تُعَد الإرهاصات الأوليّة للفلسفة اللاهوتيّة, مرتبطة فكريّاً بعقيدة الثالوث, جوهر اللاهوت المسيحيّ لدى الثالوثيين، وجاء الاهتمام بهذه الفلسفة, نتيجة للاكتشافات المستمرة بواسطة رجال الدين المسيحيّ للنصوص المقدسة، التي عُرضت للمناقشة وأصبح لها أطروحاتها، وصيغت آخر المطاف في “مجمع نيقيه” الأول سنة ( 325) ميلاديّة، بطريقة تتوافق مع أطروحات الكتاب  المقدس، وأعيد أخيراً تنقيحها في المجامع والكتابات اللاحقة وفقاً “لإنجيل يوحنا”. (الويكيبيديا).

     أما  الفلسفة اللاهوتيّة في الفكر الإسلاميّ, فهي أيضاً فلسفة عقيديّة, مرجعها النص المقدس (القرآن والحديث وأقول الأئمة وعلماء الكلام), تم توزعها بين تيارات فكريّة عديدة كالمعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والمتصوفة وإخوان الصفا وغيرهم.

     أما أهم سماتها وخصائصها, فهي اشتغالها على الفكر اللاهوتيّ المرتبط بالعقيدة الإسلاميّة, كوحدانية الله وقدمه ووجوده, وخلق الكون من قبله, والبعث والمعاد, وغير ذلك من مفردات الفكر اللاهوتيّ التي سنمر على بعضها في هذه الدراسة. ومن سماتها أيضا, وجود دعاة الفكر الإيمانيّ المطلق في التعامل مع هذه القضية الفلسفيّة اللاهوتيّة, وهذا ما نجده عند أصحاب التيار الجبريّ, كالأشاعرة والماتريديّة والمتصوفة الروحانيين الذين اعتمدوا على الذاتيّة والمنطق الصوريّ والحدسيّ وعلى ظاهر النص دون خصوص السبب في الوصول إلى الحقائق اللاهوتيّة, كما نجده عند دعاة الفكر العقلانيّ القائم على الشك للوصول إلى الحقائق اللاهوتيّة, كما هو الحال عند المعتزلة والقدريّة وإخوان الصفا بشكل عام, وعند الكثير من المفكرين الإسلاميين العقلانيين, كالرازي وابن رشد والكندي, وغيرهم من الفلاسفة المسلمين الذين اتخذوا العقل وأدواته كالاستنتاج والاستقراء والتجربة, سبيلاً للمعرفة والوصول إلى الحقيقة أو برهنتها. بيد أن هذين التوجهين المنهجيين كلاهما ظلا يدوران في فلك الفكر اللاهوتي المجرد, ولم يستطيعا الخروج منه بسبب قوة السلطة الحاكمة ومحاكم تفتيشها التي كانت بالمرصاد لكل فكر عقلانيّ تنويريّ يخرج عن الخطوط الاستراتيجية للعقيدة التي تريد السطلة الحاكمة ومشايخا تثبيتها في عقول الرعايا, رغم وجود بعض المحطات الزمنيّة التي ساد فيها الفكر العقلانيّ على الفكر الوثوقيّ الاستسلاميّ الجبريّ, كما هو الحال في زمن المأمون والمعتصم والواثق.

     على العموم نستطيع القول في هذا الاتجاه, لقد اتفقت كل التيارات الفكرية الفلسفيّة اللاهوتيّة  في الخطاب الإسلاميّ على وحدانيّة الله وألوهيته, واليوم الآخرة وكتبه ورسله, واختلفوا حول صفات الله, وهل الإنسان مخير أم مسير, وحول مرتكب الكبيرة أهو مؤمن أم كافر, وحول خلق القرآن, وهل لغته العربيّة توقيف أم مواضعة.. وغير ذلك. 

     إن فلسفة اللاهوت إذاً, هي أحد فروع المعرفة التي اشتغلت على الفكر اللاهوتيّ, حيث تستخدم هنا الأساليب الفلسفيّة  المثاليّة الذاتيّة والتخيليّة والاشراقيّة والحدسيّة, والمجاز اللغوي والاستنتاجات المنطقيّة الصوريّة وغيرها من أدوات معرفيّة كالمسلمات والبديهيات.. الخ, ألتي يرتكز عليها المنهج الفلسفي اللاهوتي للوصول إلى فهم أوضح للحقائق الإلهيّة, أو تأكيدها والدفاع عنها, حتى ولو اضطر حملتها بعد (تسيسها) إلى فرض محاكم للتفتيش ضد المختلف معها أو الرافض لها, كما جرى في العصور الوسطى المسيحيّة, وعند المسلمين زمن المأمون حيث حُصور دعاة النقل, وزمن المتوكل حيث حوصر دعاة العقل. هذا وقد تعرض الكثير من المفكرين في فلسفة اللاهوت إلى محن من كلا الاتجاهين, مثل محنة ابن حنبل وخلق القرآن, وكوبرنيك ومركزية الشمس, وابن رشد وربطه بين الحكمة والدين, وغيرهم الكثير حتى في عصرنا الراهن, كما جرى مع طه حسين وحامد أبي زيد وغيرهما.  

     في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, قام مفكرو حركات التنوير والتحديث والوضعيّة في أوربا بمهاجمة الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ, بعد تطور الثورة الصناعيّة وكشفها للكثير من أوهام الفكر الأسطوريّ والتخيليّ عن خلق الكون والإنسان وطبيعتهما التي قال بها اللاهوتيون في تلك المرحلة (العصور الوسطى), كتوماس الإكويني, وأوغسطينوس واللاهوتيين المدرسيين (السكولائيين) الأوائل, ومحاولاتهم تحليل وفهم مبادئ ومقولات أو نصوص الكتاب المقدس وفقاً لهذا المنهج الفلسفي اللاهوتي.(1). مع تأكيدنا بأن هذا المنهج الفلسفي اللاعقلاني في التفكير, ظل بعدهم مستمراً عند الكثير من رجال الدين المسيحيّ, والإسلاميّ معاً, وخاصة هنا في الخطاب الإسلاميّ عند ممن ظل يؤمن بفكر المعتزلة العقلانيّ أو الأشاعرة النقلي الامتثالي في تاريخنا المعاصر لشرح معتقداتهم والدفاع عن الإعلانات الإلهيّة.

     إذن إن الفلسفة اللاهوتيّة, هي شكل خاص من أشكال المعرفة الفلسفيّة التي ركزت في اشتغالها على الجوانب اللاهوتيّة الماورائيّة المتعلقة بوحدانيّة الله, وبوحدة الوجود, والقديم والمحدث, وبالموت والمعاد والحساب والعقاب, والكافر والزنديق والملحد ومرتكب الكبيرة, وهل الإنسان مسير أم مخير, وعن الملائكة والشيطان وعذاب القبر.. وغير ذلك من مفردات لاهوتيّة, تجلى فيها تسخير الفكر الفلسفيّ واستنتاجاته المنطقيّة الصوريّة والحدسيّة والبديهيات والمسلمات  لمصلحة تأكيد المفردات العقيديّة اللاهوتيّة التي جئنا عليها أعلاه. أو تسخير العقل لإثبات ما تقره الكتب المقدسة كما فعل الأشاعرة, وليس الحكم عليه والبحث عن دلالاته الواقعيّة والمنطقيّة النقديّة . لأن المفكرين الذين اشتغلوا على هذه الفلسفة تاريخيّاً ولم يزالوا يشتغلون عليها, لم يتطلعوا إلى البحث عن الحقيقة المرتبطة بالقوانين الموضوعيّة التي تتحكم بآليّة عمل الطبيعة والإنسان, (أي سنن الكون), وكذلك بالإنسان وقدراته على تحقيق مصيره, بل تطلعوا دائماً إلى البحث عن وسائل خارج حركة التاريخ والواقع المعيوش للبرهان على صحة العقائد الدينيّة كما بينا قبل قليل. فقضايا الفكر عندهم لم تهتم ببحث المسائل المطروحة على حياة الناس المعيوشة في كل تناقضاتها وصراعاتها, بل زجت في إطار البحث عن ما هو مفارق للواقع ممثلاً بقضايا اللاهوت التي أشرنا إليها, وهي قضايا لا يعلم بها إلا الله. لذلك كان لا بد لهذه الفلسفة في تاريخنا الحديث والمعاصر أن تسير على دروب الانحطاط, أمام وجود الظروف التي بدأ فيها العلم يعزز مواقعه ويتحول إلى ميدان للبحث المستقل, كون مهمته بسط سيطرة الإنسان على الطبيعة, وجعل الحياة الإنسانيّة عليها أكثر رونقاً وجمالاً. مع تأكيدنا على تلك المحاولات البائسة التي حاولت ولم تزل تحاول ربط وتفسير العديد من الاكتشافات العلميّة بالنص المقدس, على انها موجودة بشكل مسبق في هذا النص وجاء الوقت لاكتشافها. متناسين أن النص الديني نص عقديّ وأخلاقيّ في بنيته وليس نصاً علميّا, وهم بهذا الربط يسيئون للدين نفسه, على اعتبار أن الكثير من الحقائق العلميّة التي اكتشفت تبين من قبل البحث العلمي ذاته عدم صحة بعضها, أو هي بحاجة للتعديل والاضافة.

     إن الفلسفة في جوهرها الواقعيّ وفي حقيقة أمرها, ثورة جبارة, لكنها لا تصبح ثورة فعليّة إلا إذا كانت عقلانيّة نقدية تستند إلى معرفة الأسباب الحقيقيّة الكامنة وراء الظواهر كما يقول “فرنسيس بيكون”. وهي تحقق في هذه الحالة هدفين. الأول: جني منافع مباشرة للإنسان ماديّة وروحيّة. والثاني: تحقيق معرفة تهدف إلى كشف القوانين التي تتحكم في سيرورة وصيرورة الطبيعة والمجتمع وتسخيرها لمصلحة الإنسان. وعلى أساس معرفتها يتم نقد الأيديولوجيات المدرسيّة/ اللاهوتيّة والميتافيزيقيّة, والشك بكل ما هو مجرد لم تثبت التجربة أو البرهان صحته. والشك يأتي هنا وسيلة لاستكشاف آفاق الطريق المؤديّة إلى الحقيقة, أي إن الشك هنا ليس ريبياً, بل شك  نابع من الايمان بالوصول إلى الحقيقة. ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَ ٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِی كَیۡفَ تُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّیَطۡمَىِٕنَّ قَلۡبِیۖ..). البقرة 260.

     إن من أخطر نتائج المعرفة الإنسانيّة, هي المعرفة التي تعتمد على الاستنتاجات المنطقيّة الصوريّة والحدسيّة والعاطفيّة والذاتيّة والتخيلية المجردة لتقديم البراهين. فللظواهر عالمها الجوهريّ والشكلانيّ معاً. وبالتالي فإن التقويم المتسرع والذاتي للمعرفة التي تقوم على أحكام ومفاهيم تلك الاستنتاجات الصوريّة المجردة, لا يمكن الاطمئنان لها أو الاعتماد عليها كليّاً, لذلك فإن الشرط الأول لاكتساب المعرفة الحقيقيّة, هو استخدام التجريب والتحليل والتركيب والاستقراء والاستنتاج وأخيراً البرهان. من هنا تأتي الدعوة مشروعة من أجل تنظيف المعرفة والعلم معاً من الأوهام العالقة بها. هذا ويعتبر للتكنولوجيا ومناهج البحث العلميّ والنظريات المتعلقة في دراسة الفرد والمجتمع والطبيعة, وخاصة نظريات علم الاجتماع وفلسفة الطبيعة, وموقعها الكبير والمتميز من حيث استخدامها كوسائل في زيادة قدرتنا على الإدراك واكتمال الفكر الإنسانيّ ذاته وتجاوز أوهامه. أي هي من الوسائل التي تزيد أو تغني التجربة الإنسانيّة, من خلال تعامل الإنسان مع ظواهر الطبيعة والمجتمع, وهي التي تدفع بالعلم دائماً إلى الأمام, والاجابة على الأسئلة المطروحة من قبل الإنسان ذاته أمام واقعه بكل مفرداته الطبيعّة والاجتماعيّة. وخاصة تلك الأسئلة التحريضية التي تعتمد على كيف قامت هذه الظاهرة, ومتى وأين ولماذا قامت؟.  

      ملاك القول:

     إن الفلسفة  أو المعرفة اللاهوتيّة, تعتبر معرفة منهجية كون لها أدواتها المعرفيّة القائمة على الاستنتاجات المرتبطة بالذاتيّة والحدسيّة والمنطق الصوريّ والمسلمات والبديهيات وكل وسائل المعرفة المجردة عن الواقع العيانيّ الملموس وعن العلم ونتائج بحوثه، لأنها تشرح أصل العالم ومعناه وغرضه ومستقبله انطلاقا من فكرة أنه مخلوق لله فقط. بيد أنها معرفة لا يمكن التحقق من نتائج بحثها أو الركون إليها، لأن الأدلة المقدمة غير قابلة للتحقق الملموس بأي حال من الأحوال, (كعذاب القبر على سبيل المثال لا الحصر) . وأخيرًا  إنها معرفة عقائديّة، لأن المؤمنين يحتاجون إلى الإيمان المطلق لتحقيق القبول بها. بالإضافة إلى ذلك، فهي في المحصلة تحوز على معارفها من خلال نصوص الكتب مقدسة المختلفة، مثل القرآن أو التوراة أو الكتاب المقدس.. وما قال به الأنبياء والرسل وما فسره وأوله الصحابة ومشايخ الدين وأصحاب الطرق الصوفيّة, وصولاً إلى تابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين. 

      على العموم نستطيع القول أخيراً: إن المهمة الأساس للمعرفة, وفي مقدمتها المعرفة الفلسفيّة العقلانيّة النقديّة, تقوم على البحث عن علل الظواهر المحيطة بنا, أو التي ننشط ونكدح في مضمارها لتحقيق حاجاتنا الماديّة والروحيّة, وبالتالي تأمين رفاهيتنا وسعادتنا ومد سلطاننا عليها وتسخير قواها لمصالحنا.

كاتب وباحث من سوريّة

د. عدنان عويّد

ـــــــــــــــــــــــ

  1-  راجع موقع : https://www.gotquestions.org/img/logo_white. svg.

المدرسيّة أو المكتبيّة أو السكولاستية: (وتُكتب السكولائية، أو فلسفة المدرسة، تطلق عادةً على مدرسة فلسفيّة سادت في أوروبا في العصور الوسطى، وكانت تستخدم منهجًا نقديّاً في التحليل الفلسفيّ، بناءً على نموذج مسيحي ألوهي ؛ وهو المنهج الذي كان مسيطرًا على التدريس في العصور الوسطى ..

‫شاهد أيضًا‬

التيار الجبري من السلف إلى الخلف* د. عدنان عويّد

     إن من يتابع الحراك الديني على المستوى الشعبي والرسمي/ الدولتي وال…