• المقال منقول عن صفحة فيسبوك الاخ الصحفي والكاتب طلحة جبريل

هابا هابا وجاء من الغابة

تلقيت قبل منتصف الليلة الماضية خبر رحيل محمد الرحالي المصباحي بائع اللوز في مقهى باليما وسط الرباط، قبل أن يغلق.

كنت قد كتبت بورتريه عن هذا الإنسان الجميل الأنيق والذاكرة، نشر في صحيفة “الشرق الأوسط” قبل عقدين من الزمان .

بقيت أدرس طلابي بورتريه المصباحي موضحاً أن هذا الجنس الصحافي لا يعني الكتابة عن شخصيات وازنة، بل يمكن الكتابة عن أشخاص عاديين.

كنت التقيه على فترات متباعدة، فيقول لي منشرحاً بأنه يوزع ذلك البورتريه على بعض زبنائه.

لعل من مفارقات زمان الناس هذا أنني خصصت له صفحتين في كتابي “صحافي يشاهد ويتأمل ويكتب” الذي صدر قبل أيام فقط.

أرقد بسلام محمد الرحالي المصباحي رحمة الله عليك، وكل الدعوات لك بالمغفرة والرحمة.

(*****)

محمد المصباحي بائع اللوز في مقهى باليما بالرباط

كل شيء يتغير مع الحرب الطاحنة في العراق. حتى محمد الرحالي المصباحي اضطر لتغيير مفرداته وهو على بعد آلاف الكيلومترات من ساحات القتال.

أصبح المصباحي يحاكي صوت قطار بخار يقول انه كان يسير في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية. يحكي لك إن صوت قطار البخار وصرير عجلاته على السكة كأنها تقول “ستالين …ستالين”، وحين يسرع القطار يبدو وكأنه يقول “تشرشل …تشرشل”، وحين ينطلق القطار بسرعة اكبر يقول صوته “شنغاي شيك …شنغاي شيك… شنغاي شيك” ثم لا يلبث أن يطلق صافرة على وزن “روزفيلت.. روزفيلت” بضم الراء.

كل مساء هذه الأيام يُسمع المصباحي زبناءه في مقهى “باليما” بالرباط هذه الحكاية، ويروي لهم أشياء أخرى عن الحرب العالمية الثانية التي عاش أجواءها في طنجة.

في هذا المقهى المفتوح الذي يقع قبالة مبنى البرلمان (وسط العاصمة) يجلس سياسيون وبرلمانيون،مسرحيون وفنانون، كتاب وصحافيون، شعراء وتشكيليون، متقاعدون وموظفون، آخرون وأخريات.

هذه الأيام يأتي كثيرون إلى “باليما” بعضهم يعتقد إنه ربما يفلت من أخبار الحرب لكن هذا الوهم سرعان ما يتبدد، الناس في المقهى لا حديث لهم إلا الحرب والمصباحي يتحدث أيضا عن العراق وبغداد ونخيل البصرة، ويغني بصوت أجش مقاطع من أغاني ناظم الغزالي.

في عام 1956 ترك المصباحي، 68 سنة، طنجة التي لم تعد دولية، وانتقل إلى الدار البيضاء ليبيع اللوز والفول السوداني ومكسرات أخرى في المقاهي وملاعب كرة القدم. وظل فيها أربع سنوات قبل أن ينتقل إلى الرباط ليمارس المهنة نفسها منذ 46 عاما.

يأتي المصباحي من حي “القرية” في سلا المجاورة للرباط. يتجه في البداية إلى فرن في شارع “ام الكنابش” في الرباط القديمة، هناك يقلي مكسراته.. ثم ينطلق إلى مقهى “باليما”.

مقهى مفتوح لعله الأكبر مساحة في العاصمة المغربية، عند مدخله يرص بائع متجول ركاما من الصحف والمجلات والكتب، ثم درجات معدودة وفناء أسمنتي رصت فيها كراسي وطاولات بيضاء في جوانبه ووسطه أشجار خضراء وارفة الظلال ، ومصابيح بيضاء خافتة مثل الشموع تنتشر في ساحة المقهى.

المقهى المفتوح وتسامح نوادله يجعله قبلة للمتسولين والباعة المتجولين، والمحتالين والنصابين أيضاً.

يأتي المصباحي في فترة ما بين العصر والمغرب حين تبدأ الشمس رحلة الغروب. رجل فارع الطول. أنيق المحيا. يمشط شعره بعناية إلى الخلف. ثمة شعيرات بيضاء اختلطت بالسواد. عينان صغيرتان بنظرات ثابتة. يرتدي بنطالا اسود وبذلة سوداء ليست جديدة لكن من الواضح أنه يعتني بها، قميص أبيض في الغالب مع فراشة قرمزية اللون، أنيقة (بابيون) تحيط بعنقه. منديل حرير أبيض في جيب السترة. حذاء أسود يلمع.

يدخل المصباحي بخفة إلى ساحة باليما، يحمل صحناً أبيض كبير الحجم يضع بداخله بضاعته وفوقه قطعة بلاستيك وأوراق صغيرة بيضاء وهو يقول بصوت مرتفع أهزوجة يمزج فيها العامية بالفصحى ببعض الكلمات المصرية “قرميلوا واللي مكنلك مكينلو. أعتق الروح يا عاشق الروح. تغني لك يا اكحل العين يا بدعدع. هابا هابا جاء من الغابة وطايب غير دابا ويتاكل في رابا”. والعبارة الأولى تعني “كل اللوز وتكرم على من منحك إياه، أما العبارة الأخيرة فتعني “إن اللوز حصد من الغابة وتم تحميصه للتو ليؤكل في الرباط”.

ثم يقوم المصباحي بجولة على جميع الطاولات ويضع فوق كل مائدة قطعة صغيرة من الورق الأبيض ثم يضع فوقها بملعقة حبات من اللوز والفول السوداني. وأثناء ذلك يردد بعض الأهازيج أو جمل سجعية (من السجع) وأحياناً يغني بعض أغاني محمد عبد الوهاب وربما يحكي حكاية ما، ثم يقوم بجولة ثانية على الطاولات. هناك من يطلب منه أن يأخذ حبات اللوز لأنه لا يرغب فيها، فيستجيب المصباحي مع قليل من الامتعاض. وهناك من يأكل الحبات ويقول له “شكرا” فيهز المصباحي رأسه حسرة. أما إذا نفحه أحدهم قدراً من النقود يكون في الغالب مابين درهم وخمسة دراهم فإنه يشرع في وضع المزيد من اللوز والفول السوداني فوق قطعة الورق الأبيض بملعقته عدة مرات حتى تخال أنه سيضع لك صحنه بالكامل لكنه في الواقع يضع في كل مرة حبات معدودة جدا.

ذلك المساء كان لابد لنا أن نستدرجه لحديث أطول، استعنت بالصديق عبد الله السبيعي الذي اعتاد الجلوس في باليما منذ سنوات طويلة. يرتادها إليها من العصر وحتى مغيب الشمس إذا كان مزاجه رائقاً. يتأمل الجالسين والمارة ويقرأ الصحف. وحين يشاركه أحد الجلسة يحكي له حكايات طريفة. أصبح جزءاً من ذاكرة المكان.

يعرف المصباحي السبيعي جيدا، استعنت به حتى يحكي الرجل بعض حكاياته دون تحفظ نفحه السبيعي 20 درهماً.

سالت المصباحي هل تعتقد انه (أقصد السبيعي) رجلا كريما؟

أجاب: أكبر مبلغ منحني إياه كان 20 درهماً.

قلت: فهمت

سألته: هل تتذكر شخصاً منحك مبلغاً محترماً؟

أجاب: نعم. أتذكر أن الأمير مولاي عبد الله (شقيق الملك الحسن الثاني) قبل وفاته بأسابيع كان يتابع إحدى مباريات كرة القدم في ملعب فريق الفتح في الرباط. كنت هناك أبيع اللوز للمتفرجين. شاهدني وطلب مني أن أصعد إلى المقصورة حيث كان جالساً. منحني مبلغاً مهماً. وقال لي “اتصل بي من بعد”. ربما كان يفكر في منحي مساعدة مهمة، لكنه توفي قبل أن التقيه من جديد يضيف “كان حظاً سيئاً”.

من بين الشخصيات التي يتذكرها، وكانت تجلس في “باليما”. هناك علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس وهما من قادة الحركة الوطنية في المغرب.

روى لنا أنه كان محتاجاً مرة لمبلغ من المال فاضطر إلى اختلاق قصة للطريس. وقال له إن والده مريض (توفي وعمره ثلاث سنوات). فنفحه قدراً محترماً من المال. أما علال الفاسي فكان يطلب منه أن يقول أشعاراً بالاسبانية ويجود عليه بما تيسر.

يقول المصباحي إن دخله اليومي في حدود 100 درهم (عشرة دولارات) إذا كان حظه طيبا. ليس له ديون ولا يقترض من أحد ولا يعرف البنوك، يا له من محظوظ.

المصباحي تزوج قبل ثلاث سنوات فقط لكنه لم يرزق بأبناء. يستأجر منزلاً متواضعاً في “القرية” وهي حي شعبي تقطنه “البرولتاريا الرثة” في مدينة سلا. كف منذ أربع سنوات عن التدخين وأشياء أخرى.

قبل أن يغادر طنجة بعد استقلال المغرب. عمل ساعياً للبريد في البوستة (البريد) الاسبانية في “السوق الداخلي” وهو حي شعبي في طنجة التي كانت دولية آنذاك.

يتحدث المصباحي الاسبانية بطلاقة وعندما يجد أحداً يتحدثها تنفرج أساريره ويشرع في الحديث بالاسبانية فقط مرة كتب عنه صحافي اسباني مقالاً في صحيفة اسبانية اختار له عنواناً يقول “محمد الرحالي …آخر ساعي بريد في طنجة الدولية”. يحتفظ الرحالي المصباحي بالمقال ويطلع عليه من يرغب في قراءته.

عندما تطلب منه أن يحدثك عن “طنجة الدولية” تغمره سعادة كبيرة ويقول لك إنه شارك في مسابقة لتقليد أصوات الفنانين والمشاهير في الأربعينات في راديو “بان أميركان” نظم تحت إشراف الاسبانية “مانتيكيا لورينثانا” في مسرح “سيرفانتيس”. ويؤكد الرحالي بثقة أنه فاز بالمسابقة بعدما قلد الكوميدي المكسيكي الشهير “ماريو مورينو” الملقب “بكانتيفلاس”. عندما يسرد الرحالي هذه الذكريات يمتلئ وجهه بكثير من الحبور.

يتذكر أيضا أن طنجة كانت بها ثلاث إذاعات وهي “راديو طنجة” وراديو “أفريقيا” و “بان أميركان”.

سألته: لماذا تركت عملك في البريد وتحولت إلى بائع متجول.

أجاب:”كان الاسبان يعاملون المغاربة بعنصرية شديدة لذلك اضطررت أن أترك عملي”.

المصباحي عاش يتيم الأبوين. فقد والده وهو في سن الثالثة. والدته التي توفيت عام 1975 مدفونة في أصيلة، بينما والده مدفون في العرائش (شمال المغرب). أما هو فقد تكفل به أحد سكان طنجة يدعى العربي القايد ميمون المدني. وكان رئيس البوسطة (البريد) في “السوق الداخل”.

يحكي حكايته مع ذلك الرجل “الذي كان والدي” فيقول “كنت في السابعة من عمري أبيع علب الكبريت (الثقاب)، وذات يوم وجدتني زوجة ميمون المدني أمام منزلها أبيع الكبريت، فطلبت مني أن احضر لها أنبوبة غاز من دكان في الحي، ثم أصبحت أقوم لها بخدمات مماثلة فطلبت العائلة مني البقاء معهم في المنزل وكانت لهم بنت واحدة، اقترحت على والدها إدخالي مدرسة اسبانية وتم ذلك بالفعل، ثم عملت بعد تخرجي من تلك المدرسة ساعياً للبريد معه إلى أن غادرت طنجة”.

يتذكر المصباحي كل أسماء الأجانب المهمين الذين كانوا يعيشون وقتذاك في طنجة الدولية خصوصا الإسبان، يتذكر الشوارع الضيقة والحانات والمطاعم والمكاتب وكل أنواع الأنشطة التجارية السائدة وقتها في المدينة.

ربما يحدث للمصباحي ما يحدث لكل الذين شاركوا في حرب ما. إنهم يعيدون حكاية نفس المعركة دون وعي منهم، لأنها تمثل لهم المجد الوحيد الذي يستحق ان يحكى. فهذا الرجل تنتصب كل حواسه حين يسمع كلمة “طنجة”.

إنها المجد الوحيد في هذا العالم. المجد السابق طبعا، مثل أي معركة كبيرة خاضها ولم تعد الآن سوى ذكرى. يتذكر الرحالي الأسماء والأمكنة والرجال والأزقة الصاعدة والهابطة في طنجة الدولية، ربما لأنه عاش هناك كما راق له أن يعيش.

إذا أحس المصباحي أن شهيتك مفتوحة للاستماع إليه فان شهيته مفتوحة دائما لذلك حتى ولو لم تشتر منه شيئاً. أحسن وسيلة للاحتفاء ببعض الناس هي أن تستمع لهم.

ينتقل المصباحي من مقهى “باليما” إلى بعض مقاهي “اكدال” في وسط الرباط.

يهبط الليل مثل كرة بلاستيكية. شوارع المدينة تقفر شيئا فشيئا.

يعود المصباحي إلى حيث توجد سيارات الأجرة قرب “باب شالة” بمحاذاة سور المدينة القديمة. سيارات تنقل الناس إلى أحياء سلا محشورين بداخلها مثل السردين.

يتزاحم المصباحي ويتدافع مع المتدافعين. زحام خانق وزعيق وسباب وأحياناً مشاجرات ولكمات. كل أحد يعتقد أنه جاء قبل الآخرين.

يقول المصباحي بصوت مرتفع “ملعون أبو الزلط” أي لعنة الله على الفقر. ويعود إلى زوجته بما جمعه من دراهم. عادة ما تعد له الزوجة “طاجين” سمك مثل كل “الطنجاويين” يحب المصباحي السمك كثيرا. يأكل “الطاجين” ويتفرج على إحدى قناتي التلفزيون المغربي. يقول هذه الأيام لا أجد فيها شيئا. ليس لدي صحن التقاط (ديش) لذلك استمع لإحدى الإذاعات الاسبانية من راديو صغير ثم أنام.

غدا يبدأ يوم جديد…و”هابا هابا وجاء من الغابة…”.

‫شاهد أيضًا‬

زئـــــير * الحسين بوخرطة

أنهكني تفكير عمر الكهولة المتقدمة. وقفت أمام مرآة غرفة نومي متصلبا. سئمت منظر ترتيب أسناني…