هذه القصة الرائعة، جاذبية سطعت منذ قراءة لفظي العنوان “ه…