في إطار النقاش المجتمعي حول مدونة الأسرة لا يجب أن نغفل عن المراجعة الشاملة لكافة القوانين ذات الصلة بالأسرة والطفولة ( الكفالة، الجنسية، الحالة المدنية، القانون الجنائي، المسطرة الجنائية.)…
ويعتبر القانون 15-01 المنظم لكفالة الأطفال المهملين عند إقراره سنة 2002 مكسبا تشريعيا لضمان حماية الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، لكن الممارسة على أرض الواقع ولسنوات، أظهرت قصورا في ضمان تلك الحماية للطفل المكفول وللأسرة أو الأم الكافلة على حد سواء، علما أن المصلحة الفضلى للطفل تتحقق فعليا بعيشه وسط أسرته البيولوجية بالدرجة الأولى .
ونظام الكفالة باعتباره آلية من آليات الرعاية الأسرية البديلة لا يحقق الحماية الشاملة للطفل(ة) المكفول(ة) وللأسرة أو الأم الكافلة لهشاشة العلاقة الرابطة بينهما، لذا نحن مطالبون اليوم بإعادة النظر في مقتضيات القانون 15-05 بإعطاء الأولوية للمقاربة الوقائية للحد من التخلي عن الأطفال وضمان الاحتفاظ بهم بوسطهم الأسري، وذلك من خلال إقرار آلية استباقية من قبيل الوساطة مع الأب والأم والأسرة الموسعة لضمان بقاء الطفل بأسرته البيولوجية بالدرجة الأولى مع تمكين الأسرة أو الأم، اقتصاديا، وتمكينها من الاستفادة من البرامج الحكومية ذات الصلة إذا كان عامل الفقر سببا في ذلك .
مع التأكيد على أن اللجوء لباقي آليات الرعاية البديلة لا يتم إلا بعد استنفاد كل المجهودات المبذولة للاحتفاظ بالطفل بوسطه الأسري، مع الاستئناس بالممارسات الفضلى لجمعيات المجتمع المدني والخبرات التي راكمتها في هذا المجال، والتأكيد على أن المطلب الأساسي للحد من التخلي عن الأطفال، خاصة المولودين خارج إطار القانون، لن يتحقق إلا عبر التعديلات المرتقبة بمدونة الأسرة في باب النسب.
ومن خلال الممارسة العملية اتضح ضرورة إعادة النظر في مقتضيات القانون بإقرار قواعد قانونية تقوي الروابط الأسرية بين طرفي العلاقة، مع إعادة النظر في الصياغة القانونية وأنسنتها بالقطع مع المصطلحات التمييزية ( الإهمال، التخلي…)، والحاملة للوصم ( اليتيم، المتخلى عنه، المهمل…).
إن هشاشة الروابط الأسرية، كما سبقت الإشارة إليه، يجد مبرره في عدم تأهيل طالبي الكفالة واستعدادهم النفسي لذلك، لذا أصبح ملحا إرساء مقتضى قانوني لتأهيل طالبي الكفالة وتقييم قدرتهم/ن النفسية لاحتضان الطفل مع منحهم رخصة أو حكما بالأهلية للكفالة، بعد التأهيل، لتفادي حالات إلغاء الكفالة لفشل الكافلين بسبب عدم قدرة أغلبهم على استيعاب التزاماتهم من جهة، وتفهم نفسية الطفل المكفول ومتطلباته النفسية بالدرجة الأولى… مع وعينا بتداعيات التخلي الثاني عن مسار الطفل ونموه النفسي والعاطفي .
بالإضافة أن الفراغ التشريعي بخصوص حالة وفاة أو عجز الكافل(ة) يؤدي إلى رجوع أو بالأحرى إرجاع الطفل إلى مؤسسة للرعاية الاجتماعية أو طرده للشارع من طرف أقارب الكافل(ة)، دون إغفال ضعف آلية التتبع والمراقبة للأطفال المكفولين، لذا من الضروري تضمين القانون آلية لحضانة بديله للطفل المكفول في حالة عجز أو وفاة الكافل(ة)، على غرار الحضانة وأحكامها بمدونة الأسرة التي تتمثل في منح الكافل الحق في تعيين أحد أقاربه أومعارفه لرعاية الطفل في حالة وفاته أو عجزه، مع تضمين ذلك بأمر إسناد الكفالة ليتولى حضانة ورعاية الطفل إلى حين بت قاضي القاصرين في وضعيته، مع إعطاء الحاضن/الراعي الأولوية في إسناد كفالة الطفل تجنبا للإيداع المؤسساتي، والتنصيص على توثيق الوصية والتنزيل لحماية الطفل بعد وفاة الكافل(ة)، وتفعيل مقتضيات المادة 7 من القانون الحالي والعمل على فتح ملفات الإهمال لدى قاضي القاصرين، على غرار ملفات النيابة القانونية للمحجورين، ليتمكن من تتبع ومراقبة وضعيات الأطفال بالمؤسسات ولدى الاشخاص المكلفين بالرعاية .
لذا نحن مطالبون اليوم بمراجعة القانون 15-01، وتحسين وتجويد مقتضياته وتبسيط مساطره بما يتلاءم مع المبادئ الدولية والمقتضيات الدستورية، وإضفاء الصبغة الأسرية عليه، مع مراعاة المصلحة الفضلى للطفل بالدرجة الأولى، وإعطاء الأولوية للمقاربة الوقائية لحماية الأطفال من التخلي والإهمال وإشراك الأطفال المعنيين، والأخذ برأيهم بعين الاعتبار في كل تعديل مرتقب سواء بمدونة الأسرة أو بالقانون المنظم للكفالة، يجيب عن انتظاراتهم ومتطلباتهم انطلاقا من مبدأ أن القاعدة القانونية التي لا تجيب عن حاجيات وانتظارات الفئة المستهدفة بها هي قاعدة ظالمة لهذه الفئة…

الكاتب : زينب الخياطي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

‫شاهد أيضًا‬

مجهول الأب في نظام الحالة المدنية * الحسين بوخرطة

التشريع هو ركيزة الدولة والمجتمع معا لتحقيق دولة الحق والقانون. قوة هذا الأخير تتجلى كونه …