التطورات الكونية بتأثيراتها الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ودول الاتحاد الأوروبي) والشرقية (الصين والهند وروسيا) وضعت مصادر القرار المركزية الإدارية والتمثيلية بالمغرب أمام تحدي تجديد النخب بالشكل الذي يستجيب للمنطق الذي يخدم بالقوة والسرعة المطلوبتين طبيعة المشاريع الترابية الجديدة بأبعادها التكنولوجية والاقتصادية، وكذا بلورة هندسة اجتماعية قادرة على مواجهة الإكراهات الثقيلة والمرهقة التي تتصاعد ضغوطاتها مع مرور الزمن.

الأجندات السياسية أصبحت جد مرتبطة بالتفكير في تنمية المجالات الترابية وتأهيل العنصر البشري وإشراكه في دعم مسار الانخراط الشمولي لفهم متطلبات الحاضر والمستقبل. تحتاج المجالات الترابية إلى نخبة تمثيلية وإدارية قادرة على بلورة وتنفيذ المشاريع التكنولوجية والرقمية والروبوتية … بمنطق سياسي يخدم هدف تخفيض مستوى الفقر والتهميش إلى أدنى المستويات.

في هذا الصدد، المهندس المنتصر للفكر الاشتراكي الاجتماعي أصبح فاعلا لا غنى عنه وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا. الحاجة للتكيف بأقل الأضرار أبرزت أهمية تقوية ارتباط المهندسين بالفلسفة الاشتراكية الاجتماعية. دول الجنوب لن تصمد أمام العواصف السياسية الكونية ما لم تستثمر في توطيد الملكية الجماعية أو الحكومة الجماعية للموارد الاقتصادية ووسائل الإنتاج وبالتالي تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين حياة الناس على المستويين الزمني والجغرافي.

الحاجة إلى ترسيخ الثقافة الاشتراكية الاجتماعية جنوبا أصبح مطلبا لعامة الشعوب والأمم نظرا لتفاقم نسبة الفقر والتهميش. نسبة الأفراد والجماعات غير القادرين على ركوب قاطرة التطورات العالمية تزداد ارتفاعا كل يوم. الحفاظ على الأمن العام وتوطيد النظام في إطار الاستمرارية أحدث اليوم ارتباطا وثيقا بين الثروة والإنتاج ومستوى ملكيتهما من طرف الجماعات الترابية. احتكار الخيرات وتراكماتها الإنتاجية والمالية لن تجدي طالما تم التماهي مع تركيزها في يد الأقليات أو الشركات الخاصة. الهندسة السياسية في زمن التحولات المبهرة تضع في جدول أعمالها كأولوية الأولويات ضرورة توزيع الموارد بالتساوي وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية من خلال تحقيق المساواة في فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل المنصف والأجور المعقولة. الرهان كذلك يفرض تفاعلا نافعا بين الأجيال المتعاقبة، تفاعل يثمن توارث وتطوير الخبرات والتجارب بين الفئات العمرية، بما في ذلك ضمان تطويل استقلالية الفئات المجتمعية في وضعية شيخوخة وخلق الآليات المسهلة لسيولة المعارف إلى الفئات العمرية الشابة.

أمام هذه التحديات، المهندس يشكل في الحاضر والمستقبل حلقة محورية لتقوية الاندماج التفاعلي النافع بين الفكر الاشتراكي الاجتماعي والتنمية المستدامة. المهندس بمعارفه النظرية والتطبيقية هو القادر على ربط العلوم بالحياة المعيشية في روح المجتمعات الترابية. بحضوره القوي، يمكن للدولة المغربية أن تحقق السبق في بناء مجتمع يتوخى المساواة والعدالة في عالم شديد التحول. الاشتراكيون الاجتماعيون لهم الثقة الكاملة في الهندسة والمهندسين، ويعتبرونهم الأكثر جدارة على تصميم وتنفيذ مشاريع تعزز الفائدة العامة وتحسن جودة حياة الناس بشكل عام، بما في ذلك الحفاظ على المصالح الفردية أو أرباح الشركات الكبرى متعددة الجنسيات والعابرة للقارات.

كما سبق أن أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، في زمن الذكاء الاصطناعي، يعتبر المهندس الفاعل الأكثر تمكنا للعب الأدوار المطلوبة في تبني المقاربة التشاركية وتعزيزها. فهو بذلك القادر بأسلوبه على ترسيخ التعاون والمشاركة الفعالة بين المهندسين والمجتمع الطامح لاستخدام تصاميم وتطورات التكنولوجيا والحلول الذكية في حياة أفراده. الذكاء الاصطناعي كواقع يكتسح بقوته فضاءات العيش اليومي للمجتمعات مَوْقَع المهندس في صلب المعركة التنموية. إنه الإطار الأنسب لتدريب وتعويد الناس للتفاعل مع الأنظمة الحاسوبية لتنفيذ أنشطتهم المعقدة المدرة للدخل ومساعدتهم على اتخاذ قرارات على أساس بيانات ذات مصداقية. قوة وجوده كذلك مرتبطة بكونه يشارك بشكل وثيق في عملية تصميم وتطوير هذه الأنظمة بتفاعل مباشر مع مختلف فئات المستخدمين والمجتمعات المتأثرة. باستخدامه للمقاربة التشاركية، يكتسب المهارة في التعاون المنتج مع الخبراء في المجالات الاجتماعية والأخلاقية والقانونية والثقافية، متشبثا بصفاء ذهنه بالتأثير على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالشكل الذي يجعلها متوافقة مع القيم الأخلاقية وتلبي الاحتياجات الاجتماعية والبشرية.

المهندسون بتخصصاتهم لا يجدون أي صعوبة في تبني مبادئ التصميم المستدام والمسؤول وترسيخ الاعتقاد بكون الحلول الذكية والطاقات المتجددة لا تسبب آثار سلبية على البيئة وتتوافق مع مفهوم التنمية المستدامة. كما أن التشارك كمقاربة يفرض نفسه باستحقاق لرفع مستوى توظيف المستخدمين المحتملين والمستفيدين في عملية التصميم وتجربة المنتجات وتقديم الملاحظات والاقتراحات لتحسين الأداء وتلبية الاحتياجات الفعلية. أهمية موقع المهندس تتجلى في كونه الأكفأ في لعب الأدوار الحيوية في مجال تبني المقاربة التشاركية في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث يتعاون مع مجتمعات الاستخدام والخبراء المتخصصين لتصميم وتنفيذ حلول تكنولوجية تلبي الاحتياجات الاجتماعية وتكون مستدامة وأخلاقية.

من ناحية أخرى، المتتبعون يولون اهتماما بالغا للهندسة بسبب قدرتها الموثوقة في مجال تحقيق العدالة الاجتماعية. فبتصميم وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا بطريقة تضمن توفير الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والاتصالات للجميع، بما في ذلك الأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحرومة والمهمشة، تتيسر أمانة تعميم استفادة الجميع من الخدمات الحيوية. المهندس يعطي اعتبارا بالغا للبيانات المتعلقة بتنوع السكان واحتياجاتهم المختلفة عند تطوير المنتجات والخدمات. هو كذلك الإطار الأنسب لتصميم المباني والمنشآت لتكون متاحة وملائمة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديم تكنولوجيا متوافقة مع الثقافات المختلفة واللغات المتعددة، مع الحرص التام لتقليل التأثيرات الضارة على البيئة وتغير المناخ وتضييق الفجوة الرقمية بين المواطنين. بثقافتهم وتخصصاتهم المعرفية والتقنية، يراكم المهندسون التجارب التي تجعلهم قادرين على التأثير على أنماط إنتاج الشركات بتجويد طبيعة القرارات المتخذة بها ودفعها لاستحضار مدى أهمية الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية في برامجها.

قدرة المهندس على خلق التفاعل البناء في إطار السياسات العمومية بوأته مكانة هامة في البنية المؤسساتية التنموية من الوطني إلى المحلي. لا أحد يجادل إمكانياته للإسهام في تطوير تقنيات الإنتاج المحلي، مثل تصميم أنظمة الزراعة المائية والزراعة العضوية وتقنيات تنقية المياه. فهو يوجد في صلب رهان تعزيز الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء والموارد الطبيعية. مردوديته مشهود لها في مجالات تصميم وتطوير الحلول التقنية البسيطة والمنخفضة التكلفة التي يمكن للأفراد تصنيعها وصيانتها بسهولة، مثل تصميم أجهزة طبية محمولة أو أدوات توليد الطاقة المحلية، وتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتصميم وتطوير تقنيات الاتصال والانترنيت، وتعميم الاستفادة من الطاقات المتجددة لتشمل المناطق النائية والمهمشة وحتى وعرة التضاريس.

المهندس يوجد في جوهر الفكر الاشتراكي الديمقراطي، وبذلك فهو في صلب المعركة التنموية في الحاضر والمستقبل. دوره حاسم في تأهيل وتعزيز الطبقات الهشة والمجتمعات الضعيفة. أدواره تتجلى في ترويجه العملي لثقافة المقاولة المواطنة الاجتماعية، وإسهامه الرائد في تحسين وصيانة الشوارع والجسور ونظام الصرف الصحي والتوزيع الكهربائي والمياه. هو كذلك الحلقة القوية المدافعة على ضرورة تصميم وتطوير حلول سكنية معقولة التكلفة وآمنة وصحية ومناسبة للعيش للأفراد ذوي الدخل المحدود، واختيار المواقع الإستراتيجية لبنائها حتى تكون قريبة من فرص العمل والخدمات العامة. انشغاله هو مواجهة تداعيات العولمة المالية والتكنولوجية بالإسهام في تأهيل الطبقات الهشة من خلال تصميم وتنفيذ مشاريع وحلول تقنية تعمل على تحسين جودة الحياة وزيادة فرص النمو واستقلالية الأفراد والجماعات.

‫شاهد أيضًا‬

عبد الرحمن بدوي ومؤسَّسة الزواج * سعيد بوخليط

”لقد تزوجتُ المعرفة،ولو أني تزوجتُ ماكنتُ كتبتُ كل هذه الكتب” عبد الرحمن بدوي …