صرح الرئيس المنتدب للسلطة القضائية في الندوة التي عقدت أخيرا بكون الذي يحدد الأجل المعقول هو ضمير القاضي وما يحدده القانون.
ويمكن أن ينظر الى هذا التصريح كجواب على النقاش الذي أثير أخيرا بخصوص المادة 45 من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة رقم 106.13. وهي المادة التي تضمنت في فقرتها الأولى مقتضى أول يعطي للمجلس الحق في تحديد آجال للبت في مختلف أنواع القضايا. وتضمنت مقتضى ثانيا ينص على أن الأجل الذي يحدده المجلس هو مجرد أجل « استرشادي « ليس له أثر على الدعوى الجارية.
إن قراءة عادية لتلك المادة تعني أنها تتعلق بقاعدة شبه دستورية لأنها منصوص عليها في قانون تنظيمي، وليس قانونا عاديا، تلزم القاضي بالإسراع بإصدار الحكم في الملفات التي كلف بها، بدون اعتبار لا لجودة تلك الأحكام ولا للنجاعة المتحدث عنها في كل حين. وهو ما يتبين بشكل واضح من أن تلك المادة لا تطلب من القاضي أي اهتمام لا بتلك الجودة ولا بتلك النجاعة.
كما يتبين من تلك المادة أنها لا تتوجه إلى الدعوى ولا لأطرافها، لأن المقتضى الثاني منها صريح في أن عدم احترام القاضي لما يسمى ب « الأجل الاسترشادي» لا أثر له على الدعوى التي يبت فيها.
والخلاصة مما أتت به تلك المادة أنها تتوجه فقط إلى القاضي الذي عليه أن يمثتل لما يسمى ب « الأجل الاسترشادي « وإلا يعتبر ذلك مخالفة ليس لتوجيهات رؤسائه بل سيصبح مخالفا للقانون التنظيمي، أي مخالفا للدستور لأن القانون التنظيمي هو قانون مكمل للدستور.
إن الصيغة التي كتبت بها تلك المادة من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة لن تؤدي إلا إلى إصدار أحكام كيفما اتفق. وبدون ما تشجع القاضي لا على الاجتهاد ولا على التدقيق ولا على البحث في القانون الواجب التطبيق ولا على التمعن في النزاع قبل البت فيه. خصوصا أمام تعقد النزاعات وتعدد المتدخلين وتعدد المدخلين وتعدد الوثائق وتقارير الخبراء.
وفي نفس الوقت يطلب من القاضي أن يدرس هذه الملفات وألا يصدر الأحكام إلا بعد طبعها وتعليلها وتضمينها مذكرات الأطراف.
لهذا فالمطلوب اليوم ليس هو إدخال تعديل في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاء لأن آجال البت ليس مجالها هذا القانون التنظيمي، بل مجالها القانون العادي أي قانون المسطرة المدني وقانون المسطرة الجنائية.
وأن هذا الرأي ليس كلاما مرسلا ولا اجتهادا متخيلا بل هو من صميم احترام قواعد الدستور الذي تكلم على الأجل المعقول. وهو الأجل الذي يفسر غالبا خارج إرادة النص الدستوري.
وبالفعل فإنه بالرجوع الى الفصل 120 من الدستور الذي يتكلم عن الأجل المعقول نجد ان الدستور نص عليه تحت عنوان واضح وهوحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة.
وأنه يتبين أن إرادة المشرع الدستوري عندما تكلم عن الأجل المعقول كانت ترمي إلى حماية مصالح المتقاضي وليس الإسراع بإصدار الأحكام.
فالأجل المعقول هو مقرر لمصلحة المتقاضي وليس لمصلحة تعدد الأحكام. وأن حق المتقاضي أن يرد على خصمه في كل ما يقدمه للمحكمة من مذكرات أو مرافعات. هو حق دستوري لا يملك لا القاضي ولا القانون أن يحرمه منه. وإلا سنكون في مخالفة واضحة لإرادة المشرع الدستوري.
لهذا فمجال تنظيم أجل إصدار الأحكام ليس هو القانون التنظيمي، وإنما هو القانون العادي أي قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية، وذلك بالنص مثلا على أن تبليغ المقال الافتتاحي مع استدعاء يجب أن يتضمن تاريخ الجواب على المقال وتاريخ التعقيب على الجواب وتاريخ الرد على التعقيب وتاريخ المرافعة إذا ما طلبها الأطراف. ويبقى للقاضي تمديد ذلك الأجل عندما يطلبه الأطراف. وأن يقع تبادل المذكرات بكتابة الضبط وعبر الرقمنة التي هي ورش يجب أن يدفع الجميع إلى الانخراط فيه.
وبهذه الطريقة سيدخل القاضي إلى الجلسة مرتين فقط، الأولى عندما يكون الملف جاهزا ويدرجه في المداولة. والثانية عندما يعين هو بكل حرية تاريخ النطق بحكمه مكتوبا. علما أن زمن المداولة يقرره القاضي بضميره، كما صرح بذلك الرئيس المنتدب للسلطة القضائية.


وللحديث بقية…

‫شاهد أيضًا‬

دستور فاتح يوليوز ، بعد 11 سنة * عبد الحميد جماهري

ورث المغرب عن زمن «الربيع العربي»، وتفرعاته، بشكل عام، دستور فاتح يوليوز2011، الذي مرت علي…