لطالما اشتهرت المملكة المغربية منذ القدم بالاهتمام بالشؤون الإسلامية، وعنت بتعظيم شعائر الله أيما عناية، ودائما ما يحظى شهر رمضان المبارك بمكانة خاصة لدى المغاربة قيادة وشعباً، وله طقوسه المميزة والتي يندر ان تجدها في دول أخرى، ومن ضمن العناية بالشهر الفضيل الدقة في تحري هلاله كما كل الشهور الهجرية، حيث تعتبر المغرب من أفضل دول العالم العربي والإسلامي في ذلك، ويعد ذلك عرفا ثابتا تعامل به جميع سلاطين المغرب على مدى أكثر من خمسة قرون ولا زال مستمرا في عهدا الملك الحالي محمد السادس.

جرت العادة في المملكة المغربية ان يستطلع هلال جميع الأشهر الهجرية بالعين المجردة، وتعتبر هذه الطريقة من أسس إدارة الشؤون الدينية في البلاد، فلا مجاملة في هذه الأمور مهما كانت العوامل، حتى وإن تطلب الأمر مخالفتها لغالبية الدول العربية والإسلامية التي تعتمد على الحسابات الفلكية في المواقيت، كما ان هناك أكثر من 300 موقع في أنحاء المغرب مخصصة لهذا الغرض ونسبة الخطأ في استطلاع هلال العيد “صفرية” دائما، لان حسابات الفلك ومع تطورها تظل عرضة للخطأ.

وتقوم استراتيجية المملكة المغربية في استطلاع الأهلّة على استصدار بلاغ قبل الثامن والعشرين من كل شهر هجري، مرفقا به أرقام هاتفية للاتصال والإبلاغ، تحث فيه مسؤولي نقاط مراقبة الأهلة في انحاء البلاد وجميعَ المواطنين المتوفّر فيهم شرط الإشهاد وهي: العمر، وصحة النظر، وتمام العقل ،وحُسن التّديّن وغيرها ، إلى مراقبة الهلال يوم التاسع والعشرين من كل شهر هجري، فتلتئم قبيل غروب شمس ذلك اليوم خلية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لاستقبال الشهادات التي تؤكد أو تنفي رؤية الهلال، وتخص النقاط التي أفادت برؤية الهلال بحضور القضاة والعدول للتثبت وتوثيق الشهادة.

ومن نافلة القول ان المغرب يمتلك أحدث التقنيات المتطورة لرصد الأهلة؛ فهي تغطي سماء المملكة بأكملها من سواحلها المتوسطية  إلى صحرائها الخالدة، ومن شرقها إلى سواحلها المتوسطية  الممتدة ، زد على ذلك الاعتماد على مؤسسة “دار المُؤَقِّت” في المدن المغربية الكبرى والحواضر العتيقة، وهي دُورٌ توكل إليها مهام تتصل بمراقبة الأهلة بصريا، وبحسابها فلكيا ويتولّى أمرها مسؤولون متخصصون في علم الفلك والشريعة الإسلامية.

إذاً، فان المغرب يعتمد تقنية الرؤية البصرية أولا، ثم يدعمها بالحسابات الفلكية الدقيقة، درءاً لأي خلل يؤثر على ضبط التحري والتحقق فيما يرتبط بمواعيد الصيام أو الإفطار ومواقيت المناسبات الدينية، وهناك دراسات أجرتها هيئات فلكية دولية حول نسبة الدقة في تحري الأهلة بالمغرب، تَبَيَّن أن نسبة الخطأ شبه منعدمة إن لم تكن منعدمة تماما، على اعتبار ان الدقة في ذلك مرتبطة أساساً بتمام تديُّن المغاربة وصحة عبادتهم، فلا مجال للعبث أو الخطأ في ذلك.

كاتب كويتي

‫شاهد أيضًا‬

إسرائيل : من الطفل المدلَّل إلى وحيد القرن الهائج * سعيد بوخليط

وقد بلغ زمن مذبحة غزة مائة وخمس وثلاثين يوما،قارب معه رقم الضحايا – فعلا أضحى الإنسان في أ…