في مفهوم:

الثقافة لغة:

     قيل في اللغة العربيّة ثقف الرمح, أي قومه وأزال  اعوجاجه. وكلمة الثَّقافة في سياقها العام تحمل في دلالاتها اللغويّة عددًا من المعاني ، فيُقال ثَقَفَ الشَّيء أي حذقه, ومنه يُقال هذا رجلٌ ثَقِفٌ أو امرأةٌ ثَقِفَةٌ. وتأتي الثَّقافة بمعنى الذَّكاء والفطنة, ومن المعاني التي تحملها هي الضَّبط والسُّرعة في التَّعلم، فيُقال عن الرجل ثَقِفٌ إذا كان قائمًا بعمله وضابطًا له.(1).

     أما في الغرب فقد تم اشتقاق كلمة ثقافة (من الكلمة اللاتينيّة “Cultura” بمعنى الصقل والزراعة, و لقد حافظت مجموعة من اللغات الأوربيّة على جزء من المعنى الأصليّ للكلمة في أصلها اللاتينيّ، أي ثقافة بمعنى حراثة أو زراعة “Cultivation” أو تطوير الإنتاج وترقيته وتحسينه.). (2).

الثقافة اصطلاحاً:

     تُعْتَبَرُ الثقافة في هذا الاتجاه مجموعةً من المعارف والمعتقدات والفنون والسلوكيات الأخلاقيّة و القوانين و التقاليد و كل المهارات الداخليّة النشطة المتعلقة بطرق التفكير, وتشمل أيضاً العادات التي اكتسبها الإنسان ومارسها من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع. أما في أعلى تجلياتها فتأتي نسيجاً من الرموز التي أنتجها الإنسان لكي يتواصل بين ذاته والآخر، و يمكن تسمية هذا التصور بالتصور الرمزيّ للثقافة. (ولقد أدرج هذا التصور في وقتنا الحاضر كتصور أساس في علم الاجتماع والدراسات الاجتماعيّة. هذا ويرتكز التصور الرمزي أساساً على اللغة بكل تجليتها كلغة الحرف والموسيقى والرسم وغيرها, لاعتبارها مكوّن أساس من مكونات بناء ثقافة الشعوب.). (3).

     بيد أن مفهوم الثقافة في سياقه العام راح يتطور منذ القرن السادس عشر، من “حراثة الأرض” إلى “حراثة الذهن” ، أي إلى تطوير المهارات الذهنيّة واستخدامها في إنتاج الخيرات الماديّة والروحيّة من جهة, ثم كيفيّة تنميتها وتطويرها من جهة ثانية. (كما أن مفهوم الثقافة ذاته راح يرتبط أو يرادف مفهوم الحضارة, “Civilisation”،. ووفقاً لهذا الارتباط بين الثقافة والحضارة ظهر تصور مفاده, أن هناك شعوباً مثقفة و متحضرة, و شعوباً متخلفة وذات حضارة متدنيّة، وهي عبارة عن تجمعات بشريّة بدائيّة وهمجيّة.). (4).

     هكذا، أصبحت الثقافة ذات تعريف شموليّ على اعتبارها البيئة الماديّة والروحيّة التي أنتجها الإنسان، وهي تنتقل من جيل إلى آخر, متضمنة رموز الحياة اليوميّة لكافة أفراد المجتمع وممارساتهم. وبالتالي لم يعد يقتصر التعريف على الفنون و الآداب و السمات الراقيّة لمجموعة بشريّة معينة. هذا و قد انخرطت في تاريخنا الحديث كل المجتمعات البشريّة, والطبقات الاجتماعيّة، والفئات الأثنية، أو الأقليات على اختلاف أجناسها وأعراقها وميولاتها الجنسيّة في هذا التعريف، باعتبارها بنيات مثقفة لها سماتها الخاصة بها التي تشكلت عبر التاريخ ، مثلما لها سماتها الوطنيّة أو الإنسانيّة العامة, كونها تعيش تحت مظلة عالم تجمع أطرافه المتعددة القيم الإنسانيّة النبيلة التي تشكل الجوهر العام للثقافات الإنسانيّة, وإن ظهرت على السطح بعض القيم السيئة في هذه الحضارات, فوراءها تكمن قوى بشرية مُسْتَغِلّة تعمل على نشر قيمها الثقافيّة لتجهيل الشعوب واستغلالها, وهذا ما سنشير إليه لا حقاً.  

الثقافة الشعبيّة:

     الشعبيّ هو كل ما انتشر بين الجمهور وأصبح له حضوره المادي والقيمي. وقد يتجلى هذا الحضور في الفن بكل أشكال من غناء ورسم ومسرح وقصة ورواية وفلكلور. أو يتجلى في لباس أو أثاث منزل أو موديل إنتاج معد للاستهلاك… وغير ذلك. والشعبي من جهة أخرى, هو النقيض المعبر عن ثقافة الأغنياء أو الارستقراطيّة، و هكذا نستطيع القول عن الثقافة بأنها تنقسم إلى أبعاد طبقيّة, ثقافة الأغنياء و ثقافة الفقراء بكل ما تحمله من قيم شعبيّة.

     إن المنتج الشعبيّ غالباً ما ينتج من أجل الاستهلاك السريع, لذلك توظف له مكنة إعلاميّة وإعلانيّة هائلة لتحقيق أرباح تجاريّة كبيرة لمالك وسائل الإنتاج. أما المنتج الآخر المخصص للطبقات الغنية فهو محدود في وسائل إنتاجه وله طابع مميز يحوز على صفة (ماركات) لها طابع عالمي خاص بهذه الطبقات الراقيّة.

     لا شك أن التوزع الطبقيّ في بنية المجتمع, يخلق فوارق اجتماعيّة بين المالك والمنتج, بين الأغنياء و العامة, وهذه الفوارق بدورها ستساهم بالضرورة بإنتاج ثقافتين متباينتين هما ثقافة النبلاء أو الارستقراطيّة وثقافة العامة. (وإذا عدنا إلى مسرح شكسبير على سبيل المثال لا الحصر، سنلاحظ كيف قام هذا الأخير بتمثل ثقافة النبلاء على أنها ثقافة القيم و المثل الرفيعة من هاملت وعطيل إلى ماكبيث، بينما صَوَرَ ثقافة باقي الشعب على أنها ثقافة غوغائية، فظة وهمجيّة، إلى درجة أنه أدرج في مسرحياته حبكتين دراميتين مختلفتين : حبكة خاصة بالنبلاء، وحبكة خاصة بالعوام، كذلك تم تقسيم مبنى المسرح إلى جزء خاص بالنبلاء وجزء خاص بالعامة.).(5). وهذه الموقف الرجعي من الثقافة, راح يتجسد ويُعْمَلْ على نشره في أوربا بين الجماهير مع منتصف القرن الثامن عشر, عندما بدأت أفكار القوى التقدميّة والاشتراكيّة تطرح نفسها على الساحة لمقاومة القوى البرجوازيّة الاستغلاليّة بعد وصولها إلى السلطة واستغلال الدولة لمصالحها, وهذا ما مثلته أفكار فلسفة (الكانتيّة الجديدة).(6), وبالمثاليّة الذاتيّة, واللاأدرية, والحدسيّة, والبيولوجيّة, وقد مثل هذه الأفكار الفلسفيّة المدافعة عن الطبقة البرجوازية وقيمها المتوحشة بشكل مقيت الفيلسوف نيتشه, الذي عبرت أفكاره عن ثقافة وقيم النبلاء أو السادة التي يجب أن تسود ويقصى كل ما عداها لأنها ثقافة عبيد. أي هو عبر عن ثقافة القوى البرجوازيّة الحاكمة في اتجاهاتها السلبيّة. حيث يقول: (إن هناك عرقاً سائداً هو المدعو لأن يأمر وينهي, وهناك عرق عبيد عليه أن ينفذ ويخضع للسادة, وأن المجتمع سيبقى إلى الأبد موزعاً بين فئة أرستقراطيّة مسيطرة, وبين جماهير العبيد الذين ليس لهم أية حقوق… كما راح يطالب الطبقة البرجوازيّة بأن تقوم بالتخلي عن أفكارها الليبراليّة ومشروعها الديمقراطيّ, وأن تتخلى عن القيم الأخلاقيّة والاعتقادات الدينيّة, وكافة القيم السياسيّة والقانونيّة والثقافيّة التي تعترف بحقوق الكادحين.). (7).

     ومع تعمق اقتصاد السوق الرأسماليّة والرأسماليّة المتوحشة, وتقدم التكنولوجيا, وانتشار وسائل الإعلام من جرائد و أفلام و إذاعة و تلفزة،  تعمقت الهوة بين الثقافتين. حيث اصطلح على كل ما ينتمي للجماهير الشعبيّة, اسم ثقافة الجماهير وإعلام الجماهير, وحتى على الأسواق أصبح هناك أسوق شعبيّة وأحياء شعبيّة, وكذلك أصبح هناك البسة شعبيّة وأطعمة شعبية, وفن شعبي. يقابلها بالضرورة ثقافة وأسواق السادة.  

     إن من يتابع في تاريخنا المعاصر الانتشار الكبير لوسائل الإعلام وتعددها وخاصة في النظام العالميّ الجديد المتوحش, يلمس ذاك الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام في نشر الثقافة العالمة الموجهة لمساحات كبيرة من الشعوب, حيث  تكمن وراء هذا التوجه طبقات اجتماعيّة سائدة تتحكم في وسائل الإنتاج والإعلام والمال، راحت تفرض تصوراتها ومعتقداتها على باقي المجتمع، لتجعل منه سوقا لترويج بضاعتها، وبالتالي هي لا تقوم بتسويق منتجاتها للاستهلاك فحسب، بل وتبيع أفكاراً وهميّةً وأحلاماً طوباويّةً ينخرط فيها الإنسان البسيط وينساق وراءها، عن طريق الفرجة أو التخييل أو الدراما أو الإعلان وما إلى ذلك من وسائل تسويقيّة، فيصبح المواطن مستهلكا لهذه البضاعة, ومروجاً لها بعفويّة، غير مدرك لقضية الربح الذي تحصده هذه المؤسسات التجارية من عرق جبينه. ولا لتلك السيطرة المذهلة للقوى السياسيّة المرتبطة باقتصاد السوق ومحركيه عالميّاً من كباتنة الرأسمال الاحتكاريّ العالميّ, يساندها في ذلك الأنظمة الشموليّة التي تشتغل على هذه الثقافة الشعبيّة, الأمر الذي سهل كثيراً في تجذر الثقافة الشعبيّة الاستهلاكيّة واتساع مساحة تداولها بين الجمهور. لكن تظل هناك إمكانيّة دائمة لاصطلاح الثقافة الشعبيّة. وهذا الاصلاح يرتبط بالنخب الثقافيّة والسياسيّة التي يهمها بناء الفرد والمجتمع والارتقاء بهما إلى مصاف الإنسانيّة, وهذا ما يقوم به الحامل الاجتماعيّ لما يسمى الثقافة الشعبيّة بصيغتها العالمة أيضاً, المؤمن بالفرد والمجتمع والإنسان معا.

القافة العالمة:

     الثقافة العالمة, هي الثقافة الراميّة إلى تحقيق أهداف محددة بشكل مسبق, وتخدم قوى اجتماعيّة محددة, طبقيّة كانت أو أثنيّة أو دينيّة أو غيرها. والثقافة العالمة المدرك حاملها الاجتماعي لأهدافه, تسير باتجاهين كل منها يعبر عن مصالح القوى الاجتماعيّة الحاملة لها. فمثل ما هي ثقافة موجهة من قبل القوى اَلْمُسْتَغِلْةَ التي أشرنا إليها أعلاه, لنمذجة عموم الشعب كي يخضع لنمط حياة تريده هذه القوى اَلْمُسْتَغِلْةَ, وهو نمط حياة المجتمع الاستهلاكيّ وفرض قيم اقتصاد السوق الذي أشرنا إليه في موقع سابق, من خلال استغلال كل الوسائل المتاحة بيد هذه الطبقة اَلْمُسْتَغِلْةَ, كالمؤسسات السياسيّة والاعلاميّة والثقافيّة والدينيّة, والتركيز على الحريّة الفرديّة وفصل الإنسان عن كتلته الاجتماعية ودفعه للتفكير من داخله ومصالحه الخاصة وليس من خلال بنيته الاجتماعية ومصالحها. وهذا ما تستمر القيام به اليوم أيضاً قوى الرأسمال الاحتكاريّ المسيطر على العالم اقتصاديّاً وسياسيّاً وإعلاميّاً, يساندها مجموعة الأنظمة الشموليّة المستبدة في دول العالم الثالث كما بينا قبل قليل. فإننا نجد هذه الثقافة العالمة في الشق الثاني التقدمي, تستخدم من قبل قوى اجتماعيّة (سياسيّة وثقافيّة) تقف إلى جانب الشعوب اَلْمُسْتَغَلْةَ والمقهورة والمشيئة والمستلبة والمغربة. وهذا ما وجدناه مع قيام الثورة الصناعيّة في أوربا, وتشكل فكر التنوير في القرن الثامن عشر من قبل فلاسفة عصر التنوير الذين عبروا عن طموحات الطبقة الرأسماليّة الوليدة ذاته التوجهات التقدميّة في حينها. ففي تلك المرحلة ظهرت الطبقة البرجوازيّة ومن حمل فكرها من فلاسفة عصر التنوير, كقوى تقدميّة وقفت ضد استبداد الملك والاقطاع والكنيسة, وطرحت ثقافة عالمة تقوم على تحقيق الحريّة والعدالة والمساواة, تجسدت أخيراً في الثورة الفرنسيّة وشعاراتها التي غزت العالم المضطهد في تلك الفترة ومنه عالمنا العربي مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بيد أن تطور الثورة الصناعيّة ووصول الطبقة الرأسماليّة إلى السلطة واستغلال السلطة لمصالحها (العسكر والتشريع), وممارسة القهر والظلم للطبقة العاملة جعل هذه الطبقة العاملة تتحرك وتجد لها مثقفيها الذين راحوا ينظرون لمصالحها ضد استبداد النظام الرأسماليّ وطبقته, وخاصة مع منتصف القرن التاسع عشر حيث راحت تتجلى بكل وضوح أنانيّة الطبقة الرأسماليّة وقهرها لشعوبها وشعوب العالم, فكانت ثورات 1848 في أوربا وفي مقدمتها كومونة باريس, وما حملته هذه الثورات العماليّة وأحزابها من ثقافة عالمة نظر لها مفكرون وفلاسفة تقدميون يأتي في مقدمتهم الهيجليون الشباب, وماركس وانجلز, الذين طالبوا الطبقة العاملة بالتوحد ومقاومة القوى المستغلة لها.(8).

     هكذا نجد أن الثقافة العالمة قد لبست لبوساً أيديولوجيّا في كلا الاتجاهين. هذا اللبوس الذي رحنا نلمس نتائجه أو تجلياته ليس في السياسة فحسب, بل في الفن والأدب وكل الأنساق الثقافيّة الأخرى, عبر وسائل كثيرة, كالإعلام والفن بكل أنساقه مثل السينما والمسرح والأدب والموسيقى, إضافة إلى قضايا الفكر الفلسفيّ وعلم الاجتماع… وغير ذلك.

كاتب وباحث من سورية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- موقع سطور – تعريف الثقافة لغة واصطلاحاً – بتصرف.

2- قاموس إكس فورد. عربي – انكليزي.

3- (موقع هسبرس- إشكاليّة الثقافة العالمة والثقافة العضويّة للشعب – محمد معروف.).

4- (موقع  هسبريس. المرجع نفسه.

5- (موقع هسبريس- المرجع نفسه).

6- “حركة فلسفيّة نشأت في ألمانيا في منتصف القرن التاسع عشر ضد الميتافيزيقا التأمليّة والماديّة الدوغمائيّة، وكان شعار فلاسفتها “العودة إلى كانط”، ومعناه إن العالم الذي نعيشه وخاصة في منتصف القرن التاسع عشر مليئ بالتناقضات والصراعات بسبب تحولات الطبقة البرجوازيّة وظهور الطبقة العاملة وأحزابها ومفكريها كقوة مناهضة للطبقة البرجوازيّة وتحولاتها, وهذا لن يتم عبر الصراع الطبقي بل عبر تعميم النزعة الأخلاقيّة وربطها بالدين والسياسة والقانون, إضافة إلى التأكيد على دور العقل والإرادة الإنسانيّة في تغيير الواقع وفق المبادئ الأخلاقيّة التي يجب ان تحقق العدالة للجميع من خلال المحبة والتسامح والايمان بالعيش المشترك بين كل مكونات المجتمع. حول الكانطية الجديدة. للاستزادة في هذا الموضوع- (الكانتيّة الجديدة – يراجع موقع ويكيبيديا – وموقع حكمة.

7- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الكتاب السوفيات – ترجمة توفيق ابراهيم سلوم – إصدار دار الفكر – دمشق – 1979.). ص748.

8- للاستزادة في هذا الموضوع يراجع موقع ويكبيديا. وموقع حكمة.

‫شاهد أيضًا‬

 شهوة السلطة والمشروع النهضوي المفوّت * د . عدنان عويد

     إن مشروع النهضة الذي مرت به أوربا, كان مشروعا بنيويّاً شاملاً متك…