هنيئا للكاتب عن جاذبية بنية هذه القصة الرائعة، جاذبية سطعت منذ قراءة لفظي العنوان “هارب“، ليطرح القارئ على نفسه مرغما سؤال “هارب من ماذا؟” ليحتار أمام الجواب: “هارب من الطفولة“.

أهو فعلا هروب من زعامة طفولة في أسرة فقيرة من جمهور بلد الانتماء. بكلمة “هروب أو هارب” النكرة مارس الكاتب علينا ببراعة تكتما بألغاز تعبير فني، لتزهوا الخواطر بعد استعمال حرف الجر المتبوع بكلمة مُعَرَّفة بالألف واللام “الطفولة“. هذه الأخيرة ما هي في عمق القواعد التربوية إلا فترة متعة وحرية وتنشئة لتحمل المسؤولية وسنوات تراكم القدرة على قيادة أيام حياة الشباب والكهولة والشيخوخة.

كلمة “الهروب” المعرفة لا يمكن أن تعبر في سياق القصة عن سلوك مقبول يكتسح فضاء عمر بناء مستقبل الأوطان، أي فضاء “الطفولة” وتنشئة الأجيال وإنتاج النخب والزعامات. فليس في متناول أي أحد منا أن يهرب من طفولته، لكنه قد يعيشها خارج قواعد المنطق العلمي الرباني، وهذه وضعية أغلب أطفال بلداننا العربية والمغاربية. أكثر من ذلك هناك من يتحدث عن الطفولة المغتصبة، لتزداد مقاومة هذه الفترة للاعتداءات مدافعة عن وظيفة وجودها، رافضة ما يحاك ويدبر ضدها، ورافعة شعار “أنا أساس بناء شخصياتكم”. إنه شعار احتشدت فيه المشاعر والمعاني التي تدفع القارئ إلى الغوص في ذكريات طفولته في الأحياء الشعبية الهامشية، وتجعله متلهفا لاكتشاف جوهر القصة بأبعاد عبرها ورسائلها.

إنها القصة التي جعلتني أنتشي، وأنا أحكي لأطفالي على مائدة العشاء مساء 12 يونيو 2022، مفهوم الحرمان من التمتع بمزايا الطفولة والمراهقة في مجتمعاتنا بدواعي استبداد فكرة ارتباط رضا الوالدين بالقدرة على الإسهام في إعالة الأسرة (تشغيل الأطفال). فعلا، يتجند أولي الأمر في الأسر الفقيرة لإعطاء الانطلاقة لهذا المشروع الأسري، وتُكَلَّف الأم بالتنفيذ بحيث تسخر حنانها وقبلاتها ورقرقة مآقيها ساعية التأكد من صلابة عظم ونفسية ابنها الزعيم.

لقد خضع السارد لامتحان الزعامة، ونجح في ذلك رغم صغر سنه. فعلتها جدته الوقورة، وبرز بالملموس حدسها. لقد توالت الأحداث والأفعال الدالة على حركية دؤوبة منذ بداية القصة لإقرار الاستحقاق، فكان الاستنتاج المنتظر والسار ” هَمَسْتُ في أذن أمي … رحت أضحك بصورة متواصلة ….. وَضَعَتْه (الطابق) بين أخوتي، قالت بصوت غلب عليه نبرة البكاءهذه لكم، قسّموها بينكم“، لتنتهي القصة بعبارة بزمن المضارعة : “يقول (بطل القصة) أنه رجل البيت الآن“.

الكاتب بقصته هاته، كنص أدبي رفيع غمره صدق الإحساس، وكأحداث سردت بذوق وتقنيات جذابة، استحق أن نعترف له ببروز نجم إبداعه التشكلي في لوحة فنية لا تترك مجالا للحياد. لقد لفت نظرنا إلى الحاجة الملحة للتأمل بعدما رددت قصته إشارات ضوئية تحذيرية متتالية لا يمكن أن لا تجبرنا على التمعن فيها من أول التفاتة، ومن تم الإبحار بتأثر شديد في تفكير عميق في ظروفنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

أغلبية الأطفال في مجتمعاتنا العربية والمغاربية عاشت ظروف البطل، ويتذكر كل واحد منهم بالتفاصيل المملة تكوين الزعامة الطفولية في أسرته الصغيرة. الجدة، عنوان وقار وحكمة، انتقت الشخص المناسب للمكان المناسب، دُعِّمَت بحنان ابنتها (الأم)، ونجحت بذلك في مقاومة دنو الخراب من أسرتها. تعب جسدها، لكن بقي عقلها باحثا عن الاستمرارية. نُصِّب السارد على عرش البطولة والزعامة. تحمل الضجيج والتهكم وحياة التوتر، واكتسب أحقية تحمل أمانة الحفاظ على مسؤولية جسيمة من مهام الكبار.

لقد متعنا القاص بمشاهد زاخرة بحالة إنسانية موجعة مغمورة بأمل انتصار المروءة، فكانت القفلة المنتظرة الرمزية. لقد فعلها الطفل مبتهجا، وَرَمَّزَ نجاحه بموقفين بارزين “تخلى عن قيمة تحفيز انجازه لإخوته ونَصَّبَتْه بطولته وزعامته ليصبح راع لأسرة رغم صغر سنه. لقد نصب وانتهى الأمر، لكنه سيبقى بلا شك يتذكر ذلك الطفل بثيابه النظيفة المرتبة الذي أشار إلى واحدة من قطع الكيك بدون أن يلمسها.

النص الكامل للقصة: هارب من الطفولة

كنت صغيرا حين فعلتها جدتي، وضعتْ الصينية الكبيرة أمامها،ثم شمرت عن ذراعيها، أخذت ترص فيها الأشياء،قالت وهي تزن شطارتي بعينيها البنيتين شبه الغائمتين :

-تعال يا ولد، اجلس هنا لتتعلم!قطع الكيك هذه سبعة وعليك أن تحضر ثمنها جميعا!ازاحتها بأصابعها السمراء جانبا وقد علق بعض الدقيق فيهما ،تنهدت وسعلت ثم أكملت :

-هذا بيض الفأر، وهذه حلوى الجمال، تبيعها بسعر واحد، هل فهمت يا صغيري!؟. راحت أمي تشجعني وهي تهز رأسها ضاحكة، كان الأطفال الآخرون قد تجمعوا حولنا، مسحت أنفي بطرف ردائي، لكن وجهي أشرق فجأة حين أشارت لقطعة كيك كبيرة تعلوها حبات من السكر اللامعة، قالت وهي تضمني لصدرها :

-هذه القطعة ستكون من نصيبك عندما تعود. واصل جمع الأطفال المشاغبين من أخوتي وأبناء الجيران الضحك وتبادل الإشارات وهم يرمقون جدتي ،عندما وضعت خرقة فوق رأسي،بعدها عدلت من وضع الصينية الطافحة بالحاجيات، فيما راح الذباب يدور ويدور وكأنه يشارك الأطفال صراخهم وضحكهم المتواصل. لم تكن المدرسة الابتدائية المختلطة بعيدة عن دارنا، بضعة أمتار فقط، كان بودي الاستدارة لرؤية وجه أمي، كان لدي شعور كبير بأنها تقف هناك خلف الباب الخارجي، ترمقني بعينيها الواسعتين المكحلتين شبه الدامعتين! .وضعت الصينية أرضا بعد أن بذلت جهدا لأحفظ توازنها، تم الأمر بسلام أخيرا، كان المكان خاليا من أي أثر لطفل أو حيوان! لم تحن فرصة خروجهم بعد، حدقت يمنة ويسرة، آه، إخوتي وأطفال الجيران يقتربون وهم يتلصصون، قذرون! لحظات وأخذ قلبي يدق بعنف، أنه جرس المدرسة الكبير يرن، كنت أسمع صراخ الأطفال الآن ودبيب خطواتهم، تحلقوا حول الصينية، راح بعضهم يرمق البائع الجديد بفضول، فيما أخذ أكثرهم يشيرون بسباباتهم صوب قطع الكيك الضخمة ذات السكر الأسمر اللامع. تقدم أحدهم، طفل بثياب نظيفة، أشار لواحدة، لكنه لم يلمسها، أخبرته عن ثمنها بصوت منخفض وقد تضرج وجهي، كدت أرقص فرحا، لقد دس يده ونقدني الثمن! ارتبكت قليلا، ظل ينتظر قطعته فيما أخذ بعض الصبية يضحكون، تداركت الوضع، حملتها بسكرها بعد أن دسست تحتها قطعة ورق بيضاء ومددت يدي المرتعشة، أخذ الفضول يلون ملامح الأطفال الآخرون، كانوا يحدقون للطفل ذو الثياب المرتبة، امتدت أكثر من يد، أقترب أخوتي، بعضهم وقف فوق رأسي يراقب ويتأكد، انقضى الوقت بسرعة، وقبل رنين الجرس كانت الصينية قد فرغت إلا من بعض الفتات الذي أصبح وليمة مجانية للذباب العنيد. حمل واحد من أخوتي الخرقة عني، فيما سار أمامنا باقي أشقائي وهم يتناوبون على حمل الصينية والتطويح بها، كانوا سعداء، وقد كفوا فجأة عن الضحك من منظري، لكني كنت أكثر سعادة منهم. سبقني أخوتي في الدخول وهم يهللون، تركت أمي أشغال الدار، بخطوات مسرعة احتضنتني من الخلف وراحت تشمني وتنحب! رمقتها جدتي بغضب، كانت تقف عند باب غرفتها، كفت أمي لكنها واصلت تقبيلي في رأسي، قبل أن تمتد يد جدتي المعروقة بقطعة الكيك الكبيرة! لمعت عيناي وشيئا فشيئا اتسعت ابتسامتي، وجدت نفسي أضحك مثل الأبله وأنا أخبئ جسدي في ثوب أمي، وسرعان ما بكيت!. كنت متعبا وقد رفضت تناول الغداء، كانت جدتي وأمي وأخوتي الصغار قد فرغوا من تناوله، وجدت نفسي أغفو فجأة فيما دارت ذراعي حول الطبق الذي ضم قطعة الكيك. لم يمض وقت طويل عندما استيقظت، وجدت أمي ملتصقة بي وقد تركت أصابعها تعبث في شعري، فيما تحلق أخوتي حول جدتي، آه، كانت تقص لهم حكاية! دارت عيناي في سقف الغرفة، ثم استقرت على قطعة الكيك، نهضت وأنا انظر صوب رؤوس أخوتي بمحبة، أنهم أخوتي، لم يعودوا قذرون! همست في أذن أمي، حدقت فيَّ مبهورة، راحت جدتي تنظر صوبنا بفضول وهي ترى قبلات أمي المتواصلة على رأسي وخدي، رحت أضحك بصورة متواصلة، نهضت أمي بعدها وهي تحمل الطبق، وضعته بين أخوتي ،قالت بصوت غلب عليه نبرة البكاء :

-هذه لكم، قسّموها بينكم. أدارت وجهها الغارق بالدمع صوبي وأكملت :

-يقول أنه رجل البيت الآن.

بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد

‫شاهد أيضًا‬

مرايا فكريّة – الحلقة (العشرون وهي الأخيرة)  *   مراد غريبي يحاور الباحث الأكاديمي النهضوي د. عدنان عويّد.

     خاص موقع صحيفة المثقف: يستضيف موقع صحيفة المثقف, الباحث الأكاديمي…