مقدمة كتاب: النقد المبني على الشخصية للمجموعة القصصية “أوان الرحيل” لعلي القاسمي.

يعتبر الأدب من أسمى قنوات التعبير. أما النقد الأدبي فهو ذاك الفضاء الموسوعي المتخصص في سبر أغوار العبارات السردية. طابعه العلمي يتجلى في ارتباطه بكافة الحقول المعرفية والثقافية والتقنية التي تقلص الانطباعية الذاتية إلى مستويات تخضعها إلى محاكمة موضوعية نافعة للروح الإنسانية الصرفة. يرتقي علم الناقد في شخصيته بجودة منتوجاته التأويلية المحبوكة لغويا ومنهجيا وتحليليا. به تتراكم مصادر إنتاج المعرفة بالأدب. حداثته وعلميته ساهمتا في انفتاحه على كافة العلوم الإنسانية. إضافة إلى نجاحه في التحول إلى آلية للسعي الحثيث لإقناع المتلقي بالجدوى العلمية لقراءة النص الأدبي، أبرز في نفس الوقت خصوصية الموضوع الأدبي بوصفه نشاطا إنسانيا تتداخل فيه الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والنفسية والتاريخية. بالظاهرة الأدبية يكتسب النقد الأدبي مدلوله ومكانته في رصد قيمة النصوص الأدبية بلغة ثانية.

بذلك أردت أن يكون هذا الكتاب إذن فضاء أدبيا جديدا لفهم الظاهرة الأدبية عند الدكتور علي القاسمي بكل موضوعية بعيدا عن الذاتية والانطباعية والتأثرية في التعاطي مع نصوصه. انتقيت المجموعة القصصية أوان الرحيل نظرا لأهميتها. هيمن عليها فضاء الموت بكل تجلياته. استعمل فيها الكاتب لغة قصصية بسيطة راقية استثمرها بلاغيا ومنهجيا لإبراز تفوقه التصويري واستعماله للتعابير المجازية للغوص في أعماق الماضي والحاضر بأبعاده الواقعية. ارتقى في هذه المجموعة التأمل والوصف في مقاربة الواقع بتعقيداته وتشابك تفاصيله محدثا توهجا قويا لدى القارئ. نصوصه لا تتطلب قراءة واحدة. فمباشرة بعد الانتهاء من كل قراءة، تتزاحم أسئلة إضافية على الوجدان خالقة قوة تحفيز لدى القارئ والناقد للبحث مجددا فيما تخفيه أعماق عباراته. إنها حقيقة ليست بالغريبة ما دام الكاتب يعتبر من كبار القراء والمترجمين لكتابات أكبر الأدباء عالميا وعلى رأسهم إرنست همنغواي.

أحداث قصص هذه المجموعة متسلسلة بجمالية فاتنة. تتصاعد متعة القراءة من أول عبارة في كل قصة إلى نهايتها. شخصيته كعراقي طاف أقطارا بارزة في العالم عبر مرافئ سبع حاضرة بقوة. أحاط بالموت من كل أوجهه ومستوياته برؤية الخبير المتمرس. انتصب في قصصه كسارد متمكن من سحر الحياة أسرار النهايات وأوجاعها وأسئلتها الوجودية. تابع سكرات الموت والاحتضار بتجلياتهما الحزينة وأجواء حدادهما إلى أن عاش نفس الحدث في قصة “النهاية” ملتحما مع جسد صديقه سيدي محمد بوطالب. كشف عن أسرار الموت بكرامة واستحقاق بعد حياة زاخرة بالعطاء. تفوق في تسليط الضوء عن حافات وسراديب الموت الغادر المخيفة. جُلْنا معه متأملين وجع النهايات في فضاءات داخلية كالمنزل والمستشفى والغرفة …. و في فضاءات خارجية كالحديقة والشاطئ والطريق والصحراء ….. تحدث عن حق المرء في أن يتوارى جثمانه الثرى في وطنه بمراسيم دفن تليق به. تحدث كذلك عن حق الأهل في مواساة المحتضر وهو يجترع ألم سكرات الموت، وحقهم في مواساة بعضهم البعض بعد الموت. ربط الاعتقاد الديني بالنهايات بأبعادها النفسية والاجتماعية والرمزية والفلسفية.

أكثر من ذلك، نصوص هذه المجموعة تندرج كمكون هام في مشروع فكري نهضوي كبير ومتكامل للكاتب. إنتاجاته القصصية منذ إصداره الأول تتناسق وتتكامل مجسدة امتدادا ثريا لغزارة عطائه الفكري واللغوي. لقد حطم الحدود المصطنعة بين شعب المعارف الإنسانية بتصنيفاتها المعاصرة. عالج الموت ببراعة النوابغ. أبدع في تشكيل طموح استقبال ومخاطبة ملك النهاية بكرامة واستحقاق. تم تصنيف وترتيب نصوص المجموعة بعناية معرفية قصوى. لقد نجح بخبرته في توطيد بناء جسور العبور السلس بين أسلاك المعارف المختلفة ومشاربها المتنوعة. استثمر بكلل الجهد المطلوب لجعل القارئ العربي يلتفت لكنوز حضارته وإمكانياتها الكامنة.

قاد القارئ بأفكار ورؤى جديدة وبسلاسة بيداغوجية والتقائية مرصوصة لمعانقة المشاريع المجتمعية الرائدة التي تناولت نهضة العالم العربي الإسلامي منذ بداية القرن العشرين. استثمر في التأمل المستفيض جاذبا بقوة المثقفين والهواة والمبتدئين. يتقدم من نص لّآخر بدراية وخبرة العارفين بأسرار الوجود وبتاريخ تفاعل الحضارات. ركز على تحقيق هدف إيصال المعلومة للنخبة القارئة، وبالتالي تمكينهم من الآليات الناجعة لسبر أغوار العلاقات الداخلية للعناصر الأساسية الرابطة بين اللغة والأدب والبلاغة. أثار من خلال موضوع الموت القضايا الحساسة الحقيقية القطرية والكونية. عبر عن اقتناعه بارتباط المستقبل العربي بالحاجة إلى توسيع مخيال تفكير الأجيال وقدرتهم على التعبير عن انشغالاتهم بحرية، وتعويدهم على الكدح المعرفي المتواصل والعطاء الدائم.

استحضر في مشاريعه الأدبية هاجس تقوية الصلة بين الأدب والنقد وحاجة القراء إلى تنمية ملكة التفكير في مجال علم الإنسان. وبذلك، يكون الكشف عن الروابط المتينة بين نصوصه الثرية لا يتطلب الاستعجال في عمليات فك رموزها. من يتسابق مع الزمن للوصول إلى النقطة النهائية لفضاء حصيلة إسهاماته يصاب بالخيبة. استخراج مقومات ورموز مشروعه بكليته يستدعي التريث والتأمل في مكنون أعماق محاوره.

لقد جسد في قصصه أحداث وإمكانيات تطور الواقع العربي الإسلامي في الأزمنة الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل بهاجس تقوية الروابط بين وقائعها وتفاعلاتها. استثمر بقوة في مجالات التشخيص والتحليل المعرفي والاستشراف الموضوعي. التقابل مع الغرب يشكل له مرجعا هاما يستحضر من خلاله محطات صراعات الماضي المتكررة. يستحسن مزايا التفاعل التاريخي البناء بين الحضارات. يثني على الشق التعاوني والتطوري. يطمح في تحقيق انتصار قيم جديدة في العلاقات الدولية تنسي الشعوب ويلات الاستعمار والاستغلال. ينبه كذلك إلى ارتباط توسيع الهوة التنموية والتكنولوجية والعلمية بارتخاء أو اختلال في الحكامة السياسية في أقطار الانتماء العربية. يتأسف لحدوث الإنزلاقات الإيديولوجية بإكراهاتها الداخلية والخارجية. امتعض من استسلام أغلب الأنظمة السياسية للفوضى الهدامة وتعسر عملية إعادة البناء من جديد. لقد تم تغييب قدسية ونبل الموت بكرامة في حياة الفرد العربي، معتبرا ذلك سببا أساسيا في تفشي الظواهر المشينة التي نالت من مقومات الروح الثقافية الإبتكارية للشعوب منذ قرون. يرى في الترهل الثقافي وضعف الإيمان بمقومات الذات، منذ تجرع مرارة آفة الانحطاط في القرن الحادي عشر الهجري، عوائق حقيقية للنماء. الواقع المر أفقد الأفراد والجماعات القدرة على استيعاب قيمة الوقت وتدبيره. استسلم الأفراد والجماعات لفخاخ التقليد المنصوبة في كل مكان. استحضر تسلط الفقهاء على نبل الأخلاق وأدوار العقل الريادية في تاريخ الأمة العربية.

أحب القاسمي المغرب، وأعجب بخصوصيته التاريخية. اعتز بكرم شعبه وصداقاته القوية مع نخبه وفعالياته في مختلف المجالات (أخوته مع سيدي محمد بوطالب كنموذج). إقامته الطويلة بالمغرب عوضته نسبيا حنينه لبلاد الرافدين. بعده عن وطنه فجر بداخله في الآن مزيج من أثر الفقدان ومتعة سعادة عيشه بالمغرب. مساره الزاخر بالأحداث حوله إلى طاقة علمية لا يمكن للعربي إلا أن يفتخر بها. لقد راكم مقوماتها الأولية بتنقله كطالب علم ما بين الدول العربية والأوروبية وأمريكا. تحول بجهد مضني وتراكمات سريعة إلى عالم موسوعي.

القاسمي من أكبر المناهضين للتشاؤم بتعبيراته المختلفة. هو كذلك لا يكل ولا يمل في التعبير الصريح عن الرسائل والعبر مستنكرا استفحال الآفات والظواهر الفتاكة لحاضر ومستقبل الأمة كالتحرش والعنف والنفاق والتفاهة والتقليدانية وتباهي الجمهور على مستوى الخطاب بالعقلانية والعلم في الدين والتخلي عن ذلك في واقعه المعاش …. يربط إمكانية حدوث الانفراج البناء في حياة شعوب المنطقة بتسخير الأدب والنقد والفكر لترسيخ التربية النفسية العلمية في الأسرة ومؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية.

أسلوب القاسمي وتقنيات سرده، المعتمدة في غالب الأحيان على ضمير المتكلم، يعطي الانطباع وكأنه يقدم أهم شذرات سيرته الذاتية. لكن، بالتأمل في عباراته البلاغية ومنهجيته وعمق مقاصده وثراء حصيلة رصيده الفكري تنجلي كل أشكال الغموض التي آثرتها بعض القراءات النقدية لمشروعه الأدبي. فهذا الأخير مرتبط أشد الارتباط ببناء نسق جديد لسبر أغوار الحضارة العربية والمغاربية بنفس التجديد والتحديث. هو ابن حضارة عريقة، ابن بلاد الرافدين وحضارتي بابل وسومر. عايش مسار تاريخي عربي من المحيط إلى الخليج بأزماته وتقلباته المعاصرة (استقلال، واستعمار، ثم استقلال وانقلابات وعواصف الربيع العربي وما بعده).

تدخل القاسمي مرارا عبر المنابر الإعلامية المغربية موضحا أن من ينطلق في قراءة نصوصه من دوافع استخلاص جوانب سيرته القصصية، سيصاب بخيبة أمل، ومن يقرأها بوصفها نسج خيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة. وأضاف في مناسبات أخرى، الفن عموما، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع ليحلق في سماوات الخيال.

اعتمد القاسمي الواقع، واستثمر بقوة في الخيال، واستطاع بالتدريج توسيع وإثراء عمليات تواصله مع جمهور القراء من المحيط إلى الخليج. بكلله المتواصل استطاع أن يُسمع نبضات كلماته الراقية إلى فئات عريضة من أبناء أمته. صيته الفكري والأدبي قد ضمن مستويات عالية مستحقة. لغته الفاتنة عبرت فعلا عن موقعه الرائد في محافل الاحتفاء باللغويين واللغات الحية. عضويته في مجمعات صناعة المعجم العربي التاريخي وتطويره أسدت لكل الفئات الاجتماعية خدمات جليلة.

إنها الاعتبارات التي جعلتني ألتحم بقوة مع نصوص مجموعته القصصية “أوان الرحيل” كأديب ناقد ومهندس مغربي وباحث في مجال التراث الحضاري العربي الإسلامي ورهانات تحديثه. تخصصي في التهيئة والتعمير والإحصاء والاقتصاد التطبيقي جعلني أرتبط بقوة بالدراسات السوسيولوجية وما تتطلبه من  تمعن وتأمل عميقين. إنها التراكمات التي ساعدتني في السير قدما وبإصرار في فضاء البحث عن الشفرات التأويلية الممكنة لكتابات القاسمي، طامحا امتلاك الخبرة الموسوعية في النقد الأدبي، والاصطفاف إلى قلائل النقاد المهتمين بالنقد المبني على الشخصية.

المجموعة تتضمن ستة عشرة قصة فرعية مؤطرة بثيمة “الموت”: موت إنسان، موت حيوان، موت مدينة، موت حضارة،…. أثارت من قبل انتباه أديبين ناقدين عراقيين وازنين هما الكاتب محمد صابر عبيد والدكتور حسين سرمك حسن اللذين خصصا لها كتابين نقديين هامين. الأول اعتمد النقد المبني على التجربة. نصوص القاسمي بالنسبة لهذا الأخير لم تتناول قضايا معزولة ومشتتة، بل تم التخطيط لإعدادها بإخضاعها لنسق معرفي له ارتباط بتجربته. التجربة، بوصفها أهم وأثرى ممول ورافد مركزي للنص الإبداعي، حولها صابر إلى عمود فقري بنى عليه كتابه النقدي تحت عنوان “التجربة والعلامة القصصية : رؤية جمالية في قصص “أوان الرحيل”. لقد ركز على التجربة في تفاعلها مع الواقع مقتنعا أن الفن شيء مستحيل بدون الإلمام بالواقع كمنتوج جزئي للأنا المعرفية. أما الثاني، بفعل تخصصه كطبيب نفساني، فقد قاده تحليله في كتابه “الظمأ العظيم : تحليل نفسي ونقد أدبي لقصص الموت” إلى سبر أغوار نفسية الشخصيات والساردين وكذا نفسية المؤلف. لقد اتخذ قرار تحويل كتابه إلى خلاصات تشريح نفسي أبرز من خلاله العلاقة التي تربطه بالكاتب ذو الصولات المشهورة في الإبداع الأدبي والحنكة الفكرية مستحضرا انتماءهما معا إلى بغداد بإرث سومر وبابل ومحن العراق وآفاق وجوده.

تقنية النقد الأدبي المبني على الشخصية تقنية ثالثة حرصت على إضافتها إلى التقنيتين السابقتين. الغاية منها كشف خبايا جديدة لقصص القاسمي وقراءة ما بين سطور عباراتها. طموحي من وراء استثماري في هذه التقنية هو تحقيق النجاح المرغوب في تجاوز البعد النفسي وتأثير التجربة بدون الاستغناء عنهما باعتماد مقومات الشخصية كذات معرفية بأبعاد قطرية وجهوية وكونية تنتمي إلى مجال أخلاقي وجمالي وثقافي وحضاري عريق. فاسترجاع وقائع شخصية القاسمي كنموذج بمنطق الأنا المعرفية وتراكماتها عبر سنوات عمر تجاوز ثمانية عقود أعطت لمعاني الأحداث القصصية وصورها الفنية جاذبية عالية وتأثير نافع للروح الجماعية العربية. القاسمي من طينة الكتاب الذين تمكنوا من تخليد وجود شخصياتهم دنيويا بنصوص أمزجت ببراعة وفنية قصوى بين الواقع والخيال.

عَرِفْت القاسمي في البداية كمواطن عراقي مقيم بالمغرب منذ 1972، ثم من خلال نصوصه الأدبية والفكرية. نشرت أول الأمر وبالصدفة قراءة نقدية لقصته “الكومة” بعدد من المنابر الإعلامية المغربية الورقية والإلكترونية. اتصل بي شاكرا، ليفتح المجال بيننا لتسارع الأحداث. وجدنا أنفسنا في أيام قليلة مغمورين بسيول من الأخوة والمودة المتدفقة بدون انقطاع. لقد فتح لي المجال مرحبا للاحتكاك به بمشاعر أخوية عارمة، فازداد مع مرور الأيام عمق مداركي بفلسفته ومحاور مشروعه الفكري وتفاصيله. توخيت من كتابي النقدي هذا الاعتماد على مقوماته الذاتية الثرية ورصيد تراكماته المعرفية ورصانة مواهبه وطبيعتها الإنسانية وتطورات أوضاع مسار حياته لإبراز مقاصده ورسائله النبيلة.

كدحت بجهد مضني للرفع من مستوى الإلمام بمشمول المعلومات التي تخص الكاتب من أجل تيسير قراءة نصوصه بالموضوعية التامة. غايتي في ذلك هي الإسهام في دعم أهدافه العلمية خدمة للبيئة الثقافية والفكرية في الزمان والمكان الحضاريين. انتصرت لهذا المنهج ووظائفه في نقد الأدب والفكر معا. استوعبت قبل ذلك بتمعن كيف تعاطى المؤلف في ثيمات إنتاجاته مع أكبر الشخصيات المغربية والعربية، ومروره بمرحلة ترجمة أعمال إرنست همنغواي، ووصوله إلى الإسهاب في الحديث عن الدكتور المصري جابر عصفور.

بحثت في كتاباته عن الشاردة الأدبية، والأقوال الحكيمة، والبراهين المستعملة، والاشكاليات المطروحة، والخيط الناظم لنسج عباراتها. هي شخصية ألمت بجوهر المعارف الأكثر تأثيرا ونفعية. في قصصه الأدبية نجده يتقاسم هذا الهم مع كبار المفكرين العرب أمثال الدكاترة المفكرين محمد عابد الجابري ومحمد أركون وبرهان غليون وماجد الغرباوي وعبد الله العروي وطه عبد الرحمان……إلخ. بالنسبة لهؤلاء النوابغ، مبتغى لململة أوضاع الأمة العربية الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إلا بتراكم المنتوجات الفكرية العقلانية وقيادة الأجيال بحكمة لإدمان البحث العلمي والفكري ومضاهاة وتيرة تقدم الشعوب الأخرى في اكتشاف أسرار الكون وتسخيرها لتجويد الحياة الفردية والجماعية.

حاولت بتراكمات سيرتي الإعلامية والفكرية والعلمية والمهنية المتواضعة أن ألقي الأضواء الكاشفة على مكنون نصوصه. ثابرت بالرغم من انشغالاتي المتعددة مستجيبا لإيماني القوي كون هذا الرجل النبيل كرس حياته للتفكير بعمق في ماضي وحاضر ومستقبل الوطن العربي وحضارته. كتاباته تجسد الحب الصادق للأمة العربية بأمجادها وقيمها التنويرية الأصيلة وقيمة مواردها البشرية الطموحة.

بهذا المنظور، أشاركك عزيزي القارئ نصوص قراءاتي النقدية لهذه المجموعة قصة قصة راجيا أن تنال إعجابك وتجد فيها متعة وإفادة، وأن تعثر في نصوصها على سبل جديدة للتفاعل الفعال مع مضامينها وعناوينها بطعمها التشويقي والتواصلي.

أخي القارئ، أضع أمامك هذا الكتاب مقدما لك تحليلات وتأويلات غوصي العميق في قصص علامة عربي كبير. كما سبق أن أشرت إلى ذلك أعلاه، القاسمي بعبوره مرافئ الحب السبعة، ومكوثه حقبا زمنية متفاوتة بالعالمين العربي والغربي، وتفضيله الاستقرار النهائي بالمغرب الأقصى لمدة تفوق خمسين سنة، ومجالات تخصصاته الفكرية والأدبية واللغوية، تحول اليوم إلى خزان للتجارب الإنسانية والمعارف النيرة البناءة. بهذا المسار الشخصي المتميز، أصبح من أكبر الملتزمين بهموم الإنسان العربي ومن أبرز التواقين لتحقيق غد أفضل.

أطمح بكتابي هذا تحقيق نزوع تجديدي واضح في الفكر والأدب يبرز رمزية ارتباط الحياة الجماعية للشعوب العربية بالحب والسعادة والموت. برر القاسمي معرفيا حاجة الشعوب إلى تقوية الروابط بين تطورات أحداث مراحل عمر الفرد الواحد وترسيخ قواعد مشتركة للانشغال الجماعي بأفق تنموي تجديدي واعد. التغيير يتطلب تشييد الجسور بين هذه المراحل المتتالية من حياة الفرد، وتيسير العبور من واحدة إلى أخرى بالمردودية المطلوبة، وبالتالي استقبال المنية بذات عارفة لا تهاب النهاية بعدما تكون قد أبلت البلاء الحسن دنيويا. إنها فرصة العالم العربي لتحقيق نهضته المفقودة. العالم يعيش في مفترق الطرق بأقطاب حضارية متصارعة بمقومات ووسائل جديدة (الحضارات الغربية والصينية والأوراسية والهندية ….).

بالقراءة المتأنية لنصوص هذا الكتاب يُكَوِّن القارئ بلا ريب فكرة ثورية في شأن مستلزمات ردم الهوة بين من يمارس السياسة ومن تمارس عليه. يتبادر إلى الذهن فورا، بعد استخلاص العبر، أن على السياسيين أن يطلعوا على ما ينتجه الأدباء والإعلاميون والمفكرون، وأن يستعينوا بهم ويستشيروهم. إنه السبيل عند القاسمي لتوجيه اهتمام الشعوب إلى الحاضر والمستقبل بدلا من التخلي عنهم غارقين في يم تقليدانية الماضي الفتاكة.

لقد أكدت ثيمة “الموت” في القصص والقراءات موضوع هذا الكتاب أن القاسمي قد نجح في إهدائنا خطاطة دروس وقواعد إنسانية في موضوع حياة الأفراد والجماعات عربيا. يثير انتباهنا لوجودها كحقيقة ثابتة في تراث حضارتنا، ويحذر مصادر القرار السياسي من خطورة طمسها. تربية الفرد على العمل لدنياه كأنه سيعيش أبدا، ولآخرته كأنه سيموت غدا، مسؤولية سياسية وثقافية تتحملها المجتمعات المدنية والمؤسسات الرسمية على السواء. لقد تناول الكاتب هذه الموضوعة بمنظور فلسفي ورؤية عقلانية بأبعادها الوجدانية التي تجعل القارئ في منأى عن القلق من المجهول بما في ذلك المنية. انشغال الانسان في أيام حياته يجب أن ينصب على الدفاع عن المدينة والحضارة والقيم والسعادة من المهد إلى اللحد، أي إلى النهاية المعبرة عن الكدح المتواصل والفضول المعرفي الدائم. عبارات كتابات القاسمي منتقاة بدقة شديدة وكأنه يخضعها لفحص مجهري قبلي.

وعليه، يكتشف القارئ مباشرة بعد التهامه لها أنها مغمورة بدعوات قابلة للتفعيل لركوب قاطرة الحياة المناسبة بحضور كثيف لرواد التنشئة التفاعلية منذ زرع الروح والإحساس في بدن الإنسان إلى أن يتجاوز الخط الرباني الفاصل بين الحياة والموت بكرامة وشرعية واستحقاق، وبذلك يضمن الخلود لوجود سابق ولاحق. بهذه المقومات تصبح الموت، كمصير حتمي بالنسبة للإنسانية، ظاهرة عادية يتم استقبالها بدون مفاجآت ولا آلام ضمير. التمييز بين ضحايا الموت الغادر ومُسْتَقْبِلي الموت الطبيعي بكرامة شكل جوهر مواضيع قصص المجموعة بكاملها. تربص الموت المباغت بالبعض وقذف بهم إلى عالم مجهول، واستقبلها الرواد بشجاعة بعد مسار حياة طبيعية طويلة ضمن لهم خلودا دنيويا وغمرهم اطمئنانا وهم يغادرون إلى فضاء الأبدية.

الأهم في القصة القصيرة هي المقاصد والوقوف على الأدوات الأدبية والفنية لتقديمها في حلة جذابة ومؤثرة نفسيا وتربويا وثقافيا وفكريا. دائما أبدأ بالتأمل الأولي بتحديد محاور المقاصد المؤقتة، قبل أن أغوص في تأملات أعمق من أجل ابتكار رسائل جديدة محاولا تفسير ما خالج الكاتب وإغنائه أو تأويله في اتجاه تنويري بآفاق واسعة وواعدة. كما أن التمييز بين الذاتي والموضوعي، من خلال القالب الإبداعي الفكري والأدبي، يبقى ذا أهمية بالغة.

‫شاهد أيضًا‬

الجزائر قوة ضاربة أم قوة مضروبة؟ *محمد إنفي

من يعاني من مركب النقص، يريد دائما أن يثبت للغير، ادعاء طبعا، بأنه يفوق هذا الغير بما له م…