مكن اليوسفي البلاد باستحقاق من فرص المرور إلى تنمية الديمقراطية بعدما لم يكن أحد، سواء في الداخل أو الخارج، ينتظر منها أن تحقق ذلك. انتخابات 27 شتنبر 2002 كانت منعطفا حقيقيا لترسيخ ارتباط السياسة بالتنمية. لقد كانت قائمة على التزام ثابت وقوي وعلى رهان تجاوز التوافق بعدما تعدى ذاته ومرتكزات وجوده. هذا الأخير كان قويا بين الطرفين اللذين اقتسما بشكل من الأشكال الشرعية الوطنية التاريخية في مغرب ما بعد الاستقلال.

أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1960 وتم توقيف جهود تحرير الاقتصاد الوطني، وعين السيد إدريس جطو رئيسا للحكومة سنة 2002، وبقي سؤال المآل المرغوب سياسيا مطروحا إلى اليوم. المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 في هذا المسار السياسي الزاخر بالأحداث كان محطة محورية. بعدما قاوم الوطنيون من أجل الاستقلال وعودة الملك محمد الخامس إلى عرشه، كان إقرار استراتيجية النضال الديمقراطي، عكس ما حدث آنذاك بمجتمعات الجوار المغاربي والعربي، بمثابة تعاقد واضح ورسمي من أجل العمل على تقوية النظام الملكي المغربي إقليميا وجهويا وإفريقيا بخيار الديمقراطية السياسية وتوطيد الإجماع الوطني للدفاع على الوحدة الترابية للمملكة.

المعركة اليوم من أجل بناء اقتصاد وطني حر وتثبيت الاستقلال الكلي للوطن صعبة وشرسة للغاية. عرقل طموح تشييد المغرب العربي مبكرا وأجهض التعاون والتضامن في شمال إفريقيا. عطلت وعسرت “القوة الثالثة” مراحل الانتقال الديمقراطي لمدة تجاوزت أربعة عقود، وعجلت من تفاقم الأوضاع العامة وتدهورها إلى أن تم التعبير الملكي عن ذلك بكون “المغرب مهدد بالسكتة القلبية”.

خاطر حزب الزعيم بحجم وطن ولبى نداء الإيمان بالمستقبل، وتجاوب بصدق شديد وبدون حسابات سياسية مع تشبث ملك البلاد بإحداث التغيير منتصرا لمستقبل الشعب المغربي، وكان السند الشعبي للتجربة واضحا.

ترشح اليوسفي مرة واحدة في الانتخابات البرلمانية في حياته. لم يستحضر يوما ذاته. لم يسبق له يوما أن مرر إشارة انتهازية ولم يتبادل قط رسائل تواطئية مع أي جهة أخرى داخلية وخارجية. لم يفز وبقي متشبثا بالإرادة الشعبية كمصدر للشرعية الانتخابية. قرر منذ ذلك الحين عدم الترشح مرة أخرى.

عاد متفائلا. قاد مرحلة تواصل مكثفة طامحا الوصول إلى توافق صادق بنفس المنطلقات والمخرجات. تزعم الجهاز التنفيذي. نجح في إنقاذ البلاد من السكتة القلبية. عاش وضعية تنظيمية مؤرقة. امتعض من الخروج عن المنهجية الديمقراطية. تطورات الانتخابات الجماعية لسنة 2003 أرغمته على مغادرة سفينة العمل السياسي التي تقل مغربا آخر. تساءل في مذكراته كما حكاها للأستاذ بودرقة : أين نسير؟ مذكرا المغاربة بتفاصيل عرض محاضرته الشاملة ببروكسيل سنة 2003.

جوابا على سؤال لجريدة “العربي الجديد” يوم 11 أبريل 2015 قال اليوسفي: “شباب المغرب اليوم موضع اعتزاز، لأنهم يقبلون على العلم والثقافة بنهم وانفتاح، فقد باتت لدينا ثروة شبابية كبيرة، والشباب يحتلون مواقع هامة في البلاد. يؤدي الشباب دوراً ثقافياً واقتصادياً متميزاً، وتُشكّل مصدر قوة المغرب. وأملنا أن يعي هؤلاء الشباب مسؤولياتهم تجاه بلدهم وينفتحوا على العهد الجديد، وأن يقوموا بتجديد المغرب، لا سيما أن مكونات الشباب اليوم لا تقتصر على الرجال لوحدهم، بل تشمل النساء أيضاً. فالمرأة المغربية باتت ذات شأن وهي حاضرة بقوة في كافة الميادين، لذا نعوّل كثيراً على شبابنا”.

لقد ذكر اليوسفي في نفس الحوار بدعوته للمغاربة وهو رئيس لحكومة التناوب إلى عدم تفويت فرصة وجود ملك شاب في حكم البلد. وأضاف: “واليوم بعد قرابة 16 عاماً أقول أن رؤيتي كانت في محلها، ولم يخب ظني، فالملك الشاب كان عند حسن تقدير الشباب المغربي، وتفهّم مشاكلهم على نحو جيد، وبالقدر نفسه على مستوى طموحات المغاربة جميعاً، بدليل أن المراقبين يلاحظون اليوم أن المغرب بلد متوازن ويسير في الاتجاه الصحيح”.

‫شاهد أيضًا‬

اليسار بين الممكن العالمي والحاجة المغربية * لحسن العسبي

أعادت نتائج الانتخابات البرلمانية الإنجليزية والفرنسية هذه الأيام (التي سجلت عودة قوية للت…