في المفهوم:

     ينصرف مفهوم التنوير من حيث المبدأ برأيي, إلى ضرورة اعتبار أن العقل الإنساني وحريّة الإرادة الإنسانيّة, هما المنطلق أو المصدر الرئيس لكل النشاط الفكري والعملي لحياة الإنسان, وبالتالي تأكيد ذات الإنسان واستقلاليتها, هذا إضافة إلى ضرورة الإقرار أيضا, بأن الظواهر بعمومها الطبيعيّة والاجتماعيّة المحيطة بالإنسان أو التي ينشط فيها لإنتاج خيراته الماديّة والفكريّة, هي ظواهر لا تقوم على الثبات والإطلاق, بل تقوم على الحركة والنسبية.

     والتنوير وفقا لهذا المعطى, موقفا إشكاليّاً من حيث تحديد بدايته الزمانيّة والمكانيّة, وبالتالي تحديد مصدره الحضاري, بالرغم من كونه كشروع حضاري قد نمى وترعرع وتبلور في الغرب, وشكل فيما بعد أحد المكونات أو المقومات الرئيسة للحضارة الغربيّة في شقيها المادي والفكري معا .

     من هذه المعطيات الأوليّة يمكننا القول: إن إرهاصات التنوير الفكريّة الأوليّة نجدها في الشرق, مثلما نجدها في الغرب أيضا, غير أن القطع الحضاري الذي حصل في السياق العام لسيرورة وصيرورة تاريخ شعوب الشرق استطاع أن يشكل فواصل واضحة المعالم ما بين معطيات حضارتي الشرق والغرب الفكريّة والعمليّة معا, ونظرا للظروف التاريخيّة الكثيرة التي منحت الغرب استقراره, ثم نموه وتطوره, فقد أعطي لحضارة الغرب بناء على هذا النمو والتطور سبقاً حضارياً كبيراً على  حضارة الشرق لازلنا نعيشه حتى هذا التاريخ, بالرغم من إيماننا بمسألة التلاقح الحضاري الذي تم بين الشرق والغرب عبر تاريخ التفاعل والصراع بين الحضارتين. لذلك بالعودة إلى بواكير الفكر العربي قبل الميلاد, نجد في الحقيقة ما يؤكد على أن الشرق قدم بعض البدايات الفكريّة التنويريّة, وهذا ما نجده مثلا في ملحمة “جلجاميش”, وهو الذي تعب من البحث عن سر الخلود ولم يحققه, فلجأ بعد عجزه إلى ” نوتابتشم” يشكو همه, فرد عليه ” نوتابتشم” قائلا :

      متى بنينا بيتا يقوم إلى الأبد ؟ .

     متى ختمنا عقدا يقوم إلى الأبد؟.

     لم يكن هناك دوام وخلود منذ القدم !. (1).

    كما نجد مثل هذه البدايات التنويريّة في الوقت ذاته في الحضارة الغربية, وفي فترة ما قبل الميلاد أيضا, فهذا هيراقليطس يقول : ( كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة .) .

      عبر كل هذه المقولات وغيرها الكثير, نجد إشارات فكريّة عقلانيّة واضحة كل الوضوح قد تضمنتها هذه المقولات, وما يؤكد تلك  الملامح الفكريّة التنويريّة في هذه المقولات, هو ذاك التوجه العقلاني فيها الذي يؤكد على وعي الإنسان لواقعه عبر تجربته ومحاكمته العقليّة وتعامله مع المحيط المادي والفكري الذي أوجده بنفسه بعيدا عن أي اتكاء على فكر ديني, أو امتثال لقوى خارج نطاق وعي ومعرفة الإنسان بمحيطه وتجربته الحياتيّة الخالصة .

     أما في القرون الوسطى فقد وجد في الشرق الكثير من الفلاسفة العقلانيين التنويريين ويأتي على رأسهم ” ابن رشد” و”ابن حزم” , والفارابي, والكندي, وابن خلدون, مثلما وجد في الغرب توماس “الايكويني” و” المدرسيين”, الذين تأثروا بفلسفة ” ابن رشد”, وهؤلاء جميعا وقفوا ضد القوانين والنصوص الجامدة في الفكر الديني, إيمانا منهم بالحركة والتطور ودور العقل الطبيعي لدى الإنسان.(2).  وفيما بعد جاءت الحركة الإنسيّة في أوربا التي جعلت الإيمان بالله قائماً على العقل الذي يدفع بدوره إلى ضرورة الإيمان بأهم خلق الله, وهو الإنسان وقدرته المبدعة على تشكيل هذه الحياة وإعمارها. وهذا الموقف للحركة الإنسيّة شكل فيما بعد فكريّا وعمليّا, حالة القطع مع الحضارة الشرقيّة من جهة, ووضع الأسس الثابتة لعصر التنوير في أوربا, الذي تبلور تماما مع القرن الثامن عشر الذي عرف بعصر التنوير من جهة ثانية .

عموما, لقد اشتمل مشروع التنوير في أوربا وفي إطاره العام على مجمل مفردات ما سمي بالحداثة والعقلانيّة والعلمانيّة والمجتمع المدني. أو بتعبير أخر, نستطيع القول: لقد خرج من عباءة التنوير الأوربي كل تلك الرؤى والمواقف الفكريّة والسياسيّة ممثلة, بالحريّة والعدالة والمساوة ودولة القانون والمواطنة والحق الطبيعي والدستور وحق الانتخاب والترشيح وتحرير المرأة والتعليم وسيادة واستقلال العقل والإيمان بالسببيّة والتجريبيّة والحسيّة وحرية الإرادة ورفض الوساطة الكهنوتية بين الله والإنسان وتأكيد الفردانيّة, وغير ذلك من رؤى وأفكار وقوانين راحت تعبر عن طموحات تلك القوى الاجتماعيّة المقهورة التي خضعت مئات السنين للسلطة الاستبداديّة التقليديّة, ممثلة بسلطة (النبلاء والكنيسة والملك). والتي أفرزتها – أي الرؤى والأفكار – تلك التحولات التاريخيّة العميقة التي انتابت أوربا منذ بدء انطلاقة الثورة الصناعيّة في القرن السابع عشر, هذه الثورة التي تمثلت بتطور الصناعة المانيفاكتوريّة وتحسن التجارة, وحصول حراك اجتماعي في بنية المجتمع الأوربي, مثله الفلاحون اللذين راحوا يهجرون الأرض ليلتحقوا بالمدينة وصناعاتها, الأمر الذي ساعد على تشكل الثروة المنقولة على حساب الثروة الثابتة (الأرض), وبالتالي تشكل طبقتي العمال والرأسماليّة, اللتين راحتا تنافسان القوى الاجتماعيّة التقليديّة ( النبلاء ورجال الدين والملك ) على السلطة والمكانة الاجتماعيّة, هذه المنافسة التي توجت بثورات اجتماعية عديدة كان أهمها ( الثورة الفرنسيّة), التي مثلت عمليا انتصار الطبقة البرجوازيّة وحليفتها الطبقة الرابعة (العماليّة) على السلطة الاستبدادية ودحر القوى التقليدية, منتجة بذلك مرحلة تاريخيّة جديدة هي المرحلة الرأسماليّة التي لم تزل قائمة حتى هذا التاريخ.

      بيد أن الملفت للنظر هو أن هذه الرؤى والأفكار التنويريّة لم تستطع أن تصمد عمليّا أمام مصالح الطبقة الرأسماليّة الضيقة والأنانيّة, هذه الطبقة التي راحت تفرغ هذه الرؤى والمواقف التنويريّة من مضامينها العمليّة, لتدفع بها باتجاه الشعاريّة, وبما يخدم مصالحها هي فقط دون النظر إلى مصالح القوى الاجتماعيّة المسحوقة التي زاد سحقها وقهرها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي واغترابها وتشيؤها واستلابها أكثر بكثير مما كانت عليه في المراحل التاريخيّة السابقة للرأسماليّة.

    على العموم, لقد قلنا قي موقع سابق, إن ما قدمته الحركة الإنسيّة ثم عصر التنوير في أوربا من رؤى وأفكار تنويريّة, ومبادئ وتطبيقات عمليّة نهضويّة في مجال الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة, ساهم في خلق حالة من القطع المعرفي والعملي معا بين حضارتي الشرق والغرب, كان من أهم نتائجه, هو تمايز الحضارة الغربيّة فيما بعد عن الشرقيّة,  وكانت أهم ملامح هذا التمايز هي :

      في الجانب الثقافي (الفلسفي): كانت دعوة إلى العقلانيّة والوضعيّة. وفي الجانب السياسي: كانت دعوة إلى الديمقراطيّة والسلطة الدستوريّة ودولة القانون. وفي الجانب الاقتصادي: كانت دعوة إلى الحريّة الاقتصاديّة ومبدأ المنافسة الحرة. وفي الجانب الأخلاقي: كانت دعوة إلى التركيز على الفرد والمنفعة الدنيويّة. أو بتعبير آخر, إن ما امتاز به الغرب عن الشرق هو العمل على دعوة الفرد كي يأخذ مصيره بيده, ويتسلط على قدره بدلا من تسلط قدره عليه, أي أن يقوم بانتزاع الخير من الطبيعة, وإخضاع هذه الطبيعة لمشيئته من أجل تحقيق حريته وسعادته.

     إذا كانت هذه هي معطيات التنوير في الغرب , فما هي  إذن معطياته وتجلياته في الشرق عموما ومنه وطننا العربي على وجه الخصوص ؟.

معطيات وتجليات التنوير في عالمنا العربي:  

     يبدو أن سؤال النهضة والتنوير في وطننا العربي لم يزل هو ذاته السؤال الذي طرحه “الطهطاوي” عام /1834/ في كتابه (تخليص الإبريز..), وهو ذاته السؤال الذي طرحته مجلة (الجنان) عام/1870/ (من نحن ؟), أو “سليم البستاني” ( لماذا نحن في تأخر؟) , وكذلك أسئلة كل من ” أديب اسحق – الأفغاني – محمد عبده – رشيد رضا – قاسم أمين – شبلي شميل – أنطون فرح – ألقاسمي – الريحاني – رفيق العظم – سلامة موسى – التيزيني – الجابري – العروي – ياسين الحافظ , وغيرهم الكثير من المفكرين العرب, منذ بداية القرن التاسع عشر وصولا إلى بداية القرن الواحد والعشرين.

     نقول : إذا كانت أسئلة النهضة والتنوير ظلت هي ذاتها تُطرح منذ أن بدأ العرب عبر كتابهم ومفكريهم يحسون بحالات التخلف المزري الذي يعيشونه, مقارنة بالغرب الذي أخذوا يلمسون حالات تطوره وتقدمه عبر مشاهداتهم المباشرة واطلاعهم على أدبياته الفلسفيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة, فإن الإجابات عن هذه الأسئلة كانت مختلفة ومتفاوتة في طبيعتها وإدراكها لعمق أزمة التخلف التي تعيشها أمتنا العربيّة عند هذا الكاتب أو المفكر أو ذاك. وعلى الرغم من أن طبيعة الإجابة وتحديد مكامن الأزمة, قد ارتبطت بالمواقف الفكريّة أو الأيديولوجيّة للكتاب العرب ومفكريهم الذين انقسموا ما بين أصولي ديني متطرف, وجد العلة في الابتعاد عن الأصول الدينيّة, والرافض في الوقت نفسه لأي انفتاح على الغرب الكافر حسب رأيه. أو رجل دين معتدل آمن بضرورة الوقوف عند معطيات الحضارة الغربيّة والأخذ منها ما هو نافع لهذه الأمّة وغير ضار بدينها وأخلاقها. وبين كاتب ومفكر علماني آمن بالفكر القومي واليساري وضرورة الانفتاح على الآخر والاستفادة من تجاربه فيما يخدم نهضة هذه الأمة وتقدمها.

     نقول: بالرغم من هذا التفاوت بين حضارة الشرق والغرب, إلا أن هناك قناعة مشتركة لدى الكثير منهم بأن هذه الأمّة مأزومة بتخلفها الشمولي, هذا التخلف الذي عبر عن جانبه الفكري والاجتماعي والسياسي الشيخ “رشيد رضا” عام /1898/ بقوله : ( .. حتى أصبح الجبر توحيدا, وإنكار الأسباب إيمانا, وترك الأعمال المفيدة توكلا, ومعرفة الحقائق كفرا وإلحادا, وإبداء المخالفة في المبدأ دينا, والجهل بالفنون والتسليم بالخرافة صلاحا, واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية, والذل والمهانة تواضعا, والخنوع للذل والاستسلام للظلم رضا وتسليما, والتقليد الأعمى لكل متقدم علما وايقانا. ). (3). أما عن جانبه الاقتصادي فقد عبر عنه المفكر النهضوي “فتحي زغلول” عام/ 1899/ بقوله ” : (.. نحن ضعفاء في كل شيء تقوم به حياة الأمم, متأخرون في كل شيء عليه مدار السعادة.. ضعفاء ي الزراعة, ضعفاء ي الصناعة, وليس منا إلا الفعلة والعتالون ومنفذو إرادة الأجنبي, ليبقى هو, ونموت نحن ليحيى, هذه المعامل الفسيحة والمصانع العظيمة التي أقيمت بين بيوتنا كلها للأجنبي.. – ثم يتابع – نحن ضعفاء في التجارة, ضعفاء في العلم, اللهم إلا علم مداره جهل حقائق الأشياء في الوجود, أما المفيد فيه فقد اقتصرنا على ما يختص بعلاقة الإنسان بربه, والباقي حكمنا عليه كله بالإعدام . ). (4).

      هذا في الوقت الذي أبصر فيه الكثير من هؤلاء الكتاب والمفكرين النهضويين العرب الأسباب الحقيقية الكامنة وراء أزمة التخلف هذه, فكانوا بدورهم يقترحون الحلول المناسبة لتجاوزها, ولكن كلاً من موقعه الفكري والطبقي ودرجة ونوعيّة ومرجعيّة ثقافته. الأمر الذي جعلنا نعمل على اصطياد هذه الأسباب والحلول اصطيادا في تلك المواقف الفكريّة النهضويّة التنويريّة التي جاءت متفرقة هنا وهناك عند هؤلاء الكتاب لنصل إلى نتيجة في هذا السياق تشير, إلى أن أهم أسباب الأزمة مجتمعة هي : التخلف الاقتصادي عموما – زراعة وصناعة وتجارة- لا سيما سيادة أنموذج الاقتصاد الريعي والأبوي, وضعف التطور التكنولوجي والعلمي, وغياب الأنظمة الدستوريّة ودولة القانون, وسيادة الطبيعة الاستبداديّة لأنظمة الحكم القائمة على مفاهيم “الدولة المملوكيّة”, والأميريّة الإقطاعيّة العسكريّة ومرجعياتها التقليديّة – العشيرة والقبيلة والطائفة –, إضافة لسيطرة الغرب بشكل مباشر أوغير مباشر على الأنظمة السياسيّة العربيّة ومقدرات الشعوب وربطها بالمتروبول, وعدم امتلاك هذه الأمّة للكثير من العلوم البرانيّة التي يقوم عليها مدار حياة الأمم على حد تعبير” الطهطاوي”, وقد حددها آنذاك بـ/14/ علما نذكر منها,علوم التربية والحقوق الطبيعيّة والوضعيّة والعلوم العسكريّة وعلم الميكانيك وعلم الكيمياء..الخ, وهناك أيضا غياب القوى الاجتماعية الواعية لذاتها المناط بها العبء النهضوي والتنويري (الطبقة الواعية لذاتها), واقتصار هذا العبء على شرائح الانتلجنسيا التي غالبا ما دخلت وتدخل في حالات صراع مع السلطات السياسيّة القائمة, وهناك غياب دور المرأة واضطهادها تحت ظل سيادة المجتمع الذكوري, وانتشار الأميّة بكل دلالاتها ويأتي على رأسها أميّة الحرف, وغياب الحريات في كل اتجاهاتها بدءا من حريّة الرأي, مرورا بالحريّة السياسيّة وصولا إلى الحريات الإبداعيّة في الأدب والفن, وغياب التفكير العقلاني والنسبي, وانتشار التفكير الجبري ولامتثالي والاطلاقي, إضافة إلى انتشار الفقر والظلم والاستبداد, وغياب الرأي والرأي الآخر ومقومات الحوار الإبداعي المثمر, وغير ذلك الكثير من الرؤى والأفكار التي حددت معوقات التنوير والنهضة العربيّة .

     أمام هذه المعطيات التي حددت أساب أزمة التخلف العربي, نجد في المقابل تلك الرؤى والأفكار النهضوية التنويرية التي راحت تطرحها النخب المثقفة ذاتها من كتاب ومفكرين عرب, وفي الفترة ذاتها أيضا كما أشرنا في موقع سابق, والتي نستطيع تحديد أهمها بالتالي :  

     الدعوة إلى تطبيق شعارات الحريّة والعدالة والمساواة, ووضع دساتير وضعيّة للبلاد تتناسب وتطلعات الشعوب في تحقيق حالة المواطنة, والتخلص من الأميّة, وتعميم المدارس لنشر التربية والتعليم بين أفراد الشعب, إضافة إلى تطوير الاقتصاد من خلال تنمية الزراعة والصناعة والتجارة, والمطالبة بحريّة الرأي والصحافة, والتأكيد على حريّة المرأة ومساواتها بالرجل, ومحاربة الاستعمار بكل أشكاله وأساليبه, والدعوة إلى العلمانيّة والحد من نفوذ القوى التقليديّة في المجتمع العربي من عشائريّة وطائفيّة وقبليّة ومذهبيّة, ونشر وتعميق الممارسة الديموقراطيّة السياسيّة والاجتماعيّة, والتصدي للفكر الرجعي ولامتثالي بكل أشكاله وأصوله, والعمل على نشر وتعميق الفكر العقلاني والعلماني, والتمسك بالقيم الدينيّة العقلانيّة السمحة, وكذلك الدعوة إلى الوحدة العربيّة ومحاربة التجزئة والاستغلال الاجتماعي والاقتصادي وتطبيق العدالة, وغير ذلك من القضايا التي شكلت المعطيات الفكريّة للمشروع التنويري النهضوي العربي.

     على العموم, إذا كانت هذه هي معطيات التنوير في الفكر العربي ممثلة في حواملها الاجتماعيّة النخبويّة وشعاراتها أو رؤاها وأفكارها, وبالتالي ظروفها الموضوعيّة, فإن إشكالاتها تكمن كما يبدو لنا في طبيعة هذه المعطيات ذاتها, وبخاصة على مستوى حواملها الاجتماعيّة, التي لم تستطع أن تقدم مشروعاً فكريّاً متكاملاً ومتجانساً بل ومنسجماً مع ذاته ومع الظروف الموضوعيّة المحيطة بهذا الحامل, كون هذه الحوامل لم تنشأ عن خلفية أيديولوجية أو عقيدة أو ولاءات سياسيّة وطبقية واحدة, أو حتى تحقيق تصور منسجم تجاه جملة الظروف التي كانت ولم تزل تعيشها البلاد العربيّة.

     إن فقدان هذا الانسجام في التصور والهدف والعقيدة الفكريّة والطبقيّة لدى هذه الحوامل الاجتماعيّة, جعلها في واقع أمرها تلهث وراء الحدث السياسي, وبالتالي التقلب في رؤاها ومواقفها الفكريّة بما يتفق وطبيعة هذا الحدث السياسي القائم أو ذاك, لذلك غالبا ما نجدها تميل تارة إلى العقلانيّة والعلمانيّة في حالات الانفراج السياسي وتطبيق الدستور من قبل السلطات القائمة, و نجدها تارة أخرى تميل إلى القوميّة والوطنيّة في حالة المد القومي, أو تميل إلى النزعة العثمانية / التركية عندما تفرض سياسة التتريك, أوهي مع الاستبداد المستنير في حال سيادة الحكم المطلق, وغير ذلك. هذا ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى مسألة مهمة بالنسبة للفكر التنويري النهضوي العربي, التي تشكل أيضا أحد إشكالات هذا الفكر ولم تزل, وهي أن معظم هذه الأفكار التنويريّة لم تكن نتاجا طبيعيّاً للواقع العربي, وإنما هي في معظمها رؤى وأفكار التنوير الغربي التي تأثر بها الكتاب والمتنورون العرب الذين درسوا في الغرب, وعملوا على نقل وترجمة  قسم كبير منها بشكل ميكانيكي إلى الساحة الثقافيّة والسياسيّة العربيّة, لذلك ظل في الواقع قسم كبير منها مفارقا لظروف الواقع العربي الموضوعيّة والذاتيّة معا, الأمر الذي يجعلنا نجد أن قسماً كبيراً من هذه الرؤى والأفكار الذي طُرح منذ بداية القرن التاسع عشر, لم يزل هو ذاته يُطرح حتى هذا التاريخ من القرن الواحد والعشرين, وهذا بالذات ما طبع المشروع التنويري النهضوي العربي بطابع الشكلانيّة, وَحَوَلَ الكثير من شعاراته العقلانيّة إلى شعارات وصفية لا أكثر.

كاتب وباحث من سوريّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- عويد . عدنان – (التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب). إصدار دار التكوين – دمشق – 2011.   ص6 .

2- الافـكار والمفـكرون في فـترة العصور الوسطى  – المرجع الالكتروني للمعلوماتية –https://almerja.com › readin

3- المصدر ذاته – ص11.

4- المصدر ذاته – ص12       

لاستزادة في هذه الدراسة, يراجع كتابنا: (التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب). إصدار دار التكوين – دمشق – 2011.          

‫شاهد أيضًا‬

عندما تكون الفلسفة منهجاً علميّاً في التفكير. * د. عدنان عويّد

     الفلسفة في سياقها العام, هي قسم من الثقافة الروحيّة للبشريّة, وشك…