استحضار تاريخي لملاحم وضاءة في سجل أمجاد و روائع الكفاح الوطني

في سبيل الحرية و الاستقلال و السيادة الوطنية و الوحدة الترابية.

بمشاعر الفخر و الاعتزاز، و في غمرة أجواء التعبئة الوطنية و اليقظة الموصولة حول قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة، يخلد الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، و معه أسرة الحركة الوطنية و المقاومة و جيش التحرير، من 16 إلى 18 نونبر 2022، الذكرى 67 لعودة بطل التحرير و الاستقلال و المقاوم الأول جلالـة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن، معلنا عن انتهاء عهد الحجر و الحماية و بزوغ فجر الحرية و الاستقلال، و الانتقال من الجهاد الأصغر التحرري إلى الجهاد الأكبر الاقتصادي و الاجتماعي، و انتصار ثورة الملك و الشعب المجيدة التي جسدت ملحمة بطولية عظيمة في مسيرة الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي الأبي بقيادة العرش العلوي المنيف من اجل نيل الحرية و الاستقلال و السيادة الوطنية و الوحدة الترابية.

و تعد ذكرى عيد الاستقلال المجيد من أغلى الذكريات الوطنية الراسخة في قلوب المغاربة لما لها من مكانة وازنة و متميزة في رقيم الذاكرة التاريخية الوطنية، و ما تمثله من رمزية و دلالات عميقة تجسد انتصار إرادة العرش و الشعب و التحامهما الوثيق دفاعا عن المقدسات الدينية و الثوابت الوطنية. و بتخليد هذه الذكرى المجيدة، نستحضر السياق التاريخي لهذا الحدث العظيم الذي لم يكن تحقيقه أمرا سهلا أو هينا، بل ملحمة كبرى طافحة بمواقف رائعة و عبر و دروس بليغة و بطولات عظيمة و تضحيات جسام و أمجاد تاريخية خالدة صنعتها ثورة الملك و الشعب التي تفجرت إيذانا بخوض غمار المواجهة و المقاومة، و تشبثا بالوطنية الحقة في أسمى و أجلى مظاهرها.

لقد شكلت عودة الشرعية و المشروعية التاريخية بعودة بطل التحرير و الاستقلال، نصرا مبينا و حدثا تاريخيا حاسما، توج بالمجد مراحل الكفاح المرير الذي تلاحقت أطواره و تعددت مظاهره و صوره في مواجهة الوجود الاستعماري المفروض منذ 30 مارس سنة 1912، حيث خلد المغاربة أروع مواقف و قيم الغيرة الوطنية و الالتزام و الوفاء، و بذلوا أغلى التضحيات في سبيل عزة الوطن و كرامته و الدفاع عن مقدساته و ثوابته. فكثيرة هي المعارك البطولية و الانتفاضات الشعبية التي خاضها أبناء الشعب المغربي بكافة ربوع المملكة في مواجهة مستميتة للوجود الأجنبي و التسلط الاستعماري. و من هذه البطولات، معارك الهري و أنوال و بوغافر و جبل بادو و سيدي بوعثمان و انتفاضة قبائل آيتباعمران و الأقاليم الجنوبية و غيرها من المحطات التاريخية التي لقن فيها المجاهدون للقوات الاستعمارية دروسا بليغة في الصمود و المقاومة و التضحية.

و من روائع الكفاح الوطني، ما قامت به الحركة الوطنية مع مطلع الثلاثينات بالانتقال إلى النضال السياسي و العمل الوطني الهادف بالأساس إلى نشر الوعي الوطني و شحذ العزائم و إذكاء الهمم في صفوف الشباب و داخل أوساط المجتمع المغربي بكل أطيافه و فئاته و طبقاته. كما عملت الحركة الوطنية على التعريف بالقضية المغربية في المحافل الدولية، مما كـان لـه أكبر الوقع و بالغ الأثر على الوجود الأجنبي، الذي كان يواجه النضال السياسي الوطني بإجراءات تعسفية و مخططـات مناوئة للفكر التحرري الذي تنشره و تشيعه الحركة الوطنية بتشاور و تناغم مع أب الأمة و بطل التحرير و الاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه.

و من ابرز هذه المخططات الاستعمارية، مشروع التفرقة بين أبناء الشعب المغربي الواحد و تفكيك وحدتهم و طمس هويتهم الدينية و الوطنية بإصدار ما سمي بالظهير البربري يوم 16 ماي 1930. لكن المخطط العنصري و التمييزي سرعان ما باء بالفشل حيث وقف الوطنيون و المناضلون في خندق مواجهة و مناهضة الوجود الاستعماري، و تمسك المغاربة بالدين الإسلامي الحنيف و بالهوية المغربية و بالوحدة الوطنية.

و من تجليـات و إفرازات النضـال الوطنـي، إقدام صفوة من طلائع وقادة الحركة الوطنية على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال الى سلطات الحماية يوم 11 يناير 1944، بتشاور و تناغم تام مع بطل التحريـر و الاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس اكرم الله مثواه، و ما أعقب ذلك من ردود فعل عنيفة من لدن السلطات الاستعمارية، حيث تم اعتقال بعض قادة وزعماء و رجالات الحركة الوطنية و التنكيل بالمغاربة الذين أظهروا حماسا وطنيا منقطع النظير و عبروا بشجاعة و شهامة عن تأييدهم للوثيقة التاريخية. كما أن من أبرز هذه المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني، رحلة الوحدة التاريخية التي قام بها أب الوطنية و بطل التحرير و الاستقلال إلى طنجة يوم 9 ابريل 1947 تأكيدا على تشبث المغرب، ملكا و شعبا، بحرية الوطن و استقلاله و وحدته الترابية و تمسكه بمقوماته و هويته و بانتمائه لمحيطه العربي و الإسلامي.

لقد كان لهذه الرحلة الميمونة، رحلة الوحدة، الأثر البالغ على علاقة الإقامة العامة بالقصر الملكي حيث اشتد الصراع، خاصة و أن جلالة المغفور له محمد الخامس لم يرضخ لضغوط سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية المتمثلة أساسا في فك الارتباط بالحركة الوطنية و مع المد التحرري الوطني. فكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة سببا في تأزم الوضع السياسي و إقدام سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية على تدبير مخطط تفكيك العرى الوثقى بين الملك و شعبه. و قد تصدى المغاربة لهذه المؤامرة التي تجلت خيوطها في الأيام الأولى من شهر غشت 1953 حيث وقف سكان مدينة مراكش بالمرصاد يومي 14 و 15 غشت 1953 للحيلولة دون تنصيب صنيعة الاستعمـار ابن عرفة. كما انطلقت انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، و انتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت، و عمت مواقف الاستنكار و التنديد بالفعلة النكراء لقوات الاحتلال الأجنبي في سائر ربوع الوطن حينما أقدمت سلطات الحماية على محاصرة القصر الملكي بقواتها الأمنية والعسكرية يوم 20 غشت 1953، مهددة و متوعدة جلالة المغفور له محمد الخامس بالتنازل عن العرش، ففضل طيب الله ثراه النفي على أن يرضخ لإرادة المحتل الأجنبي، مصرحا بكل ما أوتي من إيمان بالله و قناعة بعدالة القضية المغربية، بأنه الملك الشرعي للأمة، و أنه لن يضيع الأمانة التي وضعها شعبه الوفي على عاتقه و طوقه بها، و التي تجعله السلطان الشرعي و رمز السيادة الوطنية و الوحدة الوطنية.

و أمام هذه المواقـف الوطنية النبيلة التي اتخذها بعزم و حزم و إصرار بطل التحرير و الاستقلال و المقـاوم الأول جلالة المغفــور له محمد الخامس، و بكـل شجاعة و إقدام، أقدمت سلطات الإقامة العامة على تنفيذ مؤامرتها النكراء بنفيه و رفيقه في الكفاح و المنفى، جلالة المغفور له الحسن الثاني رحمة الله عليهما و الأسرة الملكية الشريفة يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا و منها إلى مدغشقر.

و ما إن عم الخبر المشؤوم سائر ربوع المملكة و شاع في كل أرجائها، حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة، و تفجر سخطه و غضبه في وجه الاحتلال الأجنبي، و ظهرت بوادر العمل المسلح و المقاومـة و الفداء و تشكلت الخلايا الفدائية و التنظيمـات السرية و انطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمـار و مصالحه و أهدافه. و تجلى واضحا من الهبة الشعبية لثورة الملك و الشعب عزم المغاربة و إصرارهم على النضـال المستميت من أجل عودة الشرعيـة و المشروعية التاريخية و تحقيق الاستقـلال. فمن العملية الفدائية الجريئة للشهيد علال بن عبد الله يوم 11 شتنبـر 1953 التي استهدفت صنيعـة الاستعمار، إلى عمليات فدائية بطولية للشهيد محمد الزرقطوني و رفاقه في خلايـا المقاومـة بالدار البيضاء و عمليات مقاومين و مناضلين بالعديد من المدن و القرى المغربية، لتتصاعد و تيرة المقاومة بالمظاهـرات و الاحتجاجات العارمة و الانتفاضات الشعبية المتتالية و منها مظاهرات وادي زم و قبائل السماعلة و بني خيران و في العديد من المناطق المغربية في 19 و20 غشت 1955، و تتكلل بالانطلاقة المظفرة لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة في ليلة 1-2 أكتوبر 1955.

و لم تهدأ ثائرة المقاومة و الفداء إلا بتحقيق أمل الأمة المغربية في عودة بطل التحرير و الاستقلال و رمز الوحدة الوطنية، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، حاملا معه لواء الحرية و الاستقلال، و معلنا عن الانتقال من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر من أجل بناء المغرب الجديد و مواصلة ملحمة تحقيق الوحدة الترابية. فانطلقت عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956 لتخليص الأقاليم الجنوبية الصحراوية من نير الاحتلال الإسباني، و قد أعلنها بطل التحرير صيحة مدوية في خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، و هو يستقبل وفود أبناء قبائل الصحراء، مؤكدا مواقف المغرب الثابتة و تعبئته التامة لاسترجاع صحرائه السليبة، و محققا في 15 أبريل من نفس السنة 1958 استرجاع منطقة طرفاية، كبداية انتصار مسلسل تحرير ما تبقى من المناطق السليبة من الوطن.

و سيرا على نهج والده المنعم، خاض الملك الموحد جلالـــة المغفور له الحسن الثاني رحمه الله معركة استكمــال الوحدة الترابية، فتم في عهده استرجاع مدينة سيدي إفني في 30 يونيو 1969، كما تحقق استرجــاع أقاليمنا الجنوبية بفضل المسيرة الخضــراء المظفرة التي انطلقت يوم 6 نونبر 1975، و ارتفع العلم الوطني في سماء العيون يوم 28 فبراير 1976، إيذانا بجلاء آخر جندي أجنبي عنها. وفي 14 غشت من سنة 1979، تواصل استكمال الوحدة الترابية للوطن باسترجاع إقليم وادي الذهب لتتحقق الوحدة الترابية من طنجة إلى الكويرة.

و تحل الذكرى 67 للأعياد الثلاثة المجيدة: عيد العودة و عيد الانبعاث و عيد الاستقلال، كلحظة تاريخية للتأمـل و التدبـر في مسلسـل الكفـاح الوطني من أجل الحريـة و الاستقـلال و تحقيق الوحدة الترابية، في سياق نضالي شامل و متكامـل يشج أواصر العروة الوثقى بين القمة و القاعدة، بين العرش و الشعب.

إن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة و جيش التحرير و هي تستحضر بفخر و اعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس و العبر و الطافحة بالمعاني و القيم، لتؤكد و تجدد وقوفها الثابت و الموصول و تعبئتها الدائمة حول صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل الترافع على قضيتنا الوطنية، قضية الوحدة الترابية و تثبيت المكاسب الوطنية و قد أولاها الخطاب السامي لجلالته ما هي جديرة به من مكانة و أولوية بقوله في ذكرى المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 2022: “يأتي تخليد الذكرى السابعة و الأربعين للمسيرة الخضراء، في مرحلة حاسمة، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء.

و إذا كانت هذه الملحمة الخالدة، قد مكنت من تحرير الأرض، فإن المسيرات المتواصلة التي نقودها، تهدف إلى تكريم المواطن المغربي، خاصة في هذه المناطق العزيزة علينا.

و من هنا، فإن توجهنا في الدفاع عن مغربية الصحراء، يرتكز على منظور متكامل، يجمع بين العمل السياسي و الدبلوماسي، و النهوض بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و البشرية للمنطقة”.

و يضيف جلالته: “لقد شكلت الصحراء المغربية، عبر التاريخ، صلة وصل إنسانية و روحية و حضارية و اقتصادية، بين المغرب و عمقه الإفريقي.

و إننا نسعى، من خلال العمل التنموي الذي نقوم به، إلى ترسيخ هذا الدور التاريخي، و جعله أكثر انفتاحا على المستقبل.

و هو توجه ينسجم مع طبيعة العلاقات المتميزة، التي تجمع المغرب، بدول قارتنا الإفريقية، و التي نحرص على تعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة لشعوبنا الشقيقة.

إن الوفاء لروح المسيرة الخضراء، و لقسمها الخالد، يتطلب مواصلة التعبئة و اليقظة، من أجل الدفاع عن وحدة الوطن، وتعزيز تقدمه وارتباطه بعمقه الإفريقي.”

و احتفاء بهذه المناسبة الوطنية الخالدة بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، و إبرازا لدلالاتها الوطنية و أبعادها و مقاصدها السامية و إشاعة لقيمها النبيلة في أوساط الناشئة و الأجيال الجديدة، ستنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين و أعضاء جيش التحرير، يوم الجمعة 18 نونبر 2022 على الساعة الرابعة عصراً برحاب الفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة و التحرير التابع للمندوبية السامية لقدماء المقاومين و أعضاء جيش التحرير الكائن مقرها بالحي الإداري، أكدال الرباط، مهرجانا خطابيا و ندوة علمية ستلقى خلالهما كلمات و عروض حول هذا الحدث التاريخي الخالد و الطافح بالدروس و العبر التي يتوجب استحضارها لتنوير أذهان الناشئة و الأجيال الجديدة بمضامينها و عظاتها و رسائلها النبيلة في مسيرات الحاضر و المستقبل.

و معلوم أن تنظيم برنامج هذا المهرجان الخطابي سيتم في تقيد و التزام تام بضوابط و قواعد التباعد الاجتماعي و التدابير الاحترازية و السلامة الصحية التي توصي بها التوجيهات الحكومية.

كما ستقام في سائر جهات و عمالات و أقاليم المملكة أنشطة و فعاليات بالمناسبة ستشرف عليها النيابات الجهوية و الإقليمية و المكاتب المحلية و فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة و التحرير، من ندوات و محاضرات افتراضية، عن بعد، بما فيها عرض إصدارات المندوبية السامية لقدماء المقاومين و أعضاء جيش التحرير، و كذا تنظيم زيارات افتراضية تعريفية بفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة و التحرير البالغ تعدادها 101 وحدة-فضاء في كافة جهات و عمالات و أقاليم المملكة.

الرابط : عن صفحة الفيس بوك للاخ المندوب السامي لقدماء المقاومين واعضاء جيش التحرير .

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid02AsCd52NXhEYrbdG1UK44397NPmuqULopmohbpa3D7PP9FaGhsm4ovtXbBqo31XSjl&id=100063628832255

‫شاهد أيضًا‬

تخليد معركة الهري المجيدة في ذكراها الثامنة بعد المائة

تجسيد لأروع صور الشهامة والتضحية دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية وذودا عن حمى ا…