بعد الموقف الرافض والمستنكر، لا بد أن يحين وقت للحوار العميق والاستراتيجي حول مآلات المواقف البرلمانية الأوروبية وأيضا حول مقدماتها ومساراتها.
من حق العقل أن يساوره الشك الديكارتي، عندما ينتبه إلى أن أول ما استدعى دفاعهم هو الحق في الانفصال..!
العقل الذي نطالب به الأوروبيين هو عقل استراتيجي، يُفَعِّل مستلزمات حماية الشراكة الاستراتيجية، التي يعتز بها المسؤولون الأوروبيون كلما تحدثوا عن المغرب، و حمايتها من الرياح العاصفة التي يريدها البعض بديلا ومُقابِلا موضوعيا للحرب في المنطقة، وهو عقل يريد أن يشتغل وسط الإعصار، بما يليق بطرفين ناضجين.
وأول ما يجب التنبيه إليه هوأن القضية اليوم لا تقف عند قضية صحافيين معتقلين، أو معتقلين في حراكي الريف وجرادة، وإن كان يكفي أن نشير إلى أنه موضوع موجود على الأجندة الوطنية ومطالب الجمعيات والمهنيين إلخ الخ.. بل هي تاكتيك حربي متكامل الأطراف، بدأ قبل اليوم.. وآخر فصوله جرت في أكتوبر 2021..
من هنا، لا تبدأ مرحلة الشك في التحركات المناوئة للمغرب داخل البرلمان الأوروبي مع القرار المصوت عليه في منتصف الأسبوع الماضي، بل إن ظلال الشك الحقيقية، والتي تدفع المغاربة إلى المزيد من رفض الوصاية الحقوقية، بدأت سنة 2021، عندما تحركت الآلة إياها من أجل ترشيح الانفصالية سلطانة خايا لما يسمى «جائزة ساخاروف» لحقوق الإنسان، والتي يعتبرها الأوروبيون «نوبل للسلام» لديهم.
الحقيقة أن هذا النزوع نحو تكريس انفصالية تظهر في الصور حاملة للكلاشينكوف والدعوة إلى الحرب في الأقاليم الجنوبية للمغرب، هو الذي جعل المغاربة، حقا، في وضعية ريب وشك دائمين ومتلازمين!
وعليه فإن الشك المغربي، والرفض المتساوق معه، لا يقفان عند ويل للمصلين، والتي اعتمدها القرار الأخير، بل يجد أصوله في محاولة تبييض الانفصال وإعطاء الانفصاليين في شخص سلطانة خايا منصة أوروبية لا يستهان بها من أجل توسيع صوت الانفصال وجعله من أدبيات البرلمان الأوروبي.وهو هنا بمثابة مرجعية وإن لم تفصح عن ذاتها!.
وهو موقف أيديولوجي في قضية الوحدة الترابية المغربية حملته أصوات اليسار الراديكالي، وبعض تيارات الخضر، ذات الأصل الراديكالي..
فالمجموعة اليسارية كانت قد اقترحت في سنة 2021 هذه الانفصالية التي تعيش بين ظهرانينا (يا سلام على القمع المغربي) لكي تكون ضمن الثلاثية المرشحة لـ «جائزة ساخاروف»…
وعندما تمت ازاحتها تم اتهام المغرب بالنتيجة، وأضيفت إلى ذلك الرشوة!
الحكاية التي أغفلتها الدعاية المضادة للمغرب هي أن الانفصالية وصلت إلى المنافسة بالتساوي مع المعتقلة جانين انييز، الرئيسة البوليفية السابقة، والتي دعمها الحزب اليميني الراديكالي الإسباني “بوكس”، باسم المحافظين الإصلاحيين .. والغريب في هذا البرلمان الأوروبي أن التصويت الذي حسم الأمر لفائدة المرشحة البوليفية، جاءت به القوى الاشتراكية ممثلة في طونينو نيكولا، الاشتراكي الكرواتي، والبرتغالي بيدرو ماركيس، ورئيسة المجموعة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي وقتها ايراتسي غارسيا .Iratxe García.
القصة تعود إلى أكثر من سنة، وقد رواها الذين لا يحبون المغرب قبل الذين يريدون إنصافه.. وبالتالي فقد تحولت المؤسسة إلى مشتل للحراك الانفصالي ومساعديه، ومن هنا فإن قضية حقوق الإنسان لم تبدأ لسواد عيوننا، بقدر ما كانت لفائدة الانفصال، في الأصل.. وهو ما يطرح سؤال الذين يستفيدون من الجريمة؟
وهم على كل حال ليسوا زملاءنا في المهنة سواء كانوا وراء القضبان أو خارجها.. وقد تبين ذلك من خلال فقرات القرار الحالي الدي أصر على حشر المناطق الجنوبية ضمن خارطة الإدانة!!
القرارات الأوروبية في موضوع الصحراء لا تعد ولا تحصى، ولكنها في المقابل تسلط الضوء على تناقضات المرحلة: فلا توجد أي دولة أوروبية ضمن الاتحاد (27 دولة) تعترف بجمهورية الوهم في تندوف، لكن بعض المجموعات البرلمانية تتولى الملف « الحقوق» الصحراوي، كلما كان في الأفق صراع لفائدة حسابات سياسية وجيوستراتيجية.
وإذا كنا قد ألفنا وجود «آذان متواطئة» مع مطلب حقوق الإنسان المستخدمة في الصراع السياسي، فإنه مع ذلك يصعب أن نصدق السيناريو برمته في قضية القرار الأوروبي..
فكيف يعقل تصديق بعض مكونات البرلمان الأوروبي عندما يتهم المغرب أنه وراء تعيينات داخل البرلمان نفسه وداخل السجن وداخل الأروقة…
وإن كان هذا يحسب للمغرب فإنه بثير واقع القدرة على تصديق كل ما يفعله المغرب، في وقت يتفاخر أعضاء البرلمان بقدرتهم على… استصدار قرارات ضده؟!!!
لا يمكن أيضا أن نفصل ظلال الشك حسب التوقيت، بل حسب الأيادي التي تحركت، وهي أياد فرنسية مسكونة بحسابات أبعد بكثير من القضية الحقوقية
(فرنسا تمت إدانتها من طرف لجنة الأمم المتحدة في نفس اليوم تقريبا، لأنها تنكرت لفرنسيين موجودين في معسكرات سورية، نساء وأطفال تركتهم عرضة للمآسي في مراكز الاعتقال، وتتلكأ في توفير شرطها الإنساني الدافئ لكي يتحرك حنانها وخوفها على حياتهم بالأحرى حقوقهم).
إنّ نَقْل القضية من سجل القضاء الحقوقي إلى السجلين السياسي والجيوستراتيجي لن يخدم بأي حال أي شراكة مغربية أوروبية، كما لا يمكن أن يعول عليه في تحريك ملف يراد له أن يكون حقوقيا..
والحل وطني داخلي سيادي، يتفرع عن معركة استكمال المنظومة الحقوقية في بلادنا.. وعندما يتم التعامل معه بالطريقة الأقل نجاعة والأكثر استفزازا بالإدانة والوصاية والعدوان، فإن الزمن لا يكون في صالح من يطالب بإعادة النظر في قضيتهم.. وهو أمر لا تحفل به أوروبا العدائية بالتأكيد، بل تعتبره عتبة للطرح الانفصالي وإقامة الجبهة الحقوقية البديلة، التي تعد المشروع الفعلي والحقيقي وراء هذا العداء!

الكاتب : عبد الحميد جماهري – بتاريخ :الاثنين 24/يناير / 2023 .

المقال منقول عن جريدة الاتحاد الاشتراكي . / الرابط رفقته .

‫شاهد أيضًا‬

في النهاية‫:‬ إنما الأعمال الحكومية بالنيات‫! * عبد الحميد جماهري

وعلى غرار الموجة الروحية التي أشعلها فينا وليد الركراكي ‫(‬الذي شاءت الروح الخضراواتية الت…