عندما تجتمع صفات العالم والمفكر والفنان والأديب في شخصيات الأصدقاء ترتقي التمثلات اتجاه الحياة والموت. يعيش المرء من هذه الطينة دنياه وكأنه سيعيش أبدا ويستعد للمغادرة وكأنه سيموت غدا. يلتقي العلم والفن، فَتُسْتَحلى الحياة بمتعها بقوة متواصلة من المهد إلى اللحد. فبترسيخ التقائية الصفات أعلاه في سلوكيات أفراد المجتمع الواحد تنضج شروط تحقيق الثروة الإبداعية للأمم.

مضمون قصة “القادم المجهول” لنفس الكاتب علي القاسمي يعبر بجلاء عن الخصوصية المغربية في مجال التحام فكرة آدم سميث (1723-1790) المنظر للرأسمالية الليبرالية بكتابه “ثروة الأمم : بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابه” وفكرة باتريك كاباندا مؤلف موسيقي وعازف ومستشار في التنمية لدى البنك الدولي، بكتابه :”الثروة الإبداعية : هل تستطيع الفنون دفع التنمية إلى الأمام؟”. ارتباط الصداقة بالعلم والفن يجعل النفوس تتصالح مع الموت وتلتحم ذوات وأرواح الأصدقاء حتى النهاية. المرحوم محمد بوطالب كان علامة يحب الفنون بجنون ومتمسك بقوة لا تضاهى بتدبير الوقت ارتباطا بتنمية الذات والمجتمع على السواء. صداقته مع الكاتب مكنتهما، هما الاثنان، من تذوق حلاوة الأيام والتضامن في السراء والضراء، أي في الأفراح والأوضاع الصعبة وأقساها لحظات انتظار المنية بالشجاعة المطلوبة. قد نقول أن القاسمي قدم لنا بقصته هاته نموذج صداقة مغربية راقية تجمع العظماء الذين لا يخشون المنية، والذين أَغْنَوْا بعطاءاتهم الفكرية والثقافية والفنية مسار التحديث الحضاري المغربي.

على عكس ذلك، قصة “النهاية” فًصَّلت بالدقة المتناهية حالة المرارة في العيش إلى درجة يتصارع الموت والحياة دنيويا لدى فئات مجتمعية عريضة من الشعوب العربية. هذه الأخيرة تنتفي لديها سبل خلق فجوات الإقبال على لحظات الشعور بطيب الحال والتحام الوجوه بالتبسم والفرح الداخلي وفنون الضحك والكوميديا والمسرح والكاريكاتير والموسيقى. وبذلك تتنافر السبل والوسائل لديها، ويتم وأد الإبداع والمردودية في أنشطتها، وتحل القطيعة محل التكامل بين الذات المنهكة والمصادر المتنوعة والكثيرة للتقدم الاقتصادي. قد ننعت فعلا بطل في هذه القصة بضحية سياسات بلاده. الاندماج في مسار تنمية الذات وسعادتها لا يُيَسَّر بدون التشبع بالفنون والمعرفة. بالعقم الفني النفسي تستفحل ظواهر العزلة والقسوة على الذات ويختلط الشعور الدنيوي بالموت خلال الحياة. بطلنا عاش حياة قاسية إلى درجة اعتبر أيام سنوات تقاعده المتشابهة وأحداثها المتكررة بمثابة موت وجودي استبق موعد الموت الطبيعي.

القصة تجمع بين جنباتها، وعبر فقراتها، ما يدل عن خبرة وفكر الكاتب وأذواقه المعرفية والفنية الرفيعة. مكانته الأكاديمية والثقافية جعلته ينجح باستحقاق في إبراز أهمية الفنون في تعزيز عمليات التنمية الفردية والجماعية وارتقاء المنظور الإنساني والجمالي وإثراء حياة البشر من خلال تعميق فهم الطبيعة الشاملة للتنمية. وبذلك تتصالح وتتفاعل الموضوعات المادية ووسائل الراحة مع الاهتمام بنوعية الحياة ومستويات جودتها.

بتوالي القصتين “القادم والمجهول” و”النهاية” المرتبطتين بباقي قصص المجموعة “أوان الرحيل”، وبمضونهما المتكامل، يتشكل لدى القارئ نسق فلسفي يعمق مداركه وفهمه لعملية التنمية والتقدم الإنساني والسعادة في الحياة وقدر الموت.

اخترت “استسلام لنهاية قبل الأوان” كعنوان لهذه القراءة لأقابلها لعبارة “موت العظماء أو النوابغ”. بعدما أبدع القاسمي في وصف الموت والصداقة الروحية عند العظماء في قصة “القادم المجهول” (النموذج المغربي)، يعود هذه المرة إلى وصف حياة مُرَّة لبطل بسيط من الفئات الاجتماعية العريضة عربيا. بطل لم يعش لا الصداقة الروحية المعرفية ولا السعادة الوجودية، بل داهمه الابتئاس منذ صباه وتحولت مجريات حياته بعد التقاعد إلى قطيعة مع الأمل والاستسلام لما يشبه الموت. لقد أمضى زهاء أربعين عاماً في غرفةٍ شبه مظلمة يسمّونها ” مكتب الضبط والوارد والصادر” في قبو الشركة التي استخدمته قبل أنْ ينهي دراسته الثانوية. عاش التكرار والعمل الهش القاتل في كسب قوت يومه. احترف عملا جافا خَال من العواطف. كان مكلفا بمهام وضع الأعداد المتسلسلة على الخطاباتِ التي ترِد على الشركة والتي تصدر عنها. للتعبير عن عنائه اليومي قال السارد بامتعاض ساخرا من نفسه: “أستعمل الأرقام ذاتها في جميع الخطابات. لا يختلف عددٌ عن عددٍ إلا في ترتيب الأرقام المكوِّنة له. الأرقامُ نفسها من الصفر المُصفَّر إلى التسعة التعيسة. وعندما أعود إلى شقّتي الحقيرة في آخر النهار، لا أجد فرقاً بين جدرانها وجدران المكتب الذي فارقتُه قبل قليل”.

البطل وحيدٌ لا أسرة له ولا أقارب. إنه شخصية تفاعلت مع الواقع بحرقة ومسؤولية وتعفف. لم يتزوَّج قطّ لأنه لم يُرِد أنْ يكون مسؤولاً عن شقاءِ امرأةٍ أو عذابِ طفلٍ في هذه الدنيا. عاش لحظات تقريبا هامدة وئدت فيها كل مصادر السعادة. فرض على نفسه إراديا أن لا يقرن مصيره بأسرة. عبر عن ذلك بالجملة التالية “يكفيني ما أنا فيه من سأم وتعاسة”. عاش يتيما بعدما ترمَّلتْ أُمه أثناء حملها به. وقبل أن يلتحق بالمدرسة الابتدائيّة التحقت أُمه بأبيه في عالم الأموات. تحمَّل جيرانُها مشقَّةَ دفنها، ولم يجد له من حاضن سوى مدرسة الأيتام. فبالرغم من عوزه وامتعاضه من واقعه المرير، مكنه مستواه الدراسي المتواضع ووظيفته من تكوين مواقف من الزواج محاولا التكيف مع واقعه اليومي الجاف بالعزلة والتكرار. أكثر من ذلك، اعتبر حياته بعد التقاعد بمثابة موت غير مستحق. بهذا الموقف الأخير أراد أن يوصل للقارئ أن الناس مثله لا يفرقون بين الحياة والموت عندما تبدأ الشيخوخة في ملاحقتهم ابتداء من أول يوم من تقاعدهم.

هذه القصة ليست كمثيلتها في المجموعة القصصية السالفة الذكر. الكاتب يصف واقع إنسان بسيط ما بعد تاريخ التقاعد الذي يصادف مرحلة التفاقم التدريجي لآفة عجز الأجساد والعقول. يعيش المتقاعد من هذه الفئة المجتمعية التكرار القاتل إلى درجة لا يفرق بين أحداث يوم عن آخر. “لا جديد تحت الشمس ولا فوق الأرض. فكل يوم نسخة مكررة باهتة من اليوم الذي سبقه” يقول الكاتب. تتجبر النوستالجيا بآلامها ومأساتها، ويستسلم المتقاعد لمجريات أحداث مضنية خالية تماما من كل مقومات الوجود. ينتابه شعور بالملل، وتَنْقَضُّ عليه براثن الندم كلما تذكر معارك صراعاته الماضية ومقاوماته للعقد النفسية والمشاكل اليومية في حياته السابقة. يستنبط القارئ وهو يتابع الكاتب يسترسل في وصف تطور وقائع وأحداث حياة السارد وما يثيره الاقتراب من نقطة النهاية من إحساس مضني ومدمر، وكأن البطل من أول كلمة في القصة إلى آخرها لا يكل ولا يمل من تكرار طرح سؤال استنكاري مضمر يواجه به الجمهور العريض في البلدان العربية : ما الفائدة من المعارك الوجودية الضارية؟ أي ما الفائدة من الصراعات المادية والمعنوية بين الأفراد والجماعات والأسر والجيران والدول والشعوب في مراحل قوة الأبدان والعقول؟

الكاتب لا يبخس حب الحياة وسعادة العيش والكدح المتواصل بدون كلل ولا ملل من المهد إلى اللحد. في نفس الآن لا يشجع على شيوع المقولات الشعبية الطامحة في ترسيخ التواكل والخمول كمقولة “بني وعلي وسير وخلي” بمعنى “إبن العمارات الشاهقة واتركها وراءك”، بل نستشف من فقرات قصته المتسلسلة بوداعة وإتقان وكأنه يمتعض مبتئسا من تفاقم القطيعة التدريجية مع محاسن الوجود وأسرار الحياة في سنوات الشيخوخة. أكيد هناك سعادة طبيعية في سن الشيخوخة يجب البحث عنها وتوفير الشروط العامة لضمانها للجميع (متعة العيش بعد الستين). يستفزنا الكاتب بسؤال مضمر: “لماذا تتزايد عربيا حدة إهمال الفرد في محيطه القريب (الأسرة) والبعيد (المجتمع) كلما انقض عليه وهن وجبروت سنين العمر التي تنال من قوته الجسمانية والعقلية ؟ لماذا لا نعتبر أن لكل شخص قصة حياة نافعة بدروسها وعبرها ومحنها وأفراحها وتجاربها؟ أليس من حق الأجيال اللاحقة أن تستفيد من أدب الشيخوخة بنفس قدر المطالبة بالاهتمام بأدب الطفولة؟

قرر البطل مساء أمس وحدد تاريخ وفاته بنفسه. إنه تعبير صريح عن تفاهة العيش بتكرار أحداث الأيام والشهور. لقد عبر عن وضعية موت في حياة شاقة. تموت السعادة والخلق والإبداع والحب والجنس والإرادة والحماس …. ويستسلم المرء للروتين القاتل. لقد حدد البطل توقيت ومكان وفاته ببداهة وبساطة وابتسامة ساخرة “غدا صباحا. يوم غد. فهو يوم آخر كبقية الأيام. لا فرق. ولنقل الساعة الثامنة صباحا، ساعة بدء العمل لديكم…. والمكان؟ هنا في هذه الشقة. وعلى هذا السرير بالضبط”.

للتعبير عن مآسي أيام الاقتراب من النهاية، أثار البطل انتباه القارئ إلى ما آلت إليه أوضاع المجتمعات العربية. عبر عن العزلة والخمول والوحدة وتعاسة وكدر المحيط. أثار بحزن شديد ظاهرة انتهاك النفوس بفعل سرعة الحياة العشوائية. في وصفه لمآل الحياة في زمننا، قال السارد: “الناس يسرعون في سيرهم بطريقة تثير أعصابي، كأن ريحا عاصفة تدفعهم من خلف أو وحشا مفترسا يطاردهم. وهم لا يتبادلون الكلام فيما بينهم. كل يهرول بمفرده في وديان الصمت وهو ينوء تحت حمل ثقيل من الهم والقلق … الأخبار هي ذات الأخبار المكررة المحزنة، الفرق الوحيد بينها يكمن في المكان أو الزمان، أما الموضوع فهو واحد : الأقوياء من البشر يأكلون الضعفاء كما تأكل الضباع المتوحشة صغار الحيوانات في الغاب. والأغنياء يزدادون غنى ورفاها، أما الفقراء فيمعنون في فقرهم وتعاستهم”. إنه نمط الحياة الذي فرض على دول الجنوب باسم العولمة والشمولية وجشع النيوليبرالية وضغوطات مشروع خلق نموذج الإنسان العالمي. التصق الناس بتفاهة عروض الشاشات ونسب المشاهدة ومداخيل الاشهار المجانية العابرة للقارات.

الناس تائهون ومنشغلون بقلقهم المنهك والدائم. وحياة السارد انتهت موضوعيا وتستمر ذاتيا. فَصَّل السارد بالدقة المتناهية توالي أحداث أيام حياته التي اغتالها مبكرا جفاف المشاعر التي تولدها الفنون المختلفة منذ الصبا وما ينبعث منها من أحاسيس إنسانية وحماس بناء. لم يجد أمامه من خيار سوى إعلان موعد وفاته والتعاقد مع شركة مختصة للاعتناء بجثته. أراد بذلك أن يبعث رسائل استيعاب الجماهير لحاجتها الملحة للتجديد والتكوين والتنشيط والترفيه الراقي والدائم. أبرز في نفس الوقت تقهقر العلاقات الاجتماعية. حذر برسائله القوية أن التماهي مع حياة التيه والانشغالات الواهية قد تكون دافعا في المستقبل القريب لخروج مراسم الدفن بعواطفها الجياشة والمشاعر التي يحدثها الفقدان المروع عن المألوف التاريخي لعلاقة الأحياء بالأموات في حضارتنا العربية الإسلامية. وأمام هذه التطورات السريعة التي تجاوزت وضعية الاحتمال، قد يتحول هذا الواجب الانساني وأحزانه إلى مجرد صفقة تجارية تكرس نزعة الفردانية وشيوع شعار “آه، سأموت وحدي”.

التعبير ببلاغة وإبداع عن انزلاقات تطور الحياة البشرية زمن النيوليبرالية، دفع الكاتب إلى تخصيص الجزء الأكبر من القصة لوصف أوضاع حياة السارد بعد التقاعد. توالت الفقرات بعبارات تقشعر لها النفوس. ولوضع القارئ أمام الصورة القاتمة لحياة ما بعد التقاعد والآيلة للشيخوخة بالنسبة للفئات المجتمعية العريضة من أبناء أمتنا، اختار الكاتب بعناية جملا ذات بنية وأبعاد جمالية رائعة، والتي نذكر منها:

  • الموت، في تقديري، ليس بأهون من الولادة، والنهاية ليست أدنى شأنا من البداية.
  • كنت ألتزم بمدة حداد رسمية (البكاء والعويل لمدة أربعين يوما بعد الولادة) على فراقي عالم الرحم الساكن الآمن، ونزولي إلى هذا العالم المضطرب الغريب.
  • أعيش هنا (في شقته) منذ أزيد من عقد كامل من السنين دون أن يسمع الجيران صوتي ولو مرة واحدة… تنوح وحدتي في أعماقي دون أن يسمعها أحد، وتئن جراحي بين ضلوعي من غير أن يدري بها مخلوق.
  • أقتل وقتي في مشاهدة التلفزيون ومطالعة الصحف التي ألتقطها بعد أن يرمي بها أصحابها.
  • الشقة صامتة ساكنة صمت المقابر وسكونها.
  • لا أخرج للتمشِّي في الشوارع، ولا أرتاد المقاهي. ليس ثمَّة ما يشجِّعني على ذلك، فوجوه الناس قد اغتسلت بنهر العبوس والكدر، وعيونهم تطلُّ منها التعاسةُ بلا استحياء، ولا أثر لبسمة على شفاههم اليابسة المطبقة.
  • لا جديد في حياتي أبداً، إن كنتَ تسمّى وجودي حياة. لا جديد مطلقاً، سوى أنّني ألاحظ أنَّ الزمن أخذ يسلبني ما قد وهب.
  • ويوماً بعد يوم، أشعر بتصلُّبٍ في أطرافي. فَقَدَ جسدي مرونَته وتخشّب. صار مثل جذع شجرةٍ مُعمِّرةٍ هوت بها ريحٌ عاصفةٌ وانفصلتْ عن جذورها.
  • أبدع الكاتب في تفصيل أحداث موت زميله في العمل معبرا عن مآسي المغادرة في عصرنا: اكتري البطل عربةً رخيصةً ليست مخصصةً لنقل الموتى، لحمل جثمان زميله السابق إلى المقبرة. وكان المُشيِّع الوحيد… بقيّة السكان في شغلٍ شاغل. لا وقتَ لديهم لإضاعته في تشيع جارٍ لا يعرفونه. لقد فقدوا حتّى حبَّ الاستطلاع، فلم يُطلّوا من الشبابيك … انطلق مع صاحب العربة ـ السائق ـ إلى المقبرة، وهو يدندن في الطريق بأُغنيةٍ عاطفيّةٍ شعبيّةٍ لا علاقة لها بالموت ولا بالحياة… حفرَ حفار القبور جدثاً ضيّقاً وغير عميق. أَهالَ على الميت قليلاً من التراب لم يغطِّه تماماً. لم يعجبْه الأجرُ الذي دفعتُه إليه وقبضه قبل أن يبدأ العمل…. قام البطل باستكمال العمل بنفسه، فأهل التراب على القبر، فقد خاف أن تأتي الكلابُ ليلاً، وتنهش الجثةَ شبه العارية.

إن الوصف الدقيق لفظاعة مآسي الموت بعد حياة قاحلة من كل أنواع الفنون والأحاسيس الجياشة في هذه القصة يثير الحاجة لتشخيص أوضاع الدول العربية والوقوف على نوع من الخصوصية في مسار الروح الفردية والجماعية بالمغرب الأقصى. لقد أقرت التجارب المعاصرة أن الدول التي لم تدخر جهدا في جعل الحياة زاخرة بفنون الأداء (الرقص والمسرح والموسيقى والعمارة والرسم والشعر والقصة والسينما …) قد نجحت في تشكيل نموذج حياة واضح جسد بالملموس الإسهام الأوسع للفنون في الرفاهية الإنسانية. بالفنون والتنشيط الدائم تشحن النفوس حماسة من أجل الإبداع والابتكار ووفرة الإنتاج. بها تتطور مستويات التنمية الشاملة المفعمة بالمعاني.

وعلى سبيل الختم استحضر المقولة التي تقول: “حيث تكون الثقافة والفنون، فإن التجارة تتبعها وتزدهر”. التقدم النسبي مغربيا هو انعكاس لوجود انشغال دائم لدى الدولة والمجتمع معا لتجسيد مقاصد هذه المقولة. في نفس الوقت، تشخيص الوضعيات الجغرافية يقود إلى حتمية الاعتراف بكون الدول العربية تحتاج، وعلى نحو ملح، إلى مناح جديدة في التنمية البشرية المستدامة. الفنون والثقافة ليسا من “الرفاهيات” أو الكماليات لكنهما أمران جوهريان في التنمية وتحسين حياة الناس وتراكم ثرواتهم الإبداعية وسعادتهم وطمأنينتهم اليومية.

النص الكامل للقصة “النهاية” لعلي لقاسمي

قررتُ مساءَ أمس أن أُحدِّد تاريخَ وفاتي بنفسي، وأُشيِّع نعشي بنفسي، وأُسوي مراسم دفني بنفسي، وأدبّج كلمات رثائي الزائفة بنفسي. فقد استجدّ عصرَ البارحة ما جعلني أعقد العزم على ذلك.

قررتُ أن يرافق موتي صخبٌ لا يقلُّ عن الصخب الذي صاحب ولادتي، ودويٌّ لا ينقص عن الدويِّ الذي أعقب مجيئي إلى هذا العالم، دويٌّ مثل دويِّ طلقة بندقية صيد، مثلاً. فالموت، في تقديري، ليس بأهون من الولادة، والنهاية ليست أدنى شأناً من البداية.

أخبروني، عندما كنتُ طفلاً، أنّ صراخي عند الولادة فاقَ صيحات أُمّي أثناء طَلْقها، وأَنَّني واصلتُ البكاء والعويل والنحيب، بصوت عالٍ يحسدني عليه كثيرٌ من محترفي الغناء الذين لا يُطرِبون، مدةَ أربعين يوماً بليلها ونهارها، كأنّني كنتُ ألتزم بمدَّة حدادٍ رسميَّةٍ على فراقي عالم الرحِم الساكن الآمن، ونزولي إلى هذا العالم المضطرب الغريب.

أعترف أنّني لم أواظب على إحداث تلك الضوضاء في جميع مراحل عمري. فمنذ أنْ تقاعدتُ قبل ما ينيف على عشر سنوات، وأنا أعيش في هدوءٍ تامٍ وسكونٍ كامل أقرب إلى الخمول، في هذه الشقَّة الصغيرة الحقيرة، الواقعة عند مدخل هذه العمارة القديمة، الرطبة، القذرة، دون أن يتعرَّف عليّ سكّانها، ودون أن أتعرَّف عليهم. أعيش هنا منذ أزيد من عَقْدٍ كاملٍ من السنين، دون أن يَسمع الجيرانُ صوتي ولو مرَّةٍ واحدة.

تنوح وحدتي في أعماقي دون أن يسمعها أحد، وتئن جراحي بين ضلوعي من غير أن يدري بها مخلوق. فأنا لا أبوح لأيِّ شخصٍ بما يعتمل في داخلي، ولا أتحدّث مع الجيران في أمرٍ من أموري ولا أمورهم. بل قلّما رأوني، فنادراً ما أغادر شقّتي. وإذا ما حصل أنْ ذهبتُ إلى السوق لشراءِ بعض الطعام الضروريّ، فإنَّ وقت خروجي لا يتزامن مع غدوهم إلى أعمالهم في الصباح، أو عودتهم إلى منازلهم في المساء، فلا يلتقون بي ولا ألتقي بهم. وأنا، في واقع الأمر، لا أعرف أحداً منهم، وأشكُّ في استطاعةِ أحدٍ منهم أن يتعرَّف على وجهي أو هيئتي.

لا أخرج للتمشِّي في الشوارع، ولا أرتاد المقاهي. ليس ثمَّة ما يشجِّعني على ذلك، فوجوه الناس قد اغتسلت بنهر العبوس والكدر، وعيونهم تطلُّ منها التعاسةُ بلا استحياء، ولا أثر لبسمة على شفاههم اليابسة المطبقة. ويسرعون في سيرهم بطريقة تثير أعصابي، كأنَّ ريحاً عاصفةً تدفعهم من خلف، أو وحشاً مفترساً يطاردهم. وهم لا يتبادلون الكلام فيما بينهم. كلٌّ يهرول بمفرده في وديان الصمت، وهو ينوء تحت حمل ثقيل من الهمّ والقلق.

أقتل وقتي في مشاهدة التلفزيون، ومطالعة الصحف التي ألتقطها، بعد أن يرمي بها أصحابها. أستخدم سمّاعات الأُذنين عند مشاهدة التلفزيون، فلا يتناهى أيُّ صوتٍ إلى إنسان غيري، حتّى لو كان في الغرفة نفسها. ولهذا فالشقّة صامتةٌ ساكنةٌ، صمتَ المقابر وسكونها. غير أنّني لا أجد جديداً في ما أقرأ أو أسمع. الأخبار هي ذات الأخبار المكرَّرة المُحزِنة، الفرق الوحيد بينها يكمن في المكان أو الزمان، أمّا الموضوع فهو واحد: الأقوياء من البشر يأكلون الضعفاء، كما تأكل الضباعُ المتوحِّشة صغارَ الحيوانات في الغاب. والأغنياء يزدادون غنىً ورفاهاً، أمّا الفقراء فيُمعِنون في فقرهم وتعاستهم.

ولا أستطيع متابعةَ ما يُعرَض على شاشة التلفزيون بصورةٍ مفهومةٍ، أو استمتع به كما أروم. فإعلاناتُ بيع مساحيق الغسيل ومواد التنظيف، تقاطع البرامج بين وهلةٍ وأُخرى، كأنّها تذكّرنا دائماً بوساخة هذا العالم الذي نعيش فيه وقذارته. أضفْ إلى ذلك، أنّني غالباً ما تغشاني سكراتٌ من النعاس بين الفينة والأخرى، وأنا جالس على مقعدي قبالة التلفزيون.

لا جديدَ تحت الشمس ولا فوق الأرض. فكلُّ يومٍ نسخةٌ مكرَّرةٌ باهتةٌ من اليوم الذي سبقه. أتناول نفس الوجبات التي لا تتطلَّب طهياً ولا إعداداً. فأنا لم أتعلَّم الطهي أبداً. وليس لجسمي الناحل شهيَّة كبيرة، ولا يعرف الشره في الأكل والشرب. قطعةٌ من رغيفٍ مغموسة في زبدةٍ مع كأسٍ من الحليب تكفيني تماماً. ولهذا فمعاش التقاعد الضئيل يغطي مصاريفي، بل حتّى إنّني أستطيع ادخار قليل منه.

لا جديد في حياتي أبداً، إن كنتَ تسمّى وجودي حياة. لا جديد مطلقاً، سوى أنّني ألاحظ أنَّ الزمن أخذ يسلبني ما قد وهب. أُحسُّ تدهوراً في قواي الجسدية، وضعفاً في ذاكرتي. لم أعُد أذكر ما فعلته قبل يوم أو يوميْن، ربّما لأنّه لم يعُد مهمّاً بالنسبة إليّ. ولكنّني صرتُ أنسى كذلك أين وضعت حوائجي في الشقّة على صغرها، فأبحثُ عنها في كلّ مكان. وبانحطاط ذاكرتي التدريجيّ لم يبقَ لديَّ ما أواجه به الكِبَر. لقد أخذت ذكرياتي تختفي شيئاً فشيئاً، ولم يعُد ثمَّة ما يربطني بنفسي، ولم يعُد ثمَّة ما يصلني بهذا العالم، ماضيه، حاضره، مستقبله.

ويوماً بعد يوم، أشعر بتصلُّبٍ في أطرافي. فَقَدَ جسدي مرونَته وتخشّب. صار مثل جذع شجرةٍ مُعمِّرةٍ هوت بها ريحٌ عاصفةٌ وانفصلتْ عن جذورها. ويوماً بعد يوم، أُحسّ تضاؤلاً في رصيد لغتي. ربّما لأنَّني قلّما أستعملها. نعم، أتحدُّث مع نفسي أحياناً كي أشعر أنَّني ما زلتُ على قيد الألم. ولكنَّني لم أًعُد أجد الألفاظ التي تعبّر عن غايتي. المعاني تطير من فكري، والكلمات تجفّ على شفتيّ. كانت الكلمات تربطني بهذا العالم مثل حبال شراع السفينة، ولكنّها راحت تتقطَّع واحداً بعد آخر. ستتمزّق أشرعتي عند هبوب أوّل ريح، وستغرق سفينتي لا محالة.

اعْتَدتُ على رؤية جدران شقّتي الضيِّقة الحقيرة وأثاثها البالي، يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام. اعتدتُ عليها جداً لدرجة أنّني لم أَعُد أراها. السرير الذي لا رأس له ولا ذيل هو نفسه، والفراش الخالي ذاته، والوسادة الوحيدة المتّسخة هي هي، والصور القليلة التي أطّرْتُها وعلَّقتها على الجدران منذ عقود من السنين وفيها بعض أقاربي الذين ماتوا منذ زمن بعيد، لم تَعُد تعني لي شيئاً. تلك الصور تحتوي على أشخاصٍ آلوا إلى العدم، فهي، في الحقيقة، فارغة، لا تمثل صوراًلموجود، وإنّما للعدم الذي لا صورة له. وهكذا فأنا لا أراها حتّى إذا وقعت عيناي عليها. لا أُبصرُ فيها شيئاً. مجرَّد إطاراتٍ عديمةِ الشكل، خاويةٍ من كلِّ مضمون.

قررتُ أن أتولَّى دفنَ نفسي بنفسي، لأنّني وحيدٌ لا أسرة لي ولا أقارب، من قريبٍ أو بعيد. مقطوعٌ من شجرة، كما يقولون. لم أتزوَّج قطّ . لم أُرِد أنْ أكون مسؤولاً عن شقاءِ امرأةٍ أو عذابِ طفلٍ في هذه الدنيا. يكفيني ما أنا فيه من سأم وتعاسة. ترمَّلتْ أُمِّي أثناء حملها بي، فربَّتْني يتيماً. وقبل أن ألتحق بالمدرسة الابتدائيّة التحقتْ أُمِّي بأبي في عالم الأموات. فتحمَّل جيرانُها مشقَّةَ دفنها، وإرسالي إلى مدرسة للأيتام. ولهذا فأنا لا أريد أن يتحمّل جيراني عبءَ دفني. سأسوي أَمْرَ جنازتي بنفسي.

أمضيتُ زهاء أربعين عاماً في غرفةٍ شبه مظلمة يسمّونها ل” مكتب الضبط والوارد والصادر” في قبو الشركة التي استخدمتني قبل أنْ أنهي دراستي الثانوية.وكنتُ أضع الأعداد المتسلسلة على الخطاباتِ التي ترِد على الشركة والتي تصدر عنها. أستعمل الأرقام ذاتها في جميع الخطابات. لا يختلف عددٌعن عددٍ إلا في ترتيب الأرقام المكوِّنةله. الأرقامُ نفسها من الصفر المُصفَّر إلى التسعة التعيسة. وعندما أعود إلى شقّتي الحقيرة في آخر النهار، لا أجد فرقاً بين جدرانها وجدران المكتب الذي فارقتُه قبل قليل.

قررتُ أن أتولى دفن نفسي بنفسي، ولا أترك الأمر لأحد غيري، فما حكّ جِلْدَك مثلُ ظفرك، كما يقول المَثَل القديم، فكيف والمسألة هنا لا تتعلَّق بمجرَّد جِلدٍ وإنّما بجثمان كامل؟ سأتّصلُ بعد قليلٍ بشركة دفن الموتى، وأتّفقُ معهم على التفاصيل جميعها. سأختار المُرتِّلين بنفسي، وأحدِّد لهم مواضع جلوسهم حول الجثمان في هذه الشقَّة الحقيرة بنفسي. وأطلب منهم إسماعي مقدَّماً السُّوَرَ التي سيرتِّلونها والأدعيةَالتي سيتلونها على النعش قبل أن يحملوه إلى المقبرة. بل سأختار حتّى الكفن الذي يغطِّي جثماني. سأتحرَّر من لون الكفن الأبيض التقليدي. سأقلب الأشياء قليلاً، وأخرج عن المعتاد، فقد قتلني المعتاد سأماً طوال حياتي. سأختار اللون الورديّ لِكفني، واللون الأخضر الفاتح للتابوت. سأنتقم من اللونين الأبيض والأسود، ففي كلِّ يومٍ كنت ألبس في عملي قميصاً أبيضَ وبذلةً سوداء.

سأتولى دفنَ نفسي بنفسي. هذه الفكرة التي استهوتني انقدحتْ في ذهني مثل وميض البرق في ليلةٍ كالحةِ الظلمة، بعدما طرقتْ بابي أمس حارسةُ  العمارة المجاورة لتخبرني، وهي تنظر من فوق كتفي إلى داخل شقتي، كأنَّها تبحث عن شيء فَقَدَتْه، أنّ السيّد محمّد الصرّاح قد لفظ أنفاسه الليلة السابقة. واكتشفتْ هي الأمرَ بالمصادفة المحضة. لا أدري كيف استدلّتْ على مكاني.

ـ “ولماذا جئتِ إليّ أنا بالذات، يا سيدتي؟”

لقد رأتْه ذات يومٍ يقف على باب شقتي. كان مجرّد زميل لي في العمل، وأُحيل على التقاعد قبلي. ولم يأتِ إليَّ سوى مرة واحدة. جاء ليقترض بعض النقود. ولمّا لم يستطع تسديد الدَّين، ما عاد إليّ أبداً.

ـ ” وماذا أستطيع أن أفعل من أجله، يا سيدتي؟”

أجابت، وهي تتلفتُ إلى الوراء، كأنّها تنتظر وصول شخصٍ عزيزٍ عليها، أنّني الوحيد الذي أعرفه، ولا بُدَّ من دفنه.

كان عليّ أمس ـ وبدافع من بقيَّة نخوةٍ، أو خجلٍ من حارسة العمارة ـ أن أكتري عربةً رخيصةً ليست مخصصةً لنقل الموتى، لحمل جثمان زميلي السابق إلى المقبرة. وكنتُ المُشيِّع الوحيد. فحارسةُ العمارة رافقتني حتّى باب العمارة فقط. وبقيّة السكان في شغلٍ شاغل. لا وقتَ لديهم لإضاعته في تشيع جارٍ لا يعرفونه. لقد فقدوا حتّى حبَّ الاستطلاع، فلم يُطلّوا من الشبابيك، على الرغم من أنني كنتُ أرفع صوتي الأجش بـ ” الله أكبر. لا إله إلا الله…” وأنا أُخرِج قطعةَ الخشب التي سمَّيتُها تابوتاً من العمارة، يعاونني على حملها سائق عربة النقل، وكأنّه ينقل قطعةَ أثاث قديمة. ثم انطلقتُ معه ـ أقصد السائق ـ إلى المقبرة، وهو يدندن في الطريق بأُغنيةٍ عاطفيّةٍ شعبيّةٍ لا علاقة لها بالموت ولا بالحياة. لم أقرأ في الطريقِ سوراً من القرآن على روح الراحل. فأنا لم أحفظ شيئاً يُذكَر من القرآن. وما حفظته في المدرسة نسيتُه منذ زمنٍ طويل. ولا تضمُّ شقّتي نسخةً من القرآن، ولا من أيّ كتاب آخر. لم يكُن لي موردٌ كافٍ لأبدِّده في شراء كتبٍ لا أقرأها.

استأجرتُ حفّارَ قبورٍ وجدتُه في المقبرة المُجدِبة العارية من أيِّ نباتٍ، خارج المدينة. قام بعمله صامتاً كئيباً. لم يكُن صمته وكآبته حزناً على زميلي. لا شكَّ في ذلك. ربَّما أَورَثه عملُه تلك الكآبة، وأَملتْ عليه مهنتُه ذلك الصمت. فهو في شغله يتعامل مع صخورٍ وأحجارٍ وأموات.حفرَ جدثاً ضيّقاً وغير عميق. أَهالَ على الميت قليلاً من التراب لم يغطِّه تماماً. لم يعجبْه الأجرُ الذي دفعتُه إليه وقبضه قبل أن يبدأ العمل. لم يكُن لي خيار وليس له خيار، هو الآخر. انصرفَ دون أن يُلقي بالاً لملاحظتي عن عمق القبر، وعلامات السخط بادية على وجهه، وهو يتمتم بكلمات لم أسمعها. لا شكَّفي أنّها لعناتٌ صبّها عليّ وعلى الميِّت معاً. انتابتني نوبةٌ من الشهامة،فقمتُ باستكمال العمل بنفسي، فأهلتُ التراب على القبر، فقد خِفْتُ أن تأتي الكلابُ ليلاً، وتنهش الجثةَ شبه العارية. ولكن بعد أن انتهيتُ والعرق يتفصَّد من جبهتي وجسدي تساءلت: “وهل يَضيرُ الشاةَ سلخُها بعد ذبحها؟”

عدتُ إلى شقّتي مساءً، خائر القوى مكتئباً. وتهالكتُ على الأريكة الوحيدة. وفي تلك اللحظة قرَّرتُ أن أتولَّى ترتيب دفني بنفسي. فقد ادخرتُ مالاً يكفي لجنازة تليق بي. فإذا كنتُ لم أستطع أن أحيا حياةً لائقة، فَلْأمت ميتةً لائقةً، على الأقل. وعلى كلِّ حال، لمَن أخلِّف مدَّخراتي بعد موتي؟

اتصلتُ صباح اليوم ـ بالهاتف العمومي الكائن في الميدان ـ بشركةٍ محترمةٍ لدفن الموتى المحترمين. كانت إحدى سياراتها الجديدة قد استرعت انتباهي ذات يوم، وهي مطليّة باللون الأسود، وعليها آيات قرآنيّة بالخطِّ الكوفيّ، واسم الشركة ورقم هاتفها بخطٍّ أكبر.

أرسلتِ الشركةُ مُمثِّلاً عنها إلى شقّتي. ناقش معي جميع التفاصيل مدَّة ساعتيْن. اتفقنا على أجرة النقل، وعدد المرتِّلين ومكافأتهم. طلبتُ أن يكون عددهم سبعة. لا أدري لماذا يستهويني العدد سبعة. كنتُ أتفاءل به منذ صغري. وأطلعني ممثِّل الشركة على الآيات القرآنية التي سيرتِّلها المرتلون على نَعشي، قبل نقله من الشقّة، وكذلك بعد إنزالي في الجَدَث. لا أستحضر تلك الآياتِ حرفيّاً ولكنَّها أعجبتني. كانت مليئة بكلمات الجنة، والنعيم، والعيون، وحور العِين، والفاكهة، وأنهار الخمر والعسل. واتَّفقنا كذلك على مقاسات الجدث طولاً وعرضاً وعمقاً، وارتفاع شاهد القبر. سألني عن تاريخ الميلاد والوفاة التي يجب كتابته على شاهد القبر. تذكرت تلك الحكاية عن المدينة التي لا يسجِّل أهلها على قبورهم إلا عدد الأيام السعيدة التي عاشوها، فطلبتُ منه أن يكتبوا على شاهد القبر: : ” هذا قبر جَبر، من رَحِم أُمّه إلى القبر.” ودوَّن كلَّ ذلك في عَقْدٍ كان مُعدّاً سلفاً، ويشبه تلك العقود التي كنتُ أُضيف إليها رقماَ وتاريخاَ في شركتي القديمة. ووقّعنا ـ نحن الاثنين ـ على العقد، فأصبح تاماً نافذاً، وسلّمتُه المبلغَ المُتَّفَق عليه نقداً لقاء إيصال، وانتهى كلَّ شيء.

قال لي مُمثلُ الشركة:”في الحقيقة لم ينتهِ كلُّ شيء تماماً. إنّ العقد ينقصه شيء واحد فقط، هو تاريخ النفاذ.” وتطلّع إليّ مُستفسِراً.

نظرتُ في عينيْه، وابتسامة ساخرة تحاصر شفتَيّ، وقلتُ له بلا تردُّد:

ـ ” هذا أمرٌ في غاية البساطة. غداً صباحاً. يوم غد. فهو يومٌ آخر كبقيّة الأيام. لا فرق. ولنقُل الساعة الثامنة صباحاً، ساعة بدء العمل لديكم.”

ـ “والمكان؟”

ـ “هنا في هذه الشقّة. وعلى هذا السرير بالضبط.”

وسلّمته مفتاح الشقّة.

‫شاهد أيضًا‬

فرنسا والمسار المغربي الواعد * الحسين بوخرطة

وأنا أعيد اليوم قراءة مقال الصحفي المقتدر لحسن العسبي بتمعن (صدر بجريدة الاتحاد الاشتراكي …