غالباً ما يتبادر إلى ذهننا عندما نقرأ أو نسمع مصطلح ” الصراع الطبقي, أنه يرتبط مباشرة في البعد السياسي, دون أن ندرك أبعاده الأخرى, الاجتماعيّة والفنيّة والأدبيّة والقيميّة والجماليّة وغير ذلك. وهذا ما يشكل نقصاً معرفيّاً لهذا المفهوم عندنا. ومن هذا المنطلق المعرفي, تأتي رؤيتنا الفلسفيّة لهذا المفهوم, محاولين تبيان هذه الأبعاد بشكل أولي آملين تحقيق الفائدة المرجوة من ذلك.

أولاً: مفهوم الطبقة:

     نظراً للتغير الحاصل والمستمر في البنية الطبقيّة للمجتمعات تاريخيّاً, انطلاقا من المرحلة العبوديّة مروراً بالإقطاعيّة والرأسماليّةّ والاشتراكيّة, وبالدول المتعددة الأنماط الإنتاجيّة, وصولاً إلى المرحلة الرأسماليّة المتوحشة في النظام العالمي الجديد,  يظل مفهوم الطبقة برأي أمراً على درجة عالية من الصعوبة وإشكاليّة التحديد معا.  ومع ذلك يمكننا أن  نحدد مفهوم الطبقة في السياق العام بقولنا:  بأن مفهوم الطبقة, ينطوي على مجموعة من الأفراد داخل مجتمع ما, يتشاركون بمصالح ماديّة ومعنويّة ذات معالم واضحة إلى حد كبير من الناحية الاقتصاديّة والاجتماعيّة (ملكيّة وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج) والثقافيّة والسياسيّة وحتى القيميّة. هذا إضافة إلى تكوّن مجموعة من الميول والاهتمامات التي تختلف عند كل طبقة عن ميول واهتمامات الطبقات الأخرى في المجتمع، وهذا ما يخلق تضاداً جوهريّاً بين تلك الجماعات أو الطبقات على كافة المستويات الحياتيّة.

     وبناء على ذلك  ظل موضوع الطبقات إشكاليّاً كما قلنا بالنسبة للدراسات والتحليلات عند علماء الاجتماع وعلماء السياسة وعلماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين الاجتماعيين والنقاد الأدبيين والفنيين وغيرهم. وبالتالي لم يكن هنالك رأي محدد بشأن تعريف كلمة طبقة والمصطلح يشمل تعاريف مختلفة.

نظام الطبقات :

     هو عبارة عن مجموعة من المفاهيم في العلوم الاجتماعيّة والفلسفيّة والأدبيّة والفنيّة والأخلاقيّة والجماليّة والسياسيّة, التي يتجلى فيها التراتب الاجتماعي, الذي يتم من خلاله تصنيف الناس إلى مجموعة من الفئات الاجتماعيّة الهرميّة. فيتبين لنا أن أكثر الطبقات شيوعاً هي: الطبقة الغنيّة والطبقة المتوسطة والطبقة المنتجة. وكل طبقة من هذه الطبقات لها مفاهيمها الخاصة بها إلى حد كبير كما أشرنا أعلاه, التي تميزها, وغالباً ما تنمذجها, لتتفرد عن غيرها من الطبقات.

صراع الطبقات:

     صراع الطبقات, هو كل تجليات التناقضات والتوترات الدائرة بين الطبقات المستغِلة والمستغَلة, بحيث أن كل طبقة تقاوم من أجل وضعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي. وقد شكل موضوع صراع الطبقات أساساً للدراسات والتحليلات عند علماء الاجتماع وعلماء السياسة وعلماء الأنثروبولوجيا والمؤرخين الاجتماعيين.

الطبقات الاجتماعيّة في السياق التاريخي:

     إن كل مجتمع عبر مراحل التاريخ, مُكوّن من طبقات متنافسة، وكل طبقة تؤدي وظائف مُتباينة ومُنفصلة، مثل الأنشطة العسكريّة والدينيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وقد ظهرت المجتمعات ذات الطبقات المُتعددة في العصور القديمة عند الرومان والفرس واليونان، وفي العصور الوسطى في المرحلة الاقطاعيّة, وفي المجتمعات المدنيّة الحديثة مع ظهور الثورة الصناعيّة وحاملها الاجتماعي البرجوازيّة والطبقة العاملة. فكل مجتمع كما أشرنا أعلاه مقسماً إلى طبقات، ولكل طبقة حقوقها وامتيازاتها الخاصة ولها عاداتها وتقاليدها وأعرافها, كما عليها واجباتها الخاصة أيضا. وعلى هذا الأساس نجد أن المفاهيم الطبقيّة وصراع الطبقات تُستخدم في سياقات تاريخيّة مختلفة.

السياقات التاريخيّة لمفاهيم الطبقات وصراعاتها:

     1- الصراع بين العبيد والأسياد في مجتمعات الرقيق والدُخلاء من المجتمعات القديمة. نجده في دول حضارة ما بين النهرين ومصر القديمة وعند الفرس اليونان والرومان (ثورة سبارتاكوس). وحتى في تاريخ الخلافة الإسلاميّة. نجدها في ثورة الزنج والخرميّة والقرامطة وغيرها الكثير.

     2- الصراع بين الأقنان ومُلاك الأراضي (النبلاء ورجال الكنيسة) كما هو الحال في أوربا العصور الوسطى. ثورات لفلاحين في الماني مع نهاية الربع الأول من القرن السادس عشر

    3- الصراع بين البرجوازية والعمال مع طبقة النبلاء عشية الثورة الفرنسية. 1789.

    4- الصراع بين العمال وأصحاب العمل في المجتمع الرأسمالي الحديث. كومونة باريس في فرنسا (1871) والشارتية (1825 و1836) في بريطانيا. ولقد ظهر هذا المفهوم في القرن التاسع عشر لدى بعض المؤرخين الفرنسين الليبراليين من استعادة بوربون، فرنسوا غيزو واوجوستان تييري، وأدولف تيير وفرنسوا اجوست مينيه، هم من استعار منهم كارل ماركس المفهوم.(1).  

     5- الصراع بين الرجل والمرأة في المجتمعات البطريركيّة (الأبويّة) حيث الاستغلال المحلي من قبل الرجل للمرأة هو شريان التدرج الاجتماعي.

    6- الصراع بين الطوائف الدينيّة والعرقيّة في العديد من دول العالم ماضياً وحاضراً.

    7- الفصل بين المستوطنين والسكان الأصليين في المستعمرات.

    8- الانقسام بين بلاد الشمال وبلاد الجنوب.

    9- التفرقة العنصريّة بين المجتمعات الثقافيّة في المدن.

    ومع ذلك، فإن أساس مفهوم الطبقيّة هو الاقتصاد, حيث يأتي موقع الطبقة ما بين ما لك ومنتج، فالولاء الطبقي لا يحدده القانون بقدر ما تحدده عوامل كثيرة منها:

 أولاً: طموح الفرد ذاته وقدراته في العمل على تغيير بنيته الطبقية.

ثانياً:  المنافسة:

    يعتقد منظرو الصراع, أن المنافسة هي عامل ثابت وفي بعض الأوقات حاسم لكل علاقة أو تفاعل إنساني. إذ توجد المنافسة نتيجةً لشح الموارد، بما في ذلك الموارد الماديّة مثل النقود والملكيّة والسلع وغيرها الكثير، ويتنافس الأفراد والمجموعات داخل المجتمع على الموارد غير المحسوسة أيضًا بما في ذلك أوقات الفراغ والسيطرة والأوضاع الاجتماعيّة والشركاء الجنسيون وعدة عوامل أخرى، يفترض منظرو الصراع أن المنافسة هي الأمر الطبيعي وليس الشراكة.

 الثورة:

     بالنظر إلى افتراض منظري نظريّة الصراع بكون الصراع يحدث بين الطبقات الاجتماعيّة, فإن إحدى نتائج هذا الصراع هي الثورة، تكمن الفكرة هنا في أن التغيير في ديناميّة السلطة بين الجماعات لا يحدث نتيجةً للتكيف بل للصراع بين هذه الجماعات، وبهذه الطريقة فإن التغير في ديناميّة السلطة يكون حادًا وضخمًا بدل أن يكون متدرجًا وتطوريًا.

 التفاوت البنيوي:

     لعل أهم افتراض لنظريّة الصراع الطبقي هي أن العلاقات بين البشر داخل البنى الاجتماعيّة تمر بمرحلة تفاوت السلطة، ونتيجةً لذلك يطور ويكسب بعض الأفراد والمجموعات – بصورة متأصلة – سلطاتٍ أكبر من البقيّة، ونتيجةً لذلك فإن هؤلاء الأفراد والمجموعات الذين ينتفعون من السلطة يعمدون إلى العمل على المحافظة على هذه البنى للحفاظ على سلطاتهم وتحسينها.

 الحرب:

     يعمد منظرو نظريّة الصراع الطبقي على رؤية الحرب باعتبارها مُطهرةً أو موحدةً للمجتمعات. وتُعد الحرب – في نظريّة الصراع- نتيجة صراع تراكمي نامٍ بين الأفراد والمجموعات وبين مجتمعات كاملة، وقد يصبح المجتمع موحدًا بطرق معينة لكن الصراع يبقى بين المجتمعات المتعددة. (2).

     تُعد نظريّة الصراع ملهمًا مهمًا للنظريات الحديثة وما بعد الحديثة للتفاوت الجنسي والعرقي, والمناهضة للاستعمار, ودراسات السلام والصراع والتشكيلات المتنوعة لدراسات الهويّة التي بزغ نجمها بين الأوساط الأكاديميّة الأوروبيّة خلال العقود القليلة المنصرمة.

د. عدنان عويّد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الوكيبيديا.

2- نظرية الصراع الطبقي. راجع موقع.

🙁https://www.ibelieveinsci.com

‫شاهد أيضًا‬

دراسات في مناهج النقد الأدبي – المنهج الرومانسي * د. عدنان عويّد

 في المفهوم:      يعود مصطلح الرومانسيّة أو الرومانتيكيّة إلى كلمة روم…