استأنف النظام الجزائري العمل بديبلوماسية الشيكات والابتزاز الطاقي، بعد أن انتعشت خزينة الدولة بفضل مداخيل عائدات البترول والغاز، خصوصا إثر اندلاع الأزمة الأوكرانية الروسية. ويؤكد هذا السلوك من طرف النظام أن لـ”بن بطوش” وميلشياته الأسبقية على الشعب الجزائري. فهذا الأخير يعاني الأمرين من أجل الحصول على حبات بطاطا أو كيس حليب أو قنينة زيت أو كيلو عدس أو غيره من القطنيات. فالبلاد، كما هو معلوم، كانت على حافة الإفلاس التام اقتصاديا وماليا واجتماعيا. ولا يبدو أن أصحاب القرار يفكرون بجد في الخروج من هذه الوضعية.

فبدل أن ينتبه حكام قصر المرادية إلى ما يعانيه الشعب الجزائري من ضيق ذات اليد ومن ندرة المواد الأساسية، راحوا يقدمون رشاوي لمن يقبل أن يجلس بجانب إبراهيم غالي في الاحتفالات الرسمية بالجزائر أو يقوم باستقباله كرئيس دولة في بلاده، كما فعل قيس سْعَيّْدْ – رئيس الجمهورية التونسية الذي نجح في إغراق بلاده في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية ودستورية وحقوقية غير مسبوقة – خلال ملتقى “تيكاد” المنعقد في تونس أواخر شهر غشت المنصرم.

 لن أقف عند تداعيات هذا السلوك الأرعن للرئيس التونسي. لكن لا بد من الإشارة إلى أنه باع تونس بأبخس الأثمان وخان شعبها وتاريخها الحضاري لإرضاء نظام عسكري يعاني من انعدام الشرعية والمشروعية، ويعاني شعبه من الفقر المدقع رغم ما للبلاد من ثروات هائلة.

لقد ساعد الوضع الحالي (أزمة الطاقة وارتفاع أسعارها) النظام الجزائري، من جهة، على تبديد أموال الشعب الجزائري (عائدات البترول والغاز) في إرشاء بعض الدول الأفريقية والأمريكية اللاتينية التي تعاني مع أنظمتها كما يعاني الشعب الجزائري والشعب التونسي؛ ومن جهة أخرى، ساعده هذا الوضع على استعمال الغاز في ممارسة الابتزاز ضد الدول الأوروبية.  وقد حاول مع إسبانيا بعد أن غيرت موقفها من قضية الصحراء المغربية، لكن دون جدوى؛ ويحاول مع الاتحاد الأوربي أو على الأقل مع بعض دوله التي لا زالت على موقفها الرمادي من القضية الوطنية الأولى للمغرب (ملكا وحكومة وشعبا) ولا تنظر بعين الرضا إلى نجاحاته الديبلوماسية والاقتصادية في إفريقيا؛ كما أنه يحاول مع بعض الدول الأفريقية المعترفة بمغربية الصحراء من أجل جرها إلى التراجع عن موقفها؛ ناهيك عن تمويله للوبيات هنا وهناك عبر العالم من أجل النيل من مصالح المغرب (عداء النظام الجزائري للمغرب ليس وليد اليوم).      

يذكرنا الوضع الحالي بسبعينيات القرن الماضي التي عرفت أزمة طاقية شبيهة إلى حد ما بالأزمة التي يعيشها العالم اليوم، وإن اختلفت الظروف والأسباب. ففي أكتوبر 1973، لجأ العرب في حربهم ضد إسرائيل إلى “سلاح النفط”، حيث قام أعضاء منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (تتألف من الدول العربية أعضاء في أوبك بالإضافة إلى مصر وسوريا) بإعلان حظر نفطي كان الهدف منه دفع الدول الغربية إلى إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب 1967.

وقد تسبب الحظر النفطي إياه في أزمة اقتصادية تمثلت في ارتفاع أسعار الطاقة وركود النمو في العديد من البلدان؛ بينما تلك الغنية بالنفط، ومن بينها الجزائر، استفادت كثيرا من هذا الارتفاع في الأسعار الذي استمر إلى غاية 1986.

ماذا فعل نظام “بوخروبة” بالأموال الطائلة التي جنتها خزينة الدولة الجزائرية، في الفترة ما بين 1973 و1986، من العائدات البترولية؟ ما يهمني هو ما فعله بعد 1976 تاريخ إعلان “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” الوهمية. منذ هذا التاريخ، لجأت الدولة الجزائرية إلى ديبلوماسية الشيكات في أفريقيا بهدف إدخال هذه الجمهورية الوهمية إلى منظمة الوحدة الأفريقية، وفي أمريكا اللاتينية من أجل الحصول على الاعتراف بها. وكان لها ما أرادت بعد أن دفعت شيكات سمينة وألغت ديونا كبيرة مستغلة بذلك، من جهة، الثروة الهائلة التي جنتها من الأزمة النفطية؛ ومن جهة أخرى، الأوضاع الهشة التي كانت عليها العديد من الدول الإفريقية.

وإذا علمنا أن بلاد الجزائر التي يعاني شعبها من شظف العيش، قد حباها الله بثروات طبيعية هائلة (فإلى جانب البترول والغاز، هناك أكثر من ثلاثين معدن تستخدم في مختلف الحاجيات البشرية؛ ومن بين هذه المعادن تلك التي تعتبر نادرة – 20% من احتياطي العالم – والتي تستعمل في الصّناعات التّكنولوجية الحديثة)، ندرك أن المشكل في النظام الذي يحكم هذه البلاد.

فبلد بمثل هذا الغنى يفترض أن يكون من بين البلدان التي تتميز بارتفاع الدخل الفردي فيها وبمستوى عال في البنيات التحتية وفي الخدمات بكل أصنافها؛ وبمعنى آخر، فالمواطن في بلاد الجزائر كان يجب أن يكون دخله يضاهي (بل ويفوق) دخل المواطن الخليجي، ويعيش في محيط غير الذي يعيش فيه الآن. ولو استثمر النظام الجزائري عائدات البترول والغاز فيما يعود بالنفع على البلاد والعباد، لكانت الجزائر الآن تتوفر على أحسن شبكة طرق (السيارة والسريعة) وعلى مطارات وموانئ وسكة حديدية وملاعب رياضية ومستشفيات وجامعات وبنايات إدارية وغيرها في المستوى اللائق الذي يعكس مدى تقدم البلاد ورفاهية العباد؛ هذا، دون أن ننسى الإشارة إلى ما كان بإمكان قطاعي الفلاحة والصناعة أن يقدماه لفائدة البلاد، لو لم يشغل النظام نفسه بمعاداة المغرب وبتبديد ثروات البلاد، إما نهبا أو تبذيرا في مشروع فاشل (قضية خاسرة). والدليل، هو واقع الحال، إن في مدن الصحراء المغربية أو في تندوف (أي الجزائر الجنوبية) أو في الجزائر الشمالية.

خلاصة القول، لا زال النظام الجزائري لغبائه يراهن على الوهم رغم أن هذا الوهم شاخ ودخل في أرذل العمر وأصبحت أيامه معدودة رغم كل التدخلات الكلينيكية ((interventions cliniques التي يقوم بها أطباء المرادية لإنعاشه.

مكناس في 3 شتنبر 2022

‫شاهد أيضًا‬

فرنسا والمسار المغربي الواعد * الحسين بوخرطة

وأنا أعيد اليوم قراءة مقال الصحفي المقتدر لحسن العسبي بتمعن (صدر بجريدة الاتحاد الاشتراكي …