أبعادُ تواصلِ عَالَمَيْ الحياة وما بعد الموت يستحضر مصطلح “الأنام” ككلمة تعني في قاموس المعاني جميع ما على الأرض من الخلق وقد يشمل الجنّ، وغلبت في الدلالة على البشر. بداية القصة لا تترك للقارئ فرصة لمقاومة غوصه في عالم المخيال التأملي. البداية هاته تعطي الانطباع وكأن الإنسان يعيش حياة بطعم الموت تتصارع فيها المآسي والطموحات . انتابتني بسرعة فرضية رجحت في مدة توقفي الإجباري عن القراءة صعوبة مهام ملك الموت. تتحرك الأرواح كونيا (في الأرض والفضاء) في إطار الحق في الحياة وأمانة عقد الاستخلاف، بهاجس الانقضاض على وسائل العيش بكل السبل المتاحة. عبارة “تناكحوا تكاثروا” في طريقها لحرمان الآدميين من الحق في التمتع بسكرات موت طبيعية. ضاقت الأرض وخيمت الموت فوق الرؤوس.

الماعز تمضغ شيئا من بعيد. تماهى الطفل البطل مع صورة وجودية غيبت عنه المكان. انزوى مُسْقِطا حالته النفسية على أوضاع شارع فسيح. الماعز تأكل شيئا. لم يكن قادرا على تحديد طعامها لبعده عن الواقع بتعقيداته. وضع فمه على الفتحات الحديدية لسور الترعة، وهو في وضعية الممنوع والمقموع وراء الحواجز الحديدية، فأبرز أهمية الطعام بالنسبة للماعز.

متحديا ثقل الماضي وغموض وضعية الذات مع المحيط، تموقع الطفل البطل في حاضر/ماض، ثم قال: “كنتَ هكذا….” (بصيغة المخاطب). قد تكون الروح قد انفصلت عن الذات طوال لحظات الحياة، لتمتد إلى فضاء الموت الفسيح بزمانه وأمكنته المجهولة. لقد تداخل العالمان الدنيوي والأخروي في وضعية الطفل البطل.

طفولة بطعم المرارة. حاول الطفل أن يحملق في كنهها فعجز بسبب سهام الأشعة البيضاء القوية، لتطفوا روحه في فضاء بأبعاد تتأرجح وتتذبذب ما بين الحياة والموت. الطفل العائد ببعد الحياة من ظلام دامس نسي شكله وإحساسه.

مات الطفل بأحلامه وعاكسته روحه المتشبثة بالحق في الوجود. تجاوز بقدر عمره خيط الحياة الهش، لكن حنان الأم المسلمة وحضنها بقي ثابتا في مخيلته، وربما فهم أن ذلك مرده كون الأمهات ممنوعات من السير في مواكب الأموات. ألح السارد على بطله أن يفتكر موكب جنازته الذكورية. طالبه بتذكر الرجل الذي كان يحمله، مبشرا إياه أن الموت لا تفرق بين الأطفال وأحضان أمهاتهم: “حركت رجلك بطريقة ليست عشوائية لأنك تريد أن يكتمل احساسك بموتك).

موت الطفل كان خارج إرادته. إن مقت الأمهات لأوضاعهن المزرية يدفعهن لوضع مشهرة حرير تذكرهن بالفقدان والأمل في حياة جيل المستقبل. قد يكبرن وتشتعل رؤوسهن شيبا، لكن تظل المشهرة عالقة في أعناقهن تعبيرا عن صراع الحياة والموت في حضرتهن.

الحياة جميلة وتستحق أن تعاش. إنه الشعار وراء فرضية رجوع الأرواح إلى الأرض بأبدان الصبا وبتاريخ حياة سابقة…. فهل من متفهم ومجيب ……

النص الكامل للقصة

صور مؤجلة لموت محقق

منذ ذلك الحين وأنت تريد أن تموت ..

كطفل يحاول تسلق سور البلكونة ،يرى الماعز يمضغ شيئاً من بعيد ،يضع فمه في الفتحات الحديدية لسور الترعة ،يسأل ببلاهة هل الماعز تأكل الحديد؟ فيقال له: لا ويضحكون.

كنت هكذا حين مر من أمامك طفل ملفوف بقماشة بيضاء ينعكس منها ضوء الشمس فيحجب الرؤية شيئا قليلا عن عينيك ،تضع يدك على رأسك تحاول منع الضوء ،ترى بعينين ضيقتين الطفل ،تحاول معرفة شكله ،ترحل ولو لثواني معدودة إلى عالمة ،بماذا يشعر الآن ؟ من ظلمة كان فيها إلى ظلام دامس ليس بعده نور .

رجل يحمله يتساقط من جبينه العرق ويبدو على ملامحة البكاء وخلفه يسير بعض الرجال في خطوات منتظمة ،المقابر على بعد خطوات من منزلك ،في الشارع المظلم ، الضيق، الرطب دخل الرجل يحمل الطفل وخلفه الرجال .

تدخل الغرفة فتجد أمك نائمة تربع يديها تحتضن الهواء تحاول فرد ذراعها وتحشر رأسك بينه وبين كتفها ، فتنتبه وتربت على شعرك ،كنت غارقاً في الدفء .حينها قالت لك : أنت خائف ثم سكتت برهة: أكيد مرت جنازة أمامك وأنت في الشرفة .

نائم في حضن أمك تلك اللحظات التي شعرت فيها بالصفاء والخوف معا ،يتساقط فوقك نسيج الأحلام الأبيض الناعم ،انتبهت فوجدت نفسك نائما في قماشة بيضاء رائحة الغرفة تشبه رائحة المخدر الطبي ،كنت مستغرقا في موتك ،الروائح تنحسر شيئاً فشيئا عن أنفك، حالة موت جيدة وجديدة هكذا بلا صخب بلا ضجيج .

حركت رجلك بطريقة ليست عشوائية لأنك تريد أن يكتمل احساسك بموتك .

عليك أن تتذكر الآن عندما حكت لك أمك حين كان وجهها أصفر صفار الشمس قبيل الغروب تتمدد على الاريكة الخشبية تصرخ وتضع في فمها قماشة تضغط بأسنانها عليها بقوة حتى توزع الألم .

وحين خرجت وضربت على مؤخرتك أخرجت جدتك من صدرتها الكثير من النقود كانت تعطي كل من تقابله بدون حساب ،كان صوت الليل والجرف والترعة والناي الذي يعزف في مسلسل (حسن ونعيمة ) “يا دنيا يام الشمس والليل والقمر …عصفور بيدور يدووور يغنى على الشجر “وتتر مسلسل (غوايش ) ” وفي الليل وفي التباريح يتقلبوا المجاريح”و”معلا قانون”.

يشكلون معنى حقيقى بأنك موجود .

حالة موت عادية كما قلت لك حمى ارتفاع غير عادي في درجة الحرارة ناهيك عن مرض القطط الذي صاحب أمك طوال فترة الحمل كل هذا كان من السهل أن تموت .صرخت جدتك وبدت تجاعيد وجهها أكثر مما هي عليه بحوالي عشرات السنين ،بعدها بيومين أصرت جدتك أن تلبس والدتك خيطاً أبيض من الحرير تضعه في رقبتها مكان السلسلة لأنها كما قالت الجدة أنها قد شهرت وهذه هي المشهرة وحتى تنجب أطفالا يعيشون في المستقبل .

*******

الآن وحين نهضت من جانب أمك تحسست رأسها وخديها وداعبت شعرها الأبيض المسترسل لم تشعر بوجودك وانتبهت لوجود المشهرة لا تزال معلقة في رقبتها .

الحسين بوخرطة

أبعادُ تواصلِ عَالَمَيْ الحياة وما بعد الموت يستحضر مصطلح “الأنام” ككلمة تعني في قاموس المعاني جميع ما على الأرض من الخلق وقد يشمل الجنّ، وغلبت في الدلالة على البشر. بداية القصة لا تترك للقارئ فرصة لمقاومة غوصه في عالم المخيال التأملي. البداية هاته تعطي الانطباع وكأن الإنسان يعيش حياة بطعم الموت تتصارع فيها المآسي والطموحات . انتابتني بسرعة فرضية رجحت في مدة توقفي الإجباري عن القراءة صعوبة مهام ملك الموت. تتحرك الأرواح كونيا (في الأرض والفضاء) في إطار الحق في الحياة وأمانة عقد الاستخلاف، بهاجس الانقضاض على وسائل العيش بكل السبل المتاحة. عبارة “تناكحوا تكاثروا” في طريقها لحرمان الآدميين من الحق في التمتع بسكرات موت طبيعية. ضاقت الأرض وخيمت الموت فوق الرؤوس.

الماعز تمضغ شيئا من بعيد. تماهى الطفل البطل مع صورة وجودية غيبت عنه المكان. انزوى مُسْقِطا حالته النفسية على أوضاع شارع فسيح. الماعز تأكل شيئا. لم يكن قادرا على تحديد طعامها لبعده عن الواقع بتعقيداته. وضع فمه على الفتحات الحديدية لسور الترعة، وهو في وضعية الممنوع والمقموع وراء الحواجز الحديدية، فأبرز أهمية الطعام بالنسبة للماعز.

متحديا ثقل الماضي وغموض وضعية الذات مع المحيط، تموقع الطفل البطل في حاضر/ماض، ثم قال: “كنتَ هكذا….” (بصيغة المخاطب). قد تكون الروح قد انفصلت عن الذات طوال لحظات الحياة، لتمتد إلى فضاء الموت الفسيح بزمانه وأمكنته المجهولة. لقد تداخل العالمان الدنيوي والأخروي في وضعية الطفل البطل.

طفولة بطعم المرارة. حاول الطفل أن يحملق في كنهها فعجز بسبب سهام الأشعة البيضاء القوية، لتطفوا روحه في فضاء بأبعاد تتأرجح وتتذبذب ما بين الحياة والموت. الطفل العائد ببعد الحياة من ظلام دامس نسي شكله وإحساسه.

مات الطفل بأحلامه وعاكسته روحه المتشبثة بالحق في الوجود. تجاوز بقدر عمره خيط الحياة الهش، لكن حنان الأم المسلمة وحضنها بقي ثابتا في مخيلته، وربما فهم أن ذلك مرده كون الأمهات ممنوعات من السير في مواكب الأموات. ألح السارد على بطله أن يفتكر موكب جنازته الذكورية. طالبه بتذكر الرجل الذي كان يحمله، مبشرا إياه أن الموت لا تفرق بين الأطفال وأحضان أمهاتهم: “حركت رجلك بطريقة ليست عشوائية لأنك تريد أن يكتمل احساسك بموتك).

موت الطفل كان خارج إرادته. إن مقت الأمهات لأوضاعهن المزرية يدفعهن لوضع مشهرة حرير تذكرهن بالفقدان والأمل في حياة جيل المستقبل. قد يكبرن وتشتعل رؤوسهن شيبا، لكن تظل المشهرة عالقة في أعناقهن تعبيرا عن صراع الحياة والموت في حضرتهن.

الحياة جميلة وتستحق أن تعاش. إنه الشعار وراء فرضية رجوع الأرواح إلى الأرض بأبدان الصبا وبتاريخ حياة سابقة…. فهل من متفهم ومجيب ……

النص الكامل للقصة

صور مؤجلة لموت محقق

منذ ذلك الحين وأنت تريد أن تموت ..

كطفل يحاول تسلق سور البلكونة ،يرى الماعز يمضغ شيئاً من بعيد ،يضع فمه في الفتحات الحديدية لسور الترعة ،يسأل ببلاهة هل الماعز تأكل الحديد؟ فيقال له: لا ويضحكون.

كنت هكذا حين مر من أمامك طفل ملفوف بقماشة بيضاء ينعكس منها ضوء الشمس فيحجب الرؤية شيئا قليلا عن عينيك ،تضع يدك على رأسك تحاول منع الضوء ،ترى بعينين ضيقتين الطفل ،تحاول معرفة شكله ،ترحل ولو لثواني معدودة إلى عالمة ،بماذا يشعر الآن ؟ من ظلمة كان فيها إلى ظلام دامس ليس بعده نور .

رجل يحمله يتساقط من جبينه العرق ويبدو على ملامحة البكاء وخلفه يسير بعض الرجال في خطوات منتظمة ،المقابر على بعد خطوات من منزلك ،في الشارع المظلم ، الضيق، الرطب دخل الرجل يحمل الطفل وخلفه الرجال .

تدخل الغرفة فتجد أمك نائمة تربع يديها تحتضن الهواء تحاول فرد ذراعها وتحشر رأسك بينه وبين كتفها ، فتنتبه وتربت على شعرك ،كنت غارقاً في الدفء .حينها قالت لك : أنت خائف ثم سكتت برهة: أكيد مرت جنازة أمامك وأنت في الشرفة .

نائم في حضن أمك تلك اللحظات التي شعرت فيها بالصفاء والخوف معا ،يتساقط فوقك نسيج الأحلام الأبيض الناعم ،انتبهت فوجدت نفسك نائما في قماشة بيضاء رائحة الغرفة تشبه رائحة المخدر الطبي ،كنت مستغرقا في موتك ،الروائح تنحسر شيئاً فشيئا عن أنفك، حالة موت جيدة وجديدة هكذا بلا صخب بلا ضجيج .

حركت رجلك بطريقة ليست عشوائية لأنك تريد أن يكتمل احساسك بموتك .

عليك أن تتذكر الآن عندما حكت لك أمك حين كان وجهها أصفر صفار الشمس قبيل الغروب تتمدد على الاريكة الخشبية تصرخ وتضع في فمها قماشة تضغط بأسنانها عليها بقوة حتى توزع الألم .

وحين خرجت وضربت على مؤخرتك أخرجت جدتك من صدرتها الكثير من النقود كانت تعطي كل من تقابله بدون حساب ،كان صوت الليل والجرف والترعة والناي الذي يعزف في مسلسل (حسن ونعيمة ) “يا دنيا يام الشمس والليل والقمر …عصفور بيدور يدووور يغنى على الشجر “وتتر مسلسل (غوايش ) ” وفي الليل وفي التباريح يتقلبوا المجاريح”و”معلا قانون”.

يشكلون معنى حقيقى بأنك موجود .

حالة موت عادية كما قلت لك حمى ارتفاع غير عادي في درجة الحرارة ناهيك عن مرض القطط الذي صاحب أمك طوال فترة الحمل كل هذا كان من السهل أن تموت .صرخت جدتك وبدت تجاعيد وجهها أكثر مما هي عليه بحوالي عشرات السنين ،بعدها بيومين أصرت جدتك أن تلبس والدتك خيطاً أبيض من الحرير تضعه في رقبتها مكان السلسلة لأنها كما قالت الجدة أنها قد شهرت وهذه هي المشهرة وحتى تنجب أطفالا يعيشون في المستقبل .

*******

الآن وحين نهضت من جانب أمك تحسست رأسها وخديها وداعبت شعرها الأبيض المسترسل لم تشعر بوجودك وانتبهت لوجود المشهرة لا تزال معلقة في رقبتها .

‫شاهد أيضًا‬

وأد طفولة قراءة للقصة القصيرة “هارب من الطفولة” بقلم الكاتب رعد من بغداد * الحسين بوخرطة

هنيئا للكاتب عن جاذبية بنية هذه القصة الرائعة، جاذبية سطعت منذ قراءة لفظي العنوان “ه…