المرثية الأولى

وقف أنطونيو غوتيريس في قمة المناخ بشرم الشيخ بمصر، مثل راهب يلهج باسم المعاصي التي ترتكبها البشرية في حق الأرض. في قاعة مكيفة بشكل جذري، وسط صحراء الكنانة، كان يتوعد الحاضرين بالجحيم الذي نسير نحوه بسيادة منقطعة النظير. الجحيم في آخر النفق والإنفاق من لحم الأرض على الثروات، قال.
ومثل موسى على ضفاف البحر الأحمر، تحدث باسم الأرض التي فقدت النطق منذ أن صار العالم يتفنن في استنزافها، وباسم دول الجنوب القادمين إلى القمة من أجل حقهم من الأرض … نقدا، كان غوتيريس يتحدث عن القيامة التي تنتظر البشرية مقابل معاصيها. ويبكي قرابة أربعة ملايير من البشر يعيشون على شفا سقر! بفعل الهشاشة التي مست الأرض من كل أطرافها، ينتظرهم انتحار جماعي كأفراد طائفة قيامية…
وماذا كان الراهب الأممي ينبئنا في العمق: هناك رهان قوة، ولي الذراع بين الشمال الغني، القادر على استنزاف الأرض والجنوب، الهادئ في قدرية مستسلمة لضياع الأرض من تحت أقدامه، وما زال الشمال يعطي دروس الحياة بعنجهية ولا يريد اقتسام المسؤولية.
من سينقذ الأراضين يا ترى؟
يقول الخبراء هي الشمس، وهي الريح وهي الأمواج حيث تسكن الطاقات مثل كائنات هوميرية، تأتي من الأوديسة على متن زوارق من ضباب!
لا حل للأرض سوى أن ينحاز البشر إلى الانتقال الطاقي، ويمعنون في المشي والشمس وفي فزاعات الريح الجميلة وفي استدعاء الموج إلى الأسلاك الكهربائية…
هي ذي النتيجة: في الشمس والهواء نجاة الأرض، إذا الشمال الغني وضع يده في خزائنه «الهامانية وتبرع »..على فقراء الجنوب…
هذا الشمال الغني، مثل راسبوتين جديد، يركب طائرات فخمة ليصل صحراء الجنوب وينصحنا برياضة المشي وسباق الدراجات.

المرثية الثانية

في زمن غير بعيد، كنا نعتبر البيئة انشغالا بورجوازيا، والخوف على الغابات محض رومانسية يملأ بها الأثرياء ساعات الضجر الوجودي، وهم في بحبوحة.
كنا نرى أن من واجبنا أن ندمر الطبقات أولا، وننهي النيوكولونيالية، وننهي أحلام البقرات السمينات في البورصات، ثم نحمل نايا ونغني للثورات!
كنا نعتبر أن النهر سيظل يجري، وأننا لن نقع في فخ البورجوازية التعيسة…
في زمن غير بعيد كنا نعتبر أن من حق الفقراء أن يعيشوا بعيدا عن مواسم المطر، في توزيع عادل للعمل والثروة.
أطَلْنا المكوث في أرض الأحلام الثورية وكانت الأرض تضيع منا…
الفقراء اليوم يجتمعون في عواصم العالم، يطالبون بحقهم من مداخيل اليباب الذي يتصيد الكوكب. ونريد بعض دولارات إضافية لكي ننقذ الهواء والفقمات والأنواع الموشكة على الانقراض ونعيد الشتاء إلى موسمه في الأمطار والصيف إلى بيادره التي تتولاه.
استيقظنا على التراب ينساب بين الشقوق، والماء يغور في حلق الأرض الجافة.. السماء ليست مفتوحة كما في قصيدة فرديريك شيلير لكي نذهب ونسكن فيها وقد نعود إلى الأرض مع المطر!
لكننا يا لاستحالة الخيال، لا نعرف لغة السماء لنقيم فيها لغويا..
السوق ومواسم الصيد والحصاد والغابات تضيع منا نحن الفقراء…
حظنا من القرن العشرين والواحد والعشرين حرائق في كل الغابات، على قدم المساواة..
وحظنا من القرن الواحد والعشرين فيضانات على قدر المساواة..
وحظنا من المستقبل هو ما سيتركه الأثرياء من غازات تلغم الهواء… والنفايات تعمم القمم التي غادرتها الثلوج الذاهبة إلى ذكريات الطفولة.

المرثية الثالثة..

يا قادة العالم خذوا الأرض
واقسموها بأخوة بينكم
اتركوا الرمانة تنضج
والسفرجل يعود إلى شحوبه القمري.
والعسل موزعا بعدل بين الشيوخ والأطفال
يا قادة العالم تقول الأرض
خذوني وأنا نائمة في السحاب
وأنا بين أحضان المد والجزر..
وبُحيرة في خيال الشعراء
اتركوا لي أولادكم لأرضعهم هواء نقيا
وأغطِّيهم بقمر لم تصبه الغازات
وعلى الحشائش أفرش لهم عمرا أخضرا
خضراء أنا خضراء
كتفاحة في الضوء والماء
لا أحد يغازلني منذ اكتشاف البخار
وآبار النفط
والشيكات
لا أحد يحب أن يراني في فصولي الأربعة
كسمفونية فيفالدي ألحق بكم في الأحلام…

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الكاتب : عبد الحميد جماهري – بتاريخ : 11نونبر 2022.

‫شاهد أيضًا‬

أحمد فردوس: المغاربة…. شعب يستحق أن تردّ له التحية بأحسن منها

قال الفنان الموسيقي لطفي بوشناق في رائعة مقطوعة “أَنَا مُوَاطِنْ” :“أَنَ…