العنف, هو تعبير عن قوة سلبيّة تصدر ضد النفس, أو ضد أي شخص أو جماعة بصورة متعمدة, لإرغام من يمارس عليه العنف على الرضوخ أو إتيان أفعال تنسجم ورغبة مُمَارِسِ العنف. ويستخدم العنف في جميع أنحاء العالم كأداة للتأثير على الآخرين عبر وسائل مختلفة من الكلمة إلى الطلقة, وهو تاريخيّ. كما أنه يعتبر من الأمور التي تحظى باهتمام القانون والثقافة, حيث يسعى كلاهما إلى قمع ظاهرة العنف ومنع تفشيها. ومن الممكن أن يتخذ العنف صورًا كثيرة, من استخدام الضرب بين شخصين بداية, الذي قد يسفر عن إيذاء بدنيّ لأحد الطرفين أو كلاهما, وانتهاءً بالحرب والإبادة الجماعيّة التي يموت فيها ملايين الأفراد. وللعنف أشكال عديدة تتجلى في الإيذاء البدنيّ, والنفسيّ, والجنسيّ, وغير ذلك.

     على العموم,  لقد أمسى العنف خبزًا يوميًّا للإنسان المعاصر يمارسه أو يمارس عليه من قبل الآخر في كل مسامات حياته, الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل أصبح هذا العنف جزءاً من الطبيعة الإنسانيّة للحياة اليوميّة المباشرة, وبالتالي هل هو مكتسب؟. أم هو فطرة كامنة في الأصول الغريزيّة للإنسان؟.  لقد تضاربت الآراءُ حول أصول العنف، بين القائلين بغريزيّة العنف وبين القائلين بأنه صفة مكتسبة. ومع ذلك نستطيع تقسيم العنف إلى قسمين من حيث الجوهر هما:

     آ‌. العنف الإيجابيّ: ويشترك فيه الإنسان والحيوان؛ وهو عنف غريزيّ يهدف إلى الحفاظ على النوع الإنساني من خلال مواجهة الأخطار المحتملة التي تواجه وجود الإنسان, ربما في بدايته هيمنت عليه شريعة الغاب, ولكن في تاريخنا المعاصر يُشرع له ويقره القانون الوطنيّ والدوليّ .

     ب‌. العنف السلبيّ : وهو عنف يختص به الجنس البشري؛ وتندرج فيه الساديّة وحبُّ الموت والتدمير. وهذا النوع من العنف مكتسب حتمًا, إذ من الممكن إثارته، والتأثير عليه، سلبًا أو إيجابًا، بواسطة العوامل الثقافيّة والسياسيّة, ويعتبر هذا العنف محرماً في كل الشرائع الدينيّة والوضعيّة ويحاسب عليه القانون.(1).

الأسباب العامة للعنف السلبيّ.

     لاشك أن للعنف السلبيّ أسباب كثيرة تكمن وراء تمظهره وتعدد أشكاله, منها ما هو أسري,  يتجلى داخل الأسرة وبين أفرادها, بصور مختلفة منها الضرب والشتم والتحقير, مما يؤثر سلباً على شخصيات هذه الأسرة التي يمارس فيها العنف. أو يمارس اجتماعيّاً بشكل عام, نتيجة للشعور بالنقص عند ممارسته لقلة الإمكانيات الماديّة والاجتماعيّة لديه, فيبدأ بمقارنة نفسه بالآخرين باحثاً عن طريق للفت الأنظار وحب الظهور. أو تكمن وراءه عوامل اقتصاديّة, كانتشار البطالة بين الشباب. فما نلاحظه من الإعداد الكبيرة لخريجي الجامعات الذين لا يجدون عملاً أو وظيفةً, سيكون لها التأثير الكبير في ممارسة هذا العنف. أو قد يعود لمرجعيات عصبيّة أو دينيّة أو قبليّة, وهي من أكبر الأسباب التي أودت بشبابنا إلى ممارسة هذا العنف الذي نراهم فيه، وخاصة ما تجلى في ثورات الربيع العربيّ من عنف وعنف مضاد في بعض الدول العربيّة التي تحولت فيها هذه الثورات إلى حروب أهليّة معبرة عن بروز النزق والجاهليّة والحميّة فيها. أو قد يظهر العنف لأسباب ودوافع سياسيّة, لأن السياسة لا مبدأ لها، فقد يشتغل الساسة الحكام لمصلحة فرد أو جماعة أو حزب أو مؤسسة على حساب طرف آخر وهو المجتمع. أو يقوم العنف لأسباب أيديولوجيّة بشقيها الدينيّ والوضعيّ, ويأتي هذا العنف نتيجة للتمسك غير العقلانيّ بمفاهيم غير قابلة للتطبيق على الواقع, أو لضعف في فهم جوهر هذه الأيديولوجيّة, إن كانت دينيّة أو وضعيّة, وهذا من ضمن الأسباب التي تدفع الشباب إلى ممارسة العنف لتطبيق ما يعتقدون به من أفكار, كما هو الحال عند الجماعات المتطرفة التي تتخذ من العنف وسيلة للتعبير عن أفكارها وآرائها. ولدينا أيضاً الأسباب الثقافيّة التي تؤدي إلى ممارسة العنف, فالثقافة التي ينشرها الإعلام الموجه, أو دور العبادة والدعاة… الخ لعبت دوراً كبيراً في مسح عقول الأطفال والشباب، وكذلك الإعلام الذي لا يبث برامج توعية عقلانيّة تنمي لدى الفرد والشباب عموماً روح المبادرة والتفكير والإبداع، ناهيك عن الأفلام، والمسلسلات والبرامج ذات التوجه الاستهلاكيّ من الحياة التي لا تعطي القيم النبيلة, ولا تحث على غرس الفضيلة والنزاهة, وكذلك دور قنوات الوعظ الديني التي ترتكز على قيم السلف وعدم النظر في قضايا الواقع ومشاكله, وبالتالي التركيز على النقل وترك العقل, أو التمسك بثقافة الفم على حساب ثقافة القلم. وهذا موضوع بحثنا.

الأصول الثقافية للعنف:

    يعتبر «العنف الثقافيّ» من أخطر وسائل تغذية العنف وممارسته من قبل الإنسان ضد أخيه الإنسان, على اعتبار أن الثقافة في هذا الاتجاه هي من تقوم بتشكيل وعي الإنسان وتوجيهه, بل هي الأكثر قدرة على خلق أو فرض حالة من اللاوعي التي تتجلى تداعياتها متى ما تحققت الأهداف المرجوة من تسويقها أو ترويجها, والمتمثلة غالباً في نشر الكثير من القضايا التي تنهش عقليّة المفكرين والمثقفين حاملي هذه الثقافة على وجه التحديد, الذين يقومون بدورهم بتصديرها للمتلقي بوسائل وطرق مختلفة, غالباً ما تلعب فيها السياسة والدين الدور الكبير. ولا شك في أن المجتمع الذي ينضوي تحت ظاهرة العنف الثقافيّ يتخذ أفراده مفاهيم معادية تجاه الآخر تتجلى على شكل عنف معنويّ أو ماديّ ومن أهمها, التشكيك بالآخر المختلف واتهامه بالانحراف عن القيم التي يسوق لها حامل هذا المشروع الثقافيّ سياسيّاً كان أم دينيّاً , مما يوقع الحالة الثقافيّة في مأزق القوقعة الاجتماعيّة أو الأدلجة التي تنحو نحو إقصاء المختلف, وهذا بدوره ما يودي بالتالي  إلى حالة من القلق وفقدان التوازن  تعتري الفرد أو الكتلة الاجتماعيّة وتسيطر على هويتها الثقافيّة, بل وفقدان حالة الإبداع, والحؤول دون القدرة على تحقيق الوحدة الاجتماعيّة, أو المواطنة في التعبير السياسي.(2).

 التأصيل الثقافي للعنف , الدين أنموذجا:

    تعتبر الأسطورة أساس الثقافات قاطبة، وأن ما ميَّز الشعوب بالنسبة لموقفها من تراثها هو محاولتها أسطرة هذا التراث, أي منحه القداسة. وكلُّ ثقافة من ثقافات الشعوب قامتْ أساساً على التميُّز والفرادة والقداسة، ستنحصر مهمة العقل الفرديّ والجمعيّ, وبالأخص النخبويّ لأي شعب أو أمّة, في التأويل وخلق مفاهيم مزيفة عن النحن, الأمر الذي سيشلُّ القدرة على فهم ليس الماضي فحسب, بل والواقع المعيوش، سواء ارتدى هذا الواقع المعيوش لبوسًا سلفيًّا أو  ليبراليًّا أو ماركسيًّا أو غير ذلك. وفي ثقافة الشعوب الرائجة لا يُقَدَّمُ التراث كبنية حضاريّة لها سياقها التاريخيّ الذي تتقدم فيه وتنمو. لذلك نجد الشعوب تعيش حالات من الجهل في معرفة بنية تراثها الجوهريّة وبنية تراث الشعوب الأخرى, أي  جهلاً بحركة المعرفة البشريّة.

     إن تاريخ الثقافة الرائجة, هو نسخة رديئة عن الماضي.  فالحاضر مشغول بالماضي, أما المستقبل فهو أسير لحاضر مفوَّت حضاريّاً. إنه موقف فصاميّ من واقع مزدوج – والفصام، هو أحد أسس ثقافة العنف. وعلى هذا الأساس نتج وعيٌ شقيّ ينوس بين ماضٍ يمتلك الفرد والمجتمع يصعب تجاوزه إيجابيًّا، وبين مستقبل لم يؤسِّس له، ولا تستطيع الشعوب القفز إليه, لذلك فهذه الشعوب تعيش وعياً رغائبيّاً، يلتف كثيراً على المتغيرات التي تصيب المجتمع غير القادر على فهمها والتعامل معها بعقلانيّة, والتي قد يكون هو طرف فاعل فيها, وعلى هذا الموقف اللاواعي من الأحداث, يقوم الكثير من  القيمين على إدارة المجتمع والدولة أو حتى المعارضين لها بإنتاج حلول دفاعيّة غالباً ما تحتمي بالتراث بشكل عام, والديني منه بشكل خاص. أو بتعبير آخر, وعي غير مطابق للواقع, ينتج عنه أيضًا خطابٌ سياسيّ مبني على إملاءات مسبقة قوميّة كانت أو دينيّة أو طبقيّة لدى معظم التيارات الفكريّة والسياسيّة ونخبها المعنية بشأن إدارة الدولة والمجتمع. (3).

     على العموم يظل العنف المتكئ على التراث الثقافيّ الفكريّ الأيديولوجيّ, وخاصة الديني منه هو العنف الأكثر انتشاراً بين الشعوب, والأكثر قسوة وتدميراً عبر التاريخ. وخاصة العنف الدينيّ المسيس والممنهج, الناتج عن ردود أفعال قائمة على التعاليم الدينيّة بشكل عام والمذهبيّة بشكل خاص, وهي تعاليم مشبعة بالنصوص المقدسة المفسرة والمؤولة من قبل حاملها الاجتماعي وفقاً لمصالح هذا الحامل, وهي نصوص لا يأتيها الباطل من أيّة جهة كانت, وغير قابلة للتعديل أو النقد أو حتى المراجعة. وهذا الأنموذج من العنف يوجه من قبل حوامله ضد المؤسسات الدينيّة المختلفة، والأشخاص المختلفين، والمجتمعات المختلفة, لينال في سياق ممارسته البشر والحجر والشجر، وخاصة عندما تكون دوافع العنف هنا ترتكز عند ممارس العنف على هدف أو مبدأ غايته الوصول إلى فرض ما يحمله ممارس العنف من قناعات أو رؤى أو مبادئ على الآخر المختلف. هذا ويعد العنف الدينيّ عمليّة ثقافيّة معقدة للغاية, وغالباً ما يستثمر الدين من قبل السلطات الحاكمة والقوى الاجتماعيّة المحكومة معا.

     إن من يقرأ الكتب المقدسة للديانات الابراهيميّة على سبيل المثال, سيجد أنها جميعاً تحتوي على العديد من المقاطع التي تتخذ في سياقها العام منهجاً ومنحنى عنيفاً تجاه المختلف حتى داخل هذه الديانات ذاتها, أو تجاه بعضها،

     ويظهر العنف في الكتب المقدسة, في القصص، أو الأشعار أو أوامر الرّب, ضد فئات اجتماعية تخالف التعاليم الدينيّة لحامل هذا الدين أو ذاك, وقد يظهر العنف على شكل حروب أو قتل أو اغتصاب أو الرجم أو انتهاكات جنسية أو استرقاق أو عقوبات جنائية عنيفة, أو تدمير مدن وقرى بالكامل.

العنف في التوراة

     تعتبر التوراة من أكثر الكتب المقدسة تضميناً للعنف والحض عليه تجاه المختلف دينيّاُ. فكلمة «حماس» (Hamas) تعني بالعبريّة (العنف أو الظلم). ولقد استخدم مصطلح العنف لأول مرة في سفر التكوين 6:11: ﴿وَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أَمَامَ اللَّهِ، وامتلأت الأَرْضُ ظُلْمًا.﴾. وغالباً ما تُستخدم لوصف العنف الجسديّ (مثل التكوين 49:5، والقضاة 9:24). وفي بعض الأحيان تشير إلى الشر الشديد (إشعياء 53:8، 59:6)، وقد تشير إلى العنف اللفظيّ أو الأخلاقيّ، وفي بعض الأحيان يُفسّر كصرخة إلى الله في وجه الظلم (إرميا. 6:7).

     أما العنف في الأسفار, فقد جاء في سفر العدد. حيث يذكر السفر قصة رجم الرجل الذي عمل في يوم السبت، إذ أمر الرب أن يتم رجمه، ﴿فَأَخْرَجَهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ، فَمَاتَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى﴾ (العدد 15:36).

     أما العدد:31 فيعتبر أكثر الاصحاحات الجدليّة في السفر، والتي تحض على القتل وسبي النساء والأطفال وحرق المدن كما جرى في حرب مؤاب. ومن هذه النصوص: ﴿وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلَاكِهِمْ. وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. العدد 31: 10-11﴾. وكما تحتوى على الأمر بقتل الأطفال الأسرى وبعض النساء: ﴿فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. العدد 31: 17-18﴾.

     وفي سفر يشوع: يظهر الأمر بالعنف مرة أخرى في معركة أريحا. حيث أمر يشوع بحرق كل ما في المدينة بما فيها من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم ما عدا راحاب الزانيّة حسب نص يشوع 6، ﴿وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَٱمْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ﴾، ﴿وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا، إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَٱلْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ.﴾. وبعد أن ينتصر بنو إسرائيل يتم حرق مدينة أريحا بأكملها ومقتل جميع سكانها.

العنف في العهد الجديد

     لا شك أن الأناجيل هي أقل الكتب المقدسة احتواءً للعنف, حيث ترد أقوال للسيد المسيح توحي بالدعوة للعنف مثل نص متى 10: 34 ﴿لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الْأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا﴾. وهناك دعوة السيد المسيح لتطهير الهيكل. التي تُعتبر عملاً عنفيّاً مباشراً من قِبل السيد المسيح. (حين وجد المسيح الوضع على هذه الشاكلة، طرد من ساحة الهيكل جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون، وقلب موائد الصيارفة وباعة الحمام، ولم يدع أحدًا يمرّ عبر الهيكل وهو يحمل متاعًا، واستشهد بسفريّ أشعياء وأرميا معلنا: “مكتوب أن بيتي بيتًا للصلاة يدعى، أما أنتم فقد جعلتموه مغارة لصوص”.). (4).

     ولكن ثمة أقوال أخرى ليسوع تعارض وتنبذ العنف، مؤكدة على طبيعة التسامح التي حملها السيد المسيح للبشريّة, مثل (إدارة الخد الآخر) رافضاً فكرة الانتقام أو العين بالعين حيث قال يسوع في موعظته على الجبل (متى 5:38–40): ﴿سمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا ٱلشِّرِّيرَ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلْأَيْمَنِ، فَأَدِرْ لَهُ ٱلْآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَاكِمَكَ وَيَأْخُذَ قَمِيصَكَ، فَٱتْرُكْ لَهُ رِدَاءَكَ أَيْضًا.﴾ بالإضافة لدعوة يسوع إلى المحبة والإحسان تجاه الأعداء (متى 5:44): ﴿وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،﴾ وتعد هذه الآية عند بعض الباحثين في المعتقد المسيحيّ من القضايا الجوهريّة أو المركزيّة للأخلاق المسيحية، حيث يذكر الباحث اللاهوتي “أولريش لوتز” أن الأفكار التي تنقلها هذه الآية هي ما يفصل المسيحية عن جميع الأديان التي سبقتها. (5)

     أما ما مورس من عنف تجاه المختلف باسم المعتقدات المسيحية فيما بعد برأيي, فقد كان للسياسة وتوظيف الكنيسة خدمة لها, الدور الكبير فيما سميّ بالحروب الدينيّة تجاه أصحاب الديانات الأخرى ومنها الإسلامية واليهوديّة, كما جرى لليهود في مدينة “اللوار” الفرنسيّة من قبل الحملات الصليبيّة المتجهة نحو الشرق, أو للعرب في بلاد سوريّة أثناء الحروب الصليبيّة. وكذا الحال بالنسبة لأصحاب المذاهب المسيحية بين بعضهم, كما جرى في الحروب الدينيّة داخل أوربا.

الإسلام والعنف:

     يحتوي القرآن على آيات عديدة نزلت في أزمنة مختلفة من حياة الرسول وخاصة الآيات المدنيّة، وتحت ظروف مختلفة، تتحدث عن الحرب والجهاد وأحكامه. وأصبحت تعاليم المذاهب الإسلاميّة المتعلقة بأمور الحرب والجهاد والسلام، مواضيع نقاش ساخن في السنوات الأخيرة. أي مع ظهور القاعدة وفصائلها, وما قامت به من أعمال عنف منذ الحادي عشر من ايلول 2003 حيث راح المهتمون بالشأن الدينيّ بشكل خاص والثقافيّ بشكل عام, يشتغلون على ما يتعلق بآيات السيف، وآيات السلام”.

     إن المشكلة الأساس في فهم النص تفسيراً وتأويلا, جاءت من قبل الفقهاء الذين أخذوا بظاهر النص وتركوا خصوص السبب, وبالتالي هذا ما سمح للقوى السياسيّة الجهاديّة ممن يدعون إلى الحاكميّة ماضياً وحاضراً, أن يعتبروا الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة, وراحوا ينسخون الآيات على هواهم, حيث اعتبروا الآية الخامسة من سورة التوبة (آية السيف) قد نسخت خمسئة آية من الآيات المكيات التي تدعوا إلى التسامح والرحمة والعفو وحرية الرأي: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد‘،).

     هذا وقد اعتبرت هذه الآية من أكثر الآيات إشكاليّة في فهم فلسفة الجهاد من منظور الشرع الإسلاميّ، وهي كذلك تعد الآية المؤسسة لمقولات العنف التي يتبناها ما بات يعرف بالتيار السلفيّ الجهاديّ الذي يقود حربا ضارية ضد النظم الحاكمة الوضعيّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ وكذلك ضد العالم الغربي و أميركيا.

     ومن الضرورة بمكان أن نشير هنا أيضاً, إلى أن هناك كثيراً ً من الأحاديث (الأحاد) التي تحض على الجهاد في سبيل الله والإسلام, كحديث الرسول: (أتسمعون يا معشرَ قريشٍ ! أما والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه ؛ لقد جئتُكم بالذَّبحِ..). (عن عبد الله بن عمر. المحدث الألباني . صحيح الموارد). وعن ابن عمر أيضاً: أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((بُعِثْتُ بين يَدَيِ السَّاعة بالسَّيف، حتى يُعبَدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، وجُعِلَ رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِلَ الذَّلُّ والصَّغار على مَنْ خالَف أمري، ومَنْ تَشَبَّهَ بقومٍ فهو منهم). وهناك خمسون حديثاً تحض على القتال). (6). ولكن في القرآن كما في الحديث ما هو متشابه, ويدعو إلى السلم والتسامح والعفو وعدم التعدي على الاخرين.. وغير ذلك

مقارنة العنف في القرآن مع العنف في التوراة:

     لا شك إن العنف الدمويّ في القرآن أقل بكثيرٍ من دمويّة كتاب (التوراة)؛ إذ تدعو التعليمات الصريحة الواضحة في العهد القديم إلى الحرب، باعتبارها حربَ إبادة جماعيَّة، في حين أن القرآن لا يدعو إلى الحرب، وإذا اضطرَّته الظروف إليها، فهي لا تكون إلا حربًا دفاعيّة كما جاء في قوله تعالى : ((لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8]. وقوله تعالى كذلك ((فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ).[البقرة:194]،

     أما بالنسبة للإرهاب “الإسلامويّ” فهو بحكم التعريف، يعني الأعمال الإرهابيّة التي ترتكبها جماعات إسلاميّة أو أفراد يعلنون دوافع عنفهم إسلامويّاً, أي هي تحمل أهدافاً إسلاميّة سياسيّة. وعادة ما يعتمد ممارسوا العنف باسم الإسلام على تفسيرات معينة من القرآن والأحاديث النبويّة، لتبرير ممارساتهم العنيفة بما في ذلك القتل الجماعيّ والإبادة الجماعيّة والعبوديّة. وفي العقود الأخيرة، وقعت حوادث عنف إسلامويّ على نطاق عالميّ، ليس فقط في الدول ذات الأغلبيّة المسلمة في أفريقيا وآسيا، ولكن أيضا في الخارج, في أوروبا و روسيا، والولايات المتحدة، ومثل هذه الهجمات استهدفت المسلمين وغير المسلمين. وفي عدد من المناطق ذات الأغلبيّة المسلمة التي تعرضت لأسوأ أعمال عنف إسلامويّ،

     ملاك القول في هذا الاتجاه: يمكننا القول بأن العنف باسم الدين قد مورس سابقاً ولم يزل يمارس حتى اليوم, وقد ذكرنا بعض تجلياته في التاريخ القديم أعلاه, ونستطيع اضافة بعض تجلياته على مستوى الديانات الابراهيميّة الثلاثة قديماً وحديثاً أيضاً, حيث أن دوافع العنف في أمريكا من قبل الأمريكان ضد الزنوج, أو جرائم العنف في كوسوفو, أو جرائم العنف في سجن “أبو غريب” في العراق, أو جرائم العنف المتبادل في فلسطين منذ مئة عام حتى اليوم, أو جرائم داعش وعنفها في سورية والعراق وغيرها من المناطق العربيّة والدوليّة.. الخ, ما هي إلا تجليات عنف اتخذ معظمها من الدين منطلقاً أو تبريراً لها, بغض النظر عن الأسباب العميقة لقيامها, عرقيّة كانت أو سياسيّة توسعيّة وغير ذلك.

     يبقى أن نشير هنا إلى مسألة أخرى لها الدور الكبير أيضاً في التأصيل الثقافي للعنف, وهي مسألة الأيديولوجيات الوضعيّة التي تبنتها القوى السياسيّة الفاشيّة والنازية والأنظمة الشموليّة. فها هي الفاشيّة والنازيّة كانتا وراء قيام الحرب العالميّة الثانية تحت مظلات الأيديولوجيا القوميّة والمجال الحيويّ والنقاء العرقيّ وغير ذلك, حيث مورس فيها كل أشكال العنف والتدمير الذي نال العديد من دول وشعوب العالم, كما لا ننسى أيديولوجيات الأنظمة الشموليّة التي مارست العنف على شعوبها تحت مظلة أيديولوجيات قوميّة أو اشتراكية أو حتى دينيّة وغير ذلك.

كاتب وباحث من سوريّة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1- (سمير التقي – الديموقراطية وحقوق الإنسان في مواجهة ثقافة العنف – موقع newsabach).

2- ( طاهر الزارعي. السبت 20 اغسطس 2016. مصطلح «العنف الثقافي- الجزيرة نت».

3- .( طاهر الزارعي. السبت 20 اغسطس 2016. مصطلح «العنف الثقافي- الجزيرة نت».

4- الوكيبيديا . العنف في العهد القديم.

5-  العنف في العهد الجديد – الويكيبديا.

6- موقع أنا مسلم – الإسلام ديننا ومحمد نبينا. https://www.facebook.com/rafaaliwaaalhak/posts/469277299822714/)

‫شاهد أيضًا‬

عندما تكون الفلسفة منهجاً علميّاً في التفكير. * د. عدنان عويّد

     الفلسفة في سياقها العام, هي قسم من الثقافة الروحيّة للبشريّة, وشك…