بداية لا بد لي من إبداء الملاحظة التالية وهي: إن ما أرمي إليه في مسألة الاستبداد, هو الاستبداد في كل دلالاته الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والأيديولوجيّة والاقتصاديّة. أي الاستبداد مفتوحاً على المطلق.

     تقول الأسطورة اليونانيّة عن حكاية البطل “أوديسيوس” كان هناك في قديم الزمان مشعوذة من جزيرة “إيا”، حوّلت رفقاء “أوديسيوس” إلى خنازير، وأبقتهم في الجزيرة لمدة عام. وعندما حاول “اوديسيوس” إنقاذهم, رفضوا العودة إلى حياتهم البشريّة بعد أن اعتادوا على عيشة الخنازير وتأقلموا معها.(1).  

      إن الفكرة الأساس في الأسطورة تشير, إلى أن الناس يعتادون على نمط من الحياة عندما يُفْرَضَ عليهم العيش فيه. وهذا التوظيف لأسطورة الخنازير اليونانيّة القديمة, اتكأ عليها الكاتب البريطاني “زيجمونت باومان” في كتابه (الحداثة السائلة), محاولاً توصيف حالة الخنزرة هذه التي وصلت إليها الشعوب الأوربية بفعل ما فرضه عليهم مجتمع ودولة ما بعد الحداثة, أو “الحداثة السائلة” كما سماها الكاتب, ممثلة بحوامله الاجتماعيين من الطبقات الرأسماليّة الاحتكاريّة المتوحشة, بما امتلكته من أدوات وتفكير سحريين في عالم السياسية والاقتصاد والثقافية والإعلام والفلسفة والفن والأدب.. الخ. فللخنازير عالمهم القذر واللاعقلانيّ الذي يختلف حقيقة حتى عن عالم بقية الحيوانات.

     يحكي “زيجمونت باومان” عن نتائج الحداثة السائلة أو ما بعد الحداثة على حياة الأوربيين, الذين اعتادوا حياةً خرجت في بنيتها بما تتضمنه من عادات وتقاليد وقيم الحداثة المشبعة بقيم الإنسانيّة وتوجهاتها, إلى عالم ما بعد الحداثة, وهو عالم أو نمط حياة فُقِدَتْ فيه معظم قيم الحداثة بتوجهاتها العقليّة التنويريّة الإنسانيّة, واستبدلت بقيم جديدة لا عقلانيّة هي أشبه بقيم حياة الخنازير, الذين اعتادوا عليها ولم يعد يهمهم التحرر منها, مثلما لم يعد أي ترياق قادر أن يخلصهم من نتائجها السيئة. وهنا يوصف “باومان” حياة وطريقة عيشهم التي اعتادوا عليها.. وهي عيشة وجدوا فيها كما وجد الخنازير في عيشتهم كل ما لذ وطاب بعد أن مسحت عقولهم ونمذجوا كذرات في المجتمع وفقاً لما يريده الحامل الاجتماعي المتحكم بعالم ما بعد الحداثة, بحيث لم يعد لهم طعم أو لون أو رائحة, بفعل اقتصاد السوق المتوحش وإعلامه وتربيته ونمط حريته. فالخنازير في نمط حياتها تتمرغ بالوحل بلا مسؤولية متى تشاء, وتشرب وتأكل بلا هموم أخلاقيّة, ولا التزامات اجتماعيّة, وتتلذذ بعلاقات جنسية بلا حب, ولا واجبات ومسؤوليات أسريّة ولا روابط اجتماعيّة, وتعيش في استقرار مملوء بالقذارة لا يحمل هموم النظافة والكرامة الإنسانيّة, ولا تطيق صوت الحريّة العقلانيّة ومسؤولياتها الجماعيّة وهمومها وعواقبها.(2). أمام هذه اللوحة التوصيفيّة لحياة الخنازير التي وصلت شعوب أوربا تحت مظلة الرأسماليّة العالميّة الاحتكاريّة المتوحشة إلى مقاربتها, يُطرح السؤال المشروع نفسه: كيف وصلت هذه الشعوب إلى ما هي عليه من ضياع.؟.

     إن الاجابة على هذا السؤال تتطلب منا تعريف معنى الحداثة وما بعد الحداثة, ودورهما في صنع حياة المجتمع الأوربي بكل مستوياته الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. فإذا كانت الحداثة (تعني) بالنسبة للإنسان الأوربي بشكل خاص وإنسان دول العالم الذي راح يدخل عالم الحداثة شيئاً فشيئاً بشكل عام, نفي الهيمنة على العالم باسم الجبر, والاقرار بقدرة الإنسان على تحقيق مصيره, وبالتالي امتلاكه القدرة على تحديد أسس وقواعد بناء مجتمعه ودولته, وصناعة قوميته, والسعي لليقين المادي المنبني على العقل, والزعم بامتلاك العقل ذاته القدرة  على رسم خرائط بناء حياة الفرد والمجتمع والتحكم بشؤون الحياة. وهذا يعني بتعبير آخر بأن الحداثة هي من طرحت ماذا يعني الإنسان وما هي خصائصه,؟, وما هي علاقة المتعالي بالمتعين أو الواقع الملموس عنده؟. وبالتالي فإن مهمة الحداثة في صيغتها العقلانيّة النقديّة هذه, هي إطلاق حريّة التحقق والاختيار الإنسانيّ من أسر الغيب, وتأكيد الثقة بذاته, وامتلاك اليقين في قدرته وامتلاكه إمكانيّة السيطرة على هذا العالم, والقيام بحروب غير مقدسة لإخضاع الطبيعة والمجتمع باستخدام العلم والتكنولوجيا, وبالتالي رفع مستوى الحريّة وضمان الفرديّة, وإخراج الإنسان من القفص الحديدي للتقاليد, ومن عالم الأسطورة والخرافة والسحر والشعوذة والاستغلال والقهر والاستبداد. وهذا كله تحقق الكثير منه بعد قيام الثورة الصناعيّة في أوربا ووصول الطبقة البرجوازيّة بمساعدة قوى الشعب العاملة وثوراتها إلى السلطة, هذه الثورات و(الثورة الفرنسية أنموذجاً) التي حطمت القوى المستبدة السابقة ممثلة بسلطة الملك والكنيسة والنبلاء, تحت شعارات الحريّة والعدالة والمساواة ودولة القانون والدستور, التي نظر لها فلاسفة عصر التنوير الذين امتد تأثير فكرهم إلى دول العالم الثالث ومنه عالمنا العربي.

     أما ما بعد الحداثة فهي السبب الرئيس في إفراغ الحداثة من مضامينها التقدميّة, ودفع الإنسان إلى حالات من التشيء والاستلاب والغربة الاجتماعيّة والروحيّة, وإلى الضياع والدخول في عالم الخنزرة.

     إن قيم ما بعد الحداثة التي مثلها ورسم خرائطها اقتصاد السوق الرأسماليّة المتوحش ممثلاً بحوامله الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة, حيث  راحت هذه الحوامل تشتغل وبكل قدرة ودرايه على فرض منطق الاستهلاك أولاً, أي الاستهلاك المنتزع من صلته العضويّه بالمجتمع, على اعتباره استهلاكاً من أجل الاستهلاك, وليس استهلاكاً يهدف إلى تامين حاجات المجتمع الماديّة والروحيّة, بقدر ما همه في ظل عصر العولمة تحقيق الربح المفتوح على المطلق, والمستعد أن يعلق المشانق لكل من لا يستطيع الاستهلاك, وبناءً على هذا التوجه اللاأخلاقي في إدارة وتوجيه سياسة الدولة والمجتمع, تراجع الهم العام وتصورات الخير العام, وكل ما هو مشترك بالهم الإنسانيّ, أمام تغوّل الهم الخاص وتكريس قيم الفرديّة الشخصيّة وتفردها المطلق.

ما هي السمات الأساسيّة لعالم ما بعد الحداثة:

     يمكننا حصر هذه السمات في اتجاهين اثنين هما:

     الاتجاه الأول: وهو الانهيار التدريجيّ والتدهور السريع للوهم الذي اتسم به صدر الحداثة. أي انهيار الايمان  بأن ثمة نهايةً للطريق الذي نسير عليه كما رسمته خرائط العقل في عالم الحداثة, وهو: خلاص الإنسان من ظلمه وقهره وتشيئه واستلابه, وأن هناك غايّة للتاريخ يمكن الوصول إليها في المستقبل. أي الوصول إلى مجتمع عادل وصالح, وخالٍ من الصراع في جوانبه المتعددة أو بعضها… مجتمع يحقق توازناً بين العرض والطلب وإشباع لحاجات الناس كافة, وإيجاد نظام مثالي خال من الشذوذ, ولا مجال فيه للشك, الأمر الذي يجعل حياة البشر شفافة كل الشفافيّة بسبب قدرة الإنسان على معرفة ما يحتاجه البشر, وبدء سيادته وسيطرته على الكثير من قوانين الطبيعة والمجتمع, وتسخيرها لمصلحة الإنسان ذاته, وبالتالي الوصول إلى مستويات متقدمة تمنحه القدرة للقضاء على معظم المصادفات والاختلافات والتناقضات والعواقب غير المتوقعة لأفعال البشر وأعمالهم.

     الاتجاه الثاني: وهو تحطيم سلطة العقل الذي عوّل عليه الكثير زمن الحداثة, أي العقل النقديّ الذي شكل العتلة التي نهضت بالإنسان وأدخلته عالم حرية إرادته وتحقيق مصيره بيده في هذه الحياة, بعد أن تحطمت السلطة الدينيّة وتفكيرها اللاهوتي والسلطة الاستبداديّة الوضعيّة. فالعقل الذي كان ملكة اجتماعيّة (جمعيّة) تتحكم في إدارة الدولة والمجتمع, تذرر هنا ليصبح عقلاً أداتيّاً فرديّاً, يعبر عن قدرة الفرد في امتلاك الشجاعة وقدرة الاحتمال الفرديّة والتحكم في إدارة الموارد والنشاطات الحياتيّة بما يحقق أكبر قدر من الربح. وعلى الرغم من أن فكرة التشريع ومراقبة نتائج العمل الجمعيّ ممثلةً بالدولة, لم تنته كلياً, إلا أن تحمل المسؤوليّة انتقل بشكل حاسم من المجتمع (الكتلة) التي لها مصالحها المشتركة, إلى مجتمع (التفرد) الذي يعمل بكل مستوياته على تحقيق أو تأكيد الذات لدى الفرد. وعلى هذا الأساس انتقل الخطاب السياسي والأخلاقيّ في عالم ما بعد الحداثة من مجال تحقيق العدالة والمساوة وتنمية المجتمع, إلى مجال حقوق الفرد وحريته. إي إعادة تركيز الخطاب على أن الناس سيظلون مختلفين, وأن يأخذوا ويختاروا بإرادتهم السعادة وأساليب الحياة التي يريدونها دون أي معوق من الدولة أو المجتمع. أي انتفاء شرطيّ المسؤوليّة والمصلحة العامة. فالفرد ومصالحه واهواؤه وشهواته ورغباته أولاً واخيراً.

     إن ما بعد الحداثة ممثلة بحواملها الاجتماعيّة من الطغمة الرأسماليّة الاحتكاريّة المتوحشة, أراحت نفسها في عالمها هذا من واجبات وعبء ومسؤوليّة نهضة المجتمع وتحقيق رفاهيّة أفراده, وراحت تطالب الطبقات الوسطى والدنيا بتحمل مسؤولياتها في مساعدة نفسها وتامين حاجاتها بعيداً عن تدخل الدولة وانتظار دورها في هذا الاتجاه. فلا خلاص إذن على يد التضامن الاجتماعيّ, ولا دور للدولة في تحقيق هذا التضامن   بعد اليوم. أي لم يعد هناك شيء اسمه المجتمع كما قالت مارغريت تاتشر: (لا تنظر إلى فوقك أو تحتك أو إلى جانبيك, بل أنظر إلى داخلك, إلى أعماقك, حيث يكمن دهاؤك وقوتك وإرادتك والأدوات كلها اللازمة لتقدم الحياة. لن يوجد بعد اليوم قادة عظام يقولون لك ماذا تفعل ويريحيونك من المسؤوليّة المتعلقة بتبعات أفعالك.. هناك أفراد فقط يحيطون بك كباراً وصغاراً عليك ان تتعلم منهم وفقاً لمهاراتك وقدراتك الذاتيّة, وأنت وحدك من يتحمل نتائج ثقته بأعماله وما تختاره في هذه الحياة. إنه “مجتمع الأفراد”).(3).

     إن الهويّة هنا تتحول من (قيمة وجوديّة) إلى  (مهمة). أي لم تعد انتماءً وتضحية وارتباطاً بالمجتمع والوطن, بل تحولت إلى وسيلة تشكل فرديّة أعضائه, والأعضاء يشكلون مجتمع التفرد وموقفهم من أعمالهم في مجتمع التفرد .

     يصف أحد علماء الاجتماع البريطانيين وهو “أوليرش بيك” المجتمع الصناعي في مقال له بعنوان (فناء المجتمع الصناعي) قائلاً: (يصدر عن القواعد الاجتماعيّة في أفولها (أنا) عدوانيّة مرعوبة عارية تبحث عن الحب والمساعدة. وفي بحثها عن نفسها وعن تئام اجتماعيّ حنون تتوه بسهولة في غابة الذات.. ومن يفتش في غابة الذات لم يعد بمقدوره أن يدرك أن هذا الانعزال … هذا الحبس الانفرادي للأنا, هو حكم جماعي أيضاً.) (4) .

     إن الفرد الحقيقيّ في مجتمع ما بعد الحداثة, هو الذي لا يلوم أحداً على ما يعانيّه من بؤس  وشقاء ولا يبحث عن أسباب فشله إلا في كسله وبلادته, ولا يبحث عن حل إلا في الجد والاجتهاد. أي بالاعتماد على ذاته, لأنه لن يتوقع أن يساعده أحد, ولكنه يستطيع أن يتعلم من تجارب الاخرين, دون أن ينتظر مساعدتهم. إنه عالم (قلع شوكاتك بيدك) كما يقول المثل العربي. وهنا يأتي الفرق بين المواطن والفرد:

      فالفرد: هو الذي يهتم بذاته, ويفكر بمصالحه من ذاته, أو بتعبير آخر هو المنغمس في ذاته, ويتعامل مع قضايا الواقع بأدواته الذاتيّة التي يبدعها هو وحده. إن الأفراد هنا يعززون فرديتهم الصوريّة بالقانون الذي بدأ يشرع لحماية هذه الفرديّة, وتطمين قلوب الناس بأن الطريقة الانفراديّة المنعزلة التي يقضون فيها مصالحهم, إنما هي الطريقة التي يسلكها الأفراد كافة, وأنهم يتحملون اثناء قضاء مصالحهم تعثراتهم وهزائمهم.

      أما المواطن: فهو الذي يهتم بالآخر, وبمحيطه الاجتماعيّ ويهتم بما يهتم به الناس وفقاً لمصالحهم المشتركة وينطلق منه للعمل.

آليّة عمل مجتمع ما بعد الحداثة:

     لقد قسم عالم ما بعد الحداثة المجتمع إلى طبقتين هما. طبقة تملك مترفة . وطبقة فقيرة معدمة.

     فالطبقة الغنيّة تتحكم بخيوط المسرح الاجتماعيّ الذي تريد تكوينه أو بنائه.. لذلك هي عملت على تحطم سلطة الدولة ودورها في رسم الحلول لمجتمع عادل ومستقر اجتماعياً, أي أفقدت الدولة دورها في رسم وتنفيذ مجتمع العدالة والحريّة والمساوة, مثلما تخلت هي ذاتها كطبقة غنيّة عن قيادة الدولة حتى لا تتحمل مسؤوليّة ما سيحدث من ضياع وحياة (خنزرة) داخل المجتمع, وسلمتها لشخصيات موالية لها من إداريّ الشركات وبعض المهووسين بشهوة السلطة من الطبقة المالكة ذاتها أو من مغامري السياسة, ورسمت لهؤلاء الحكام عبر مراكز الدراسات الاستراتيجيّة كيف يطبقون سياسات الدولة الداخليّة والخارجيّة, بطريقة أو بأسلوب لا يضر مصالحهم. هذا إذا ما توجه هذا الأسلوب, وهو يتوجه بالضرورة لخدمة مصالح شركاتهم ونشاطاتهم الاقتصاديّة من البنوك إلى المركب الصناعيّ العسكريّ وما بينهما.

     هكذا سارت هذه السياسات الممنهجة والمسخر لها المليارات من الدولارات في الإعلام والتربية والجامعات ومراكز البحوث والفن والأدب والفلسفة وعلم الاجتماع, باتجاه منح أفراد المجتمع الحريّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة, في الوقت الذي ضبطت فيه الحريّة السياسيّة, وباسم الديمقراطيّة المفلترة استمرت سيادة حكم الطبقة المتوحشة, إن كانت هذه الحكومة ممثلة بحكومات الظل أو الحكومات المعلنة. فزعماء البيت الأبيض على سبيل المثال لا الحصر, هم ليسوا أكثر من طيور جوارح في عالم نيوجرسي.

     إذن باسم الحريّة الفرديّة تفتت المجتمع وتحول إلى مجتمع أفراد لا تجمعهم هموم ومصالح مشتركة. بل هموم فرديّة منعزلة خاصة بكل فرد, وهذا ما جعل كل فرد يفكر في نفسه ويخطط لنفسه, كون الدولة لم تعد مسؤولة عن ذلك الدور البناء, حيث اقتصر دورها على تشريع كل ما يحفظ مصالح الطبقة المتوحشة وقيمها, إضافة إلى حفظ النظام داخل المجتمع, ومعاقبة كل من تسوّل له نفسه التعدي على مصالح الطبقة الرأسماليّة المتوحشة أولاً, والحد من الحريّة الفرديّة التذريريّة للمجتمع المخطط لها من قبلهم ثانياً. وكذلك الفسح في المجال واسعاً أمام هذه الطبقة المالكة أن توظف إمكاناتها عبر الإعلام والثقافة والفن والأدب لتجهيل الفرد وتعمية بصره وبصيرته تجاه ما يحيط به, أو حتى التفكير بالبحث عن حلول جماعيّة للخلاص من غربته ومعاناته وتشيئه واستلابه وخوفه ثالثاً. لقد عملت الطبقة المالكة والدولة التي أصبحت في قبضتها معاً على تفريد الفرد, وفردنة المجتمع. إن حالة التفرد والتفريد هذه حولت المحيط الاجتماعيّ إلى حديقة حيوانات لم يعد الفرد يفكر فيها إلا في ذاته. بل لم يعد يهمه التحرر من هذه النمذجة, وتخليصه من نتائجها السيئة التي وصل إليها قسراً باسم الحريّة.

     ملاك القول: إن مجتمع التفرد والضياع والعبث واللامعقول هذا, وجد له مديرون ومصممون ومخططون ومنفذون, كتبوا السيناريو واخرجوا العرض وأملوا على الممثلين ما عليهم قوله وتمثيله, وطردوا أو حبسوا في سجون تحت الأرض كل واحد يرتجل أو يخرج عن النص الذي كتبوه. لقد كان هناك أبراج ومكاتب مراقبة, ولكن ظلت أماكن القيادة العليا التي تتحكم بيها شبه مجهول, أو مجهولة بالكامل لدى معظم الناس بعد أن هجنوا وأصبحوا خنازير في حظيرتهم الاجتماعيّة.

     أما في دول العالم الثالث الشموليّة ومنها عالمنا العربي, فتأتي الصورة مقلوبة تماما, حيث تنعدم الحريّة الفرديّة تحت ذريعة الحفاظ على اللحمة الاجتماعيّة, هذا اللحمة التي تُحَقّقُ في الغالب تحت مظلة (شعارات) مشبعة بالوطنيّة والقوميّة وحب القائد والتضحية بالنفس والتحدي والصبر أمام أعداء الدخل والخارج المتربصون بهذه اللحمة دائما وأبدًا,ً للنيل من عزيمتها وإيمانها بوطنها وحكمة قيادتها … لحمة اجتماعيّة يجمع أفرادها طبل وتفرقهم عصا كما يقول “سعد الله ونوس”…  لحمة اجتماعية أفرع أعضاءها تماماً من مضمونهم العقيدي القائم على حب المواطنة والانتماء للوطن, أنها كتلة اجتماعيّة خاوية في مضمونها, حُولت بسبب سلطات استبداديّة وصائيّة غلبتها شهوة السلطة, لتقترب في تكوينها – أي الكتلة الاجتماعيّة – إلى قطيع من الغنم, يقودها راعي حيث يريد, ويساعده مجموعة من الحراس والمطبلين والمزمرين والمثقفين الانتهازيين لحمايتة من قبل غنمه إذا ما حاولوا تكسير أسوار حضيرتهم.

كاتب وباحث من سوريّة


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1- الويكيبيديا
2- الحداثة السائلة, “زيجمونت باومان” – ترجمة حجاج أبو حبر-
مكتبة بغداة- الشبكة العربيّة للبحاث والنشر- 2016. ص7و8.
3- الحداثة السائبة المرجع نفسه – ص75.
4- الحداثة السائبة المرجع نفسه – ص85

‫شاهد أيضًا‬

بانتظار استعادة فضيلة الفلسفة * د. محمد الشرقاوي

كتب أحد أصدقاء فيسبوك سعيد السعدي يقول: “هرِمْنا من أجل هذه اللّحظة التاريخية. اليوم ناقشت…