لحسن العسبي (يمينا)؛ السلطان مولاي عبد العزيز والشيخ ماء العينين

شارل أوغست روني لوكليرك/ تقديم وترجمة: لحسن العسبي

تقديم عام :  كان طموح باريس إيجاد منفذ للجزائر المستعمرة على المحيط الأطلسي

الوثيقة التاريخية التي نقدمها هنا مترجمة إلى العربية للقراء الكرام، هي واحدة من التقارير السرية التي كان ينجزها الجغرافي الفرنسي، والمسؤول الإداري الإستعماري، شارل أوغست روني لوكليرك، حين كان رئيسا ل “لجنة المغرب بطنجة” ما بعد نتائج مؤتمر الجزيرة الخضراء (يناير – أبريل 1906)، الخاص بالقضية المغربية حضرته 12 دولة غربية إضافة إلى المغرب، والذي تم فيه إقرار شروط التحكم في المستقبل السياسي والإقتصادي لبلادنا من قبل تلك القوى الغربية ضمن منطق القوانين الإستعمارية. الذي كان من نتائجه جعل منطقة طنجة منطقة دولية.

بالتالي، فإن باريس قد بادرت حينها إلى إنشاء ما وصفته ب “لجنة المغرب بطنجة” في بداية القرن 20، التي هي مؤسسة بحثية مخابراتية تابعة للمفوضية الفرنسية بمدينة إبن بطوطة، كانت تقاريرها تعتمد كثيرا في رسم المخططات السياسية الفرنسية الخاصة بالمغرب، قبل احتلاله وفرض الحماية عليه سنة 1912. وكان من أنشط مسؤولي تلك اللجنة الفرنسية في السنوات ما بين 1906 و 1911، الجغرافي شارل أوغست روني لوكليرك، المزداد سنة 1879 والمتوفى سنة 1946. حيث إنه واحد من أكثر من نشر كتبا وأبحاثا جغرافية واقتصادية حول المغرب من أشهرها كتابه “المغرب. ملاحظات اقتصادية ودليل للمهاجر” الصادر سنة 1911، وكتابه الآخر “الوضعية الإقتصادية بالمغرب” الصادر بوهران سنة 1910. مثلما أنجز عدة تقارير مدققة حول بلادنا (بعضها ظل سريا لسنوات مثل تقريرنا الذي نقدمه للقراء هنا)، من ضمنها “المناطق الشمالية والجنوبية للحدود الجزائرية المغربية”/ “وسائل تنمية الوضعية الإقتصادية الفرنسية بالمغرب”/ “تجارة مدينة مليلية”/ “الوضعية الدينية بالمغرب”/ “الصحافة بالمغرب في سنة 1908”.

أهمية التقرير الذي نقدمه هنا، آتية مما يكشف عنه من مخطط فرنسي في سنوات 1906 و1910، لوضع باريس اليد على إقليم الساقية الحمراء ومجمل الصحراء الغربية للمغرب، قبل إسبانيا (التي كانت حينها تحتل أساسا المناطق الشاطئية لإقليم وادي الذهب منذ سنة 1884، ولم تضع اليد على إقليم الساقية الحمراء حتى سنة 1912 بعد اتفاق موقع مع فرنسا). وأن الغاية المحركة له كانت هي خلق منفذ على المحيط الأطلسي لكامل منظومتها الإستعمارية بالحزائر عبر الجنوب الوهراني، انطلاقا من منطقة توات ومن تيندوف. وهو تقرير تفصيلي جد مدقق، كتب بلغة استعمارية فيها الكثير من التحامل على مقاومة أهل الصحراء بزعامة الشيخ ماء العينين للتواجد الفرنسي في أجزاء من موريتانيا (خاصة منطقة “تكانت” و منطقة “أدرار”)، وعلى سلطان المغرب مولاي عبد العزيز الذي كان ينسق العمل مع الشيخ ماء العينين بصفته نائبا له على الصحراء معين بظهير، زوده بالسلاح والمال والمؤونة لشهور عبر ميناء الصويرة وصولا إلى ميناء طرفاية، وأنه استقبله بحفاوة سنة 1906 بقصره بفاس، وبعث له ضابطا من الجيش السلطاني الشريفي إسمه “مولاي إدريس” استقر معه بوادي السمارة بقلب الصحراء الغربية للمغرب وكان يده اليمنى في مجال العمليات العسكرية تلك.

التقرير المسجل ضمن المكتبة الوطنية الفرنسية برقم إيداع قانوني “س 63” على “10.09”، يقدم خطاطة كانت سرية لتفاصيل مشروع احتلال باريس للصحراء الغربية للمغرب، وكيفيات تنفيذه بدقة، مع تفاصيل وضع اليد على الجغرافية الصحراوية الممتدة لتيندوف التي كانت لا تزال حينها تابعة للسلطة الإدارية للمغرب إلى حدود سنة 1908. وهو مشروع احتلال لم ينفذ بعد فتح مفاوضات سرية مع مدريد ما بين 1907 و1912، انتهت بالتوقيع بينهما على معاهدة إعادة تقسيم الصحراء الغربية يوم 28 نونبر 1912، بالشكل الذي منح لإسبانيا احتلال الساقية الحمراء، وجيب سيدي إفني، بينما ما يقع جنوب ذلك الجيب حتى حدود طانطان تابع لفرنسا (عمليا مسار وادي درعة).

من هنا الأهمية التاريخية الكبيرة لهذه الوثيقة وهذا التقرير، الذي يقدم معلومات جد هامة حول مخططات استعمارية لخلق منفذ نحو المحيط الأطلسي للإستعمار الفرنسي بالجزائر عبر تيندوف. وهو للأسف لا يزال مخططا متواصلا اليوم، عبر سياسة عدائية للنظام الجزائري، الذي يحاول بناء وهم قوته الإقليمية، عبر ذات ملامح المخطط الإستعماري الفرنسي لبداية القرن 20. وواضح أن الأمر استراتيجيا له جذور استعمارية. والظاهر أن قدر المغرب والمغاربة هو مواصلة الدفاع عن حقوقهم الترابية وعن أراضيهم الصحراوية الغربية بذات اليقين والإصرار منذ عهد السلطان الحسن الأول إلى اليوم وسيبقون.

الشيخ ماء العينين محارب لمحاولات الاستعمار البريطاني لطرفاية والفرنسيين لموريتانيا والاسبان للصحراء المغربية

نص التقرير السري الفرنسي حول مشروع باريس احتلال الصحراء الغربية للمغرب سنة 1907

حدثت تطورات مهمة، منذ 1906، في المناطق البعيدة الفاصلة بين موريتانيا وأقصى الجنوب المغربي، تفرض من جديد واجب انتباه سياستنا الشمال إفريقية لتلك المناطق.

فقد حل الزعيم الديني الفاعل، المرابط الشيخ ماء العينين، بعد مغادرته منذ سنوات منطقة الأدرار بموريتانيا، صاعدا نحو الشمال بحوالي 800 كلمترا، بمنطقة الساقية الحمراء، حيث استقر عند نقطة ماء تقع عند سرير واد جاف يسمى “واد السمارة”. حيث شرع في تجديد تعاليم الإسلام الشمال الغربي الإفريقي، في تلك البقعة الواقعة وسط رمال حارقة، جنوب وادي درعة بحوالي 220 كلمترا، وبعيد عن رأس جوبي (طرفاية على المحيط الأطلسي) بحوالي 150 كلمترا، ويفصلها عن الجنوب الوهراني (بالجزائر) حوالي ألف كلمتر وعن موريتانيا 1100 كلمتر. وهو يسعى بذلك إلى إعادة إحياء تقاليد أجداده الذين عملوا، من القرن 11 حتى القرن 16، على ترسيخ حركة إسلامية هامة بمنطقة الساقية الحمراء وجعلوها منطلقا لتذكير المؤمنين بواجبات الأصول الشرعية.

شرع ماء العينين في تأليف عدد كبير من المؤلفات الدينية والتعبدية، التي أغرق بها المغرب والصحراء الغربية، ودعى إليه كل من يريدون اتباع تبشيره بالإصلاح الديني. وما لبث أن وجد إلى جانبه ما بين 500 و600 من الأتباع قادمين من منطقة “تاكانت” ومنطقة “أدرار” (من بلاد شنقيط)، من قطاع الطرق الأوغاد، الهاربين من العدالة الفرنسية بموريتانيا. حيث شكل أولئك “الرجال الزرق” كما يسمون في المغرب، تجمعا من الأكواخ البئيسة في محيط البناية حيث يقطن ماء العينين، وشكلوا بالنسبة له رسلا مثاليين بعثهم إلى “تاكانت” و”أدرار”، بغاية إنهاض الموريتانيين ضد سياسة التأثير الفرنسية.

تسببت تلك الحملة المناهضة لفرنسا في إشعال كل منطقة الشمال الموريتاني، والتي تسببت منذ 4 سنوات، في سقوط عدد من الضحايا الذين من أشهرهم الفقيد المأسوف عليه الكوميسير كابولاني، الذي كان في مهمة بمنطقة الأدرار. دون إغفال المعارك المميتة التي تواجهها قواتنا بمنطقة تاكانت، التي من ضمنها الهجوم الذي تعرضت له بنقطة “تيجكجا” التي سقط من بين قتلاها ضابطان من ضباطنا.

لم يكتفي ماء العينين بدوره الديني المتعصب جنوب مقر إقامته (باتجاه موريتانيا)، بل إنه سيعزز من صلاته بسلطان المغرب، عبر علاقات صداقة مثينة، تضاعفت منذ انتهاج المخزن المغربي في نهاية سنة 1904، سياسة واضحة مناهضة لفرنسا. كان سلطان فاس ومحيطه يجهلان كل شئ عن الجنوب المغربي، حينها والآن أيضا، ومعلوماتهم الجغرافية عنه مغلوطة. كان الرأي العام السائد في البلاط (السلطاني)، أن ماء العينين يقيم على مسافة يومين أو ثلاثة أيام جنوب مراكش، ضمن الأراضي المغربية، وأنه بعدها تبتدأ الأراضي الموريتانية التي منها تريد فرنسا التمدد إلى الشمال (صوب المغرب). ولقد دفع ذلك اليقين المخزن إلى الدخول في سياسة مناهضة ذكية ضدنا، مواربة، تعتمد استعمال ماء العينين كممثل سياسي لها وتكليفه بتمديد التأثير المغربي إلى أبعد نقطة جنوبا. ولتعزيز ذلك الدور، بعث المخزن إلى وادي السمارة مبعوثا له إسمه مولاي إدريس، مهمته أن يكون اليد اليمنى لماء العينين، وأن يعملا على إثارة القبائل الصحراوية ضد القوات الفرنسية، وتعيين قياد مغاربة في الشساعة الممتدة للصحراء الغربية. وكان البلاط الشريفي يجهل تماما أن المسافة بين مراكش ووادي درعة كامنة في 8 أيام ضمن منطقة من بلاد السيبة، التي هي فعلا أراض مغربية، لكنها خارج سيطرة المخزن. ثم مسافة 4 أيام من وادي درعة (جنوب تين تازرت) حتى تيندوف، موقع انتجاع قديم للقوافل الصحراوية، ثم أخيرا من 8 إلى 9 أيام ما بين تيندوف وواد السمارة. بينما المسافة الكبيرة (حوالي 1100 كلمتر، تتطلب 27 يوما من المشي)، التي تفصل الساقية الحمراء عن آخر نقطة بشمال موريتانيا (تيجكجا)، يجهل عنها نظام المخزن (المغربي) أي شئ.

لو كان السلطان يمتلك معرفة جغرافية أولية، لكان أولى به أن يعين قيادا من قياده بالمناطق الممتدة بين جبال الأطلس ووادي درعة، فذلك سيتطلب منه جهدا لسنوات، قبل أن يفرض تواجده في تلك المناطق الشاسعة المستقلة. وسيصنف ذلك بالنسبة له، كنوع من الطموح لبسط نفوذه على الأراضي الواقعة جنوبا. لكن الحكومة الشريفية، مثل كل جاهل، لم تدرك أي شئ، فكلفت كلا من ماء العينين ومولاي إدريس بمهمة الإلحاق السياسي على مناطق معروف أنها تحت التأثير الفرنسي، دون استحضار أن الجهات الوسيطة ما بين مراكش ووادي درعة لم تكن تابعة للمخزن سوى اسميا.

كان مولاي إدريس، العارف بالمنطقة، والمدرك لهذا الخطأ الأولي، قد عمل على ربط القبائل الواقعة شمال وادي درعة بالمخزن (قبائل تكنة، واد نون، أيت باعمران)، فووجه بمقاومة شديدة جعلت ماء العينين مشكوكا في أمره عندها ودوره الديني. فقرر مولاي إدريس التحرك جنوبا أكثر، حيث جند إلى جانبه مجموعة من “الرجال الزرق” بواد السمارة مسلحة بشكل جيد، فاتحا الباب للإلتحاق به لكل المغامرين من قبائل الركيبات وأولاد دليم والسراغنة وأولاد الحاج وأولاد أبو السباع. وبفضل هذه القوات نجح في خلق توتر بمنطقة “أدرار” وصولا حتى “تاكانت”، حيث قاموا بعدة سرقات ضد المواطنين التابعين لسلطتنا، منادين بالحرب المقدسة ضد الفرنسيين باسم عاهله سلطان المغرب. بل إن هذا المتمرد، قد بلغ به الأمر السنة الماضية، أن يرسل إلى حاكم موريتانيا (الفرنسي)، باسم ماء العينين ممثل السلطان مولاي عبد العزيز، إنذارا يطلب منه فيه إرجاع التواجد الفرنسي جنوبا حتى نهر السينغال وأن يعترف بسلطة سلطان المغرب حتى الضفة اليمنى لذلك النهر، أي حوالي 1500 كلمترا جنوب غرب وادي درعة، التي تشكل الحدود الطبيعية الجنوبية للمغرب.

فيما واصل الشيخ ماء العنين، من جهته، بدون كلل إرسال مبعوثيه ورسائله ضمن مجال تحرك يمتد من رأس جوبي (طرفاية) حتى تيندوف ومن بلاد شنقيط حتى وادي الذهب. وواصل رسائل التواصل مع السلطان مولاي عبد العزيز، التي كان يرسلها مع واحد من أبنائه مرفوقا بوحدات من العبيد من واد السمارة. بل إنه سيقوم هو بنفسه، رغم تقدمه في السن، بزيارة إلى سلطان فاس، مرفوقا بعدد مهم من “الرجال الزرق” المتعصبين والمتشددين والغوغائيين. ولقد شكلت تلك الزيارة واحدة من أكثر المواقف السياسية المعادية لفرنسا بالمغرب. وستتاح لي الفرصة لتفصيل القول فيها في دراسة أخرى. وأكتفي هنا بالإشارة إلى أنها زيارة تمت عبر البحر، بسبب التخوف من الوقوع تحت تهديد السرقة والإعتداء من قبل القبائل بين واد نون والصويرة، حيث ركب الشيخ ماء العينين سفينة بخارية مع مجموعته من ميناء طرفاية (رأس جوبي)، مرسلة من قبل السلطان. ولقد نزل بالصويرة ومنها توجه إلى فاس في ربيع سنة 1906، دون أن تعترض طريقه أية مشاكل. وما أن حل بالبلاط، حتى أصبحت العلاقات بين “المرابط الأزرق” والسلطان أكثر قوة من ذي قبل. وتصادف ذلك مع قوة نفوذ السياسة الألمانية داخل البلاط السلطاني، حيث كان السلطان لا يخفي ميله الكبير إلى الألمان وامتعاضه من كل ما هو فرنسي، وأنه لمواجهتنا كانت كل الوسائل مباحة عنده. ولقد شكل تواجد ماء العينين بفاس مناسبة إضافية لمواجهة السياسة الفرنسية. حيث أغدق على المرابط الشيخ الهدايا والوعود، ومنحه رسائل إلى كل سلطات المدن التي سيعبر منها من أجل إيوائه وحسن معاملته و”الرجال الزرق” معه، ومنحهم المال الوفير والسلاح والذخيرة. مثلما جدد لماء العينين توجيهاته السياسية وشجعه في حركته المناهضة بمنطقة “أدرار”، موجها إياه إلى إلحاق الأراضي الصحراوية بالمغرب بأية وسيلة كانت، التي لم تحتلها بعد فرنسا، ونشر تعاليم الإسلام بها، حتى يحول ذلك دون أي اتصال بين الفرنسيين في الجنوب بالمغرب الحقيقي والتخلص من ذلك الجوار المزعج.

 ذلك الكم من الكلمات الطيبة في حقهم، وذلك الكم من الهدايا، أصابتهم بدوخة النشوة، وأمام ما هو مطلوب منهم ومنتظر، فإن “الرجال الزرق” وسيدهم قد وهبوا لأنفسهم حق التصرف فوق الأراضي المغربية كما لو أنها في ملكيتهم وشرعوا بكل المدن التي عبروها في القيام بأعمال نهب، مثل الدار البيضاء ومراكش والصويرة، هددت حياة الناس في الأزقة. ولقد اتضح أن تعصبهم المعتاد قد اتجه بالتحديد ضد كل ما هو فرنسي وأن نقدهم مخصص فقط للفرنسيين. كانت تلك نتيجة طبيعية للمحادثات مع السلطان وحاشيته مع ماء العينين. وفي شهر شتنبر، بعد أن أعيا وجودهم المسلمين، ركبت مجموعة واد السمارة السفينة من ميناء الصويرة صوب رأس جوبي (طرفاية) محملة بالبضائع والسلاح والذخيرة.

بأمر من العاصمة فاس، سيقوم خلال الفترة ما بين أكتوبر 1906 وماي 1907، أمناء ميناء الصويرة عبر البحر بإرسال سفن إلى طرفاية عدة مرات محملة بالأسلحة والشعير والمال موجهة إلى ماء العينين. وأن كل تلك السفن قد أبحرت بأمر مباشر من السلطان (مولاي عبد العزيز). كان الأمر في الواقع يتعلق بتسليح قبائل الصحراء الغربية ببنادق سريعة الطلقات، وكذا الشمال الموريتاني، بغاية وقف أي تقدم للقوات الفرنسية صوب الشمال.

شكلت مطالب فرنسا بعد الحادث المأساوي لموشان [يقصد عملية اغتيال الدكتور موشان بمراكش]، فرصة لإعادة الأمور إلى نصابها (ماي 1907). لقد اعترف السلطان، بعد محادثات مطولة، أن سياسته المتبعة بالجنوب أكبر من فعل غير ودي. بل إنه سينتقد ماء العينين واعدا بوقف أي إرسال للسلاح والمؤن إلى “المرابط الأزرق”. مثلما أنه تخلى عن مولاي إدريس واعدا بإعادته والإبقاء عليه بإحدى المدن المغربية، مثلما سحب مطالبه بتحديد الحدود بين المغرب وموريتانيا.

هنا تطرح مسألة الضفة الأطلسية الممتدة بين راس نون (مصب نهر درعة) وراس بوجدور (الحدود الشمالية لمستعمرة وادي الذهب الإسبانية)، أي الشواطئ المقابلة لجزر الخالدات. فمن راس نون حتى راس جوبي ثمة مسافة 200 كلمتر، حيث تتواجد كونفدرالية قبائل تكنة المستقلة، التي هي خليط من السود ومن الأمازيغ، الذين لا يعترفون لسلطان فاس سوى بسمو مكانته الدينية. وتتواجد براس جوبي حامية عسكرية تتواجد بها فرقة من الجيش السلطاني، الذين لا يتواصلون مع السلطة المركزية سوى مرة واحدة في السنة، حين تصل إليهم سفينة شريفية محملة ببعض المواد التموينية [هذا تناقض من المسؤول الفرنسي، فكيف لا سلطة مغربية هناك وفي الآن نفسه تقبل قبائل الصحراء تلك بحامية عسكرية مغربية في تلك النقطة المتقدمة من الصحراء؟].

كانت تتواجد، منذ سنوات، مؤسسة تجارية بريطانية مستقرة براس جوبي. الأمر الذي احتج عليه المخزن عبثا. بسبب أن سلطته على تلك المنطقة غير معترف بها (بل حتى الأقاليم الكائنة بين سوس وراس جوبي غير تابعة له). لكن بسبب خسارات تجارية لتلك الشركة قرر مالكوها بيعها للسلطان، الأمر الذي قبله بسرعة [هذا كذب صراح فالحقيقة التاريخية غير ذلك تماما بدليل ما هو متوفر في أرشيفات وزارة الخارجية البريطانية التي اعترفت منذ سنة 1895 بمغربية تلك الأراضي والتزمت بعدم التواجد بها بدون إذن مسبق من الدولة المغربية وأن المغاربة الصحراويون من عائلة القايد بيروك من قبيلة آيت موسى وعلي هم من دمروا تلك البناية الإنجليزية]. فكان أن بنيت جوار تلك البناية التجارية التي تحولت إلى أطلال، بناية عسكرية وضع بها عدد من الجنود المغاربة، بغاية منع أي محاولة أروبية جديدة أكثر منه ضمان الرقابة الأمنية والإدارية على قبائل الرحل بالمنطقة التي لم تكن لها أية صلة أو علاقة بتلك الثكنة العسكرية [كل غاية المسؤول الفرنسي هنا هي ترسيخ عبثا فكرة عدم تواجد أي صلة إدارية سيادية بين سلطان المغرب وقبائل الصحراء مما سيفهم سببه فيما سيلي من كتابة].

يمكننا استتناج أن بناية راس جوبي هي ملكية خاصة للسلطان، أي نوعا من المستعمرة خارج الحدود الإقليمية (للمغرب)، وكونه اشترى بناية في ذلك الجزء من الشاطئ لا يقوم دليلا على انتقال الحدود الجنوبية للمغرب من واد درعة إلى الساقية الحمراء، مما يهب له مساحة جغرافية صحراوية عريضة ب 200 كلمتر، تنطلق من راس جوبي وتنتهي عند منطقة توات [كانت باريس لحدود سنة كتابة هذا التقرير تعتبر منطقة توات مغربية قبل إلحاقها بالجزائر المستعمرة]. وهذا سؤال معلق يستوجب الحل بسرعة حتى يوضع حد لأي غموض في هذا الباب.

يبقى إذن أمامنا المجال الممتد من طرفاية (راس جوبي) حتى راس بوجدور (الحدود الشمالية لوادي الذهب) الذي يصل إلى 300 كلمتر طولا. منطقيا تعتبر هذه المنطقة المطلة على المحيط هي الحدود الطبيعية للتغلغل الفرنسي بالصحراء الغربية ما بين توات وواد درعة وموريتانيا ووادي الذهب. وذلك ما تدركه سياستنا، بدون البوح به أوالإعلان عنه، حين تَرْسُم الإتفاقيات مجال النفوذ الإسباني على الشواطئ الصحراوية المتواجدة بين خليج لكويرة وراس بوجدور. وستهيئ لنا سياستنا هنا “ذات يوم” مكانا على المحيط الأطلسي جنوب المغرب، يسمح للجنوب الوهراني مستقبلا التوفر على منفذ على المحيط [أليس من مكر الأمور أن ذات المخطط هو الذي يحاوله النظام الجزائري منذ 40 سنة. حيث يتقاطع هنا المخطط الإستعماري الفرنسي القديم مع مخطط النظام الجزائري الجديد للأسف]. إن لهذا التصور بالغ الأهمية ولا يتطلب سوى تحقيقه في القادم من الزمن.

إن مما تؤكده لي بعض المصادر، أن اتفاقا سريا منجزا مع إسبانيا، بغاية تقليم مطالب هذه الدولة في ملفات أخرى، يمنحها حق “النفوذ” على الشط الممتد من راس بوجدور حتى راس جوبي (طرفاية). وإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فهي الدليل على خطأ سياسي لن ندرك مخاطره سوى لاحقا، لأن ذلك سيغلق أمامنا المحيط الأطلسي ويسجننا في المجال الصحراوي بين موريتانيا وتوات. وإذا كان هذا الخطأ لا مفر منه، ولا تمكن معالجته، فإن الحل الوحيد للتغلب عليه كامن في العودة إلى مسألة راس جوبي (طرفاية)، من خلال عمل سياسي ملح يطرح طموحنا الكبير للتوفر على نقطة خروج لنا على المحيط الأطلسي على الأقل في المجال البحري ما بين راس نون (مصب وادي درعة) وطرفاية.

إن الوسيلة المثلى هي في أن نقوم بإنزال في ذلك الشط، وأن نبني لنا به حامية صغيرة. لكنها خطوة سياسية مغامرة، لأن تواجدنا في تلك المناطق غير ذات الأهمية الإقتصادية الكبيرة سيكون سببا لإثارة ردود فعل أروبية أكثر منها مغربية. مثلما أن بناء تلك الحامية سيجعلها مقطوعة الإتصال عن موريتانيا وعن الجنوب الوهراني (حيث نتواجد)، التي حامياتنا الصحراوية فيها بعيدة. بالتالي، فإن الأفضل هو أن ندفع بوجودنا، رغم المشاكل المادية، حتى تلك الشطآن، ليس عن طريق البحر بل عن طريق البر.

إن الوصول إلى تلك النتيجة يفرض تنسيقا بين وحداتنا الصحراوية بموريتانيا ووحداتنا بالجنوب الوهراني. حيث على كل واحدة منها أن تشرع في احتلال المجال الصحراوي الأقرب لها المندرج ضمن مجال تحركها الحيوي. فبالنسبة للجنوب الوهراني مثلا، يمكن إنشاء حامية بمنطقة “تبلبالت” التابعة لبني عباس (150 كلمترا)، المحتلة من قبل قواتنا الفرنسية. وانطلاقا من “تبلبالت” يمكن أن تتحرك وحدات استطلاع ضمن محيط يمتد على 500 كلمتر باتجاه الجنوب الغربي، أي حتى تيندوف الذي يمكن اعتبارها نقطة تمركز صحراوية [كل هذه الأراضي الصحراوية كانت حينها لا تزال أراض مغربية في سنة 1907، تاريخ كتابة هذا التقرير]. بينما يمكن أن تكون المراحل الوسطى بين “تبلبالت” وتيندوف بشكل متواتر هي: “ميمسينا” (160 كلمتر)، “الحريب” (100 كلمتر) قليلا إلى الجنوب من وادي درعة، ثم واحة بوادي درعة جنوب بلدة “تينتازارت” على بعد 140 كلمتر من المحاميد، ثم أخيرا تيندوف (على بعد 160 كلمترا من وادي درعة). ستُجاور هذه العملية (العسكرية) الحدود الجنوبية للمغرب دون المساس بها، مما سيحول دون احتجاج محتمل من المخزن [ستسجل احتجاجات عدة من قبل الدولة المغربية على عهد السلطان مولاي عبد العزيز ضد هذه العمليات، لأن تلك الأراضي كان يعين بها قواد وشيوخ بظهائر سلطانية منذ قرون، بينما باريس ظلت تدعي أنها صحراء مفتوحة بدون سلطة].

على موريتانيا (الفرنسية) من جهتها أن تقوم بمجهودات ملموسة في الشمال من أجل تعزيز سياسة تحركها وتأثيرها في ما وراء المناطق التي تطمح إلى إدارتها واستغلالها. فمنطقة “تاكانت” بالكاد هي محتلة من خلال موقع “تيجكجا”. بينما علينا احتلال مناطق “أدرار” (جهة شنقيط وولاتة) و”سبخة إيجيل” (شرق الحدود مع وادي الذهب) بسرعة، لتوفرها على مناجم مهمة، بغاية ربح مسافتين بشكل متواز باتجاه الساقية الحمراء، ولتدمير بشكل نهائي طموحات القبائل التي تماهت وتجاوبت مع تأثيرات مولاي إدريس (المبعوث السلطاني المغربي).

 تقع بلاد شنقيط على مسافة 300 كلمتر إلى الشمال الغربي من “تيجكجا” (حيث نتواجد عسكريا)، بينما “سبخة إيجيل”، التي تمنح للسودان (الغربي) مجمل ما تحتاجه من ملح، تقع على 200 كلمتر شمال شنقيط. وبواسطة قوات الغوم السينغالية والغوم الموريتانية، المدربة، سيكون سهلا احتلال تلك المناطق. والجهد الأكبر سيكون في الصعود 400 كلمتر إلى الشمال والتوجه للإستقرار في قلب مجال قبائل الركيبات (التي ستقبل بدون مشاكل تواجدنا)، خاصة بمنطقة زمور مثلا [يقصد هنا كلتة زمور]. فكل ساكنة هذه المناطق مشتتة ومنقسمة ولن تشكل أمامنا أية مقاومة. وسيكون قلة الموارد المائية والحواجز الطبيعية هي أكبر ما سيواجهنا فعليا هناك. فمن تيندوف (البعيدة ب 350 كلمتر عن واد السمارة) ومن “زمور” (البعيدة ب 200 كلمتر عن واد السمارة)، سيكون يسيرا للقادمين من توات (بالجنوب الوهراني) وللموريتانيين تحقق تواصل دائم (علما أن المسافة بين تيندوف وزمور هي 400 كلمتر)، وسيتمكنون من تنسيق تحركهم، في حالة الضرورة، صوب مقر إقامة ماء العينين للقضاء بصفة نهائية على ذلك المركز المتطرف. وإذا تمت عملية مماثلة، فإن ماء العينين وأتباعه من “الرجال الزرق” لن يلبثوا أن يرسلوا إلينا مبعوثين للتفاوض من أجل عرض “صداقة حقيقية ودائمة” [هذا أمر لم يتحقق أبدا بدليل أن الشيخ ماء العينين وعائلته وأتباعه سيغادرون إلى الشمال قبل الإستقرار نهائيا بمدينة تزنيت بسوس وبها توفي سنة 1910].

أخيرا، إذا ما اعتبرنا أن تيندوف ستكون مركز جذب فإنه يمكننا تعزيز جهودنا بها سواء تلك القادمة من مناطق “توات” [في الجنوب الوهراني] أو من مناطق “تاودني” [مناطق تقع في شمال مالي على الحدود مع صحراء الجزائر]. ومما يشير إليه الهجوم الجوي للقبطان فلايي دوسانت ماري، ما بين توات وتيندوف (منذ 3 سنوات)، فإن العبور ممكن للصحراويين من “تيميمون” بالجزائر صوب تيندوف على مسافة 800 كلمتر، ومن “تاودني” صوب تيندوف على مسافة 850 كلمتر. وإن القيام بهجومات جوية متواترة بين مختلف هذه النقط سيضمن تهدئة كامل للصحراء الغربية.

يمكن أن ينتقل بعدها مركز القيادة نحو الغرب أكثر ليصبح هو “واد السمارة” نفسه، في انتظار أن يضمن لنا مركز متنقل براس نون (مصب وادي درعة) على مسافة 220 كلمتر عن واد السمارة، ومركز متنقل آخر فرنسي مغربي بطرفاية على مسافة 150 كلمتر عن واد السمارة، تواجدنا النهائي في المجال الواسع بين موريتانيا وتوات (بالجنوب الوهراني)، مما يسهل امتلاكنا ل “معبر خروج” أو أقله “نافذة” على المحيط الأطلسي [للأسف لا يزال ذات السيناريو قائما اليوم. في 1907 كان فرنسيا استعماريا، واليوم جزائري توسعي بخلفية امتلاك أسباب قوة إقليمية، وفي كلتا الحالتين يراد تحقيق ذلك على حساب الحقوق الترابية المشروعة للدولة المغربية].

إنه لتحقيق الفعالية لكل هذه العمليات لابد أن تكون منسقة بشكل مدقق بين الحكومة العامة للجزائر وحكومة إفريقيا الغربية الفرنسية والبعثة الفرنسية بطنجة.

لابد من تقدم متواتر من جهة توات ومن جهة موريتانيا صوب الساقية الحمراء كهدف نهائي. وعملية مماثلة ستكون طويلة الأمد، صعبة، ومكلفة أحيانا، لكن فائدتها السياسية تكمن في أنها ستضمن بشكل نهائي احتلالنا الفعلي لمجالات التأثير التي هي معترف لنا بها فيما وراء الجنوب المغربي. وأنه علينا التحرك بسرعة في أقرب وقت بداية باتجاه واد السمارة، الذي لا يزال بعيدا عنا الآن بحوالي ألف كلمتر سواء من الجهة الموريتانية أو من جهة الجنوب الوهراني وتوات.

‫شاهد أيضًا‬

قوة الهيمنة الدينيّة على الفرد والمجتمع.* د . عدنان عويّد

     لم يكن الدين وليد عصر محدد من العصور التاريخيّة في حياة الإنسان, …