بالرغم من تعدد المفاهيم أوالتعريفات التي تناولت ظاهرة الديمقراطيّة من قبل المفكرين الذين تعاملوا مع هذه الظاهرة عبر التاريخ, حيث جاء هذا التعدد وفقا لمواقفهم الطبقيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة التي ينتمون إليها, ثم وفقا للمرحلة التاريخيّة التي أنتجت هذه الصيغة الديمقراطيّة أو تلك. لذلك جاء تعريفها أو مفهومها عند بعضهم, بأنها الحياة اليوميّة المباشرة, التي أفضل ما فيها هو ممارسة وتعبير الفرد عن رأيه وقناعاته بعيداً عن أي خوف من سلطة أو قانون, طالما أن الذي يريد قوله أو ممارسته يصب في مصلحة الوطن والمواطن. أو جاء هذا التعريف أو المفهوم عند بعضهم الآخر أيضاً, بأنها ظاهرة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة, لها قوتها الماديّة في جوهرها, مثلما لها أشكالها وحركتها وتعدد محطاتها المتوافقة مع تعدد أشكال التكوين الاجتماعي وعلاقاته التي أنتجها, وطبيعة الحكم أو الموقف السياسي القائم في هذه  التكوينات أيضاً.. يظل عدوها الجهل, وحليفها الدائم العلم والعلمانيّة.. وصندوق أسرارها وقوتها الجماهير المقهورة والمضطهدة والمستلبة بكل فئاتها وشرائحها.

      أما نحن فنستطيع أن ندلوا بدلونا لنقول بأنها: منهج أو طريقة في التفكير, وأسلوب في الممارسة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.. ترمي أهدافها إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي, وتأمين العدالة داخل مكونات المجتمع بكل مستوياتها وفقا لطبيعة المرحلة التاريخيّة المعيشة.. أما حواملها الاجتماعيّة فتتبدل تاريخيّا وفقا لطبيعة الصيغة الديمقراطيّة المطروحة وأهدافها, وهذا في الحقيقة ما يؤكد عندنا أيضا, أن الديمقراطيّة وفقا لهذا التعريف أو المفهوم تخضع  للتطور والتبدل في جوهرها مع تطور وتبدل عوامل نشوئها عبر التاريخ, كما يؤكد نسبيتها وينفي اطلاقيتها, في الوقت الذي يؤكد عندنا عناصر استبدادها مثلما يؤكد عناصر قوتها وعدالتها وإنسانيتها.

     إذن إن الديمقراطيّة وفقا لهذه المعطيات, ليست مقتصرة في ممارستها وأهدافها على تحقيق البعد السياسي للمجتمع كما يعتقد بعضهم, بل إن ممارسة الديمقراطيّة وأهدافها تصبان في مجمل النشاط الإنساني اليومي لحياة الفرد والمجتمع, بغية تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص واحترام المختلف. كما أنها ليست صيغة واحدة مطلقة, تُفرخ مجردة, صالحة لكل زمان ومكان, بل هي صيغ مشخصة ببعدها الاجتماعي التاريخي, وبحواملها الاجتماعيّة التي تعمل على إنتاجها وتطبيقها وفقا لمصالحها ومصالح القوى الاجتماعيّة التي تعبر عنها.      

     إذا كانت هذه هي الديمقراطيّة في مفهومها ومعطياتها, فما هي أبرز مقوماتها, وبالتالي معوقاتها أيضا؟ .

     مقومات الديمقراطية:

     أولا : الوعي الديمقراطي: لا يمكن أن تكون هناك ممارسة ديمقراطيّة سليمة, إذا لم يكن هناك وعي ديمقراطي لدى حملة المشروع الديمقراطي عبر التاريخ, بحيث يستطيع حملة هذا المشروع أن يدركوا آليّة عمل الديمقراطيّة وإنتاجها, وكذلك عوامل نشوئها, وما هي المساحة الاجتماعيّة والأخلاقيّة التي تستطيع هذه الصيغة أو تلك من صيغ الديمقراطيّة أن تمارس نشاطها فيها. فامتلاك هذه المعرفة يشكل القدرة على التحكم وضبط آليّة ممارسة الديمقراطيّة وتحقيق الأهداف المرجوة منها, وبالتالي فأي جهل في هذه الآليّة المركبة والمتداخلة في مكوناتها, سيؤدي بالضرورة إلى وضع الديموقرطيّة في دائرة مبدأ “سرير بروكست”, حيث سيعمل حملتها هنا, إما على مطمطة, أو قصقصت  الواقع كي ينسجم مع رغباتهم وشعاراتهم الديمقراطيّة, وليس وفقا لمراعاة خصوصيات الواقع المعيش .  

     ثانيا: المسؤوليّة: تشكل المسؤوليّة عند ممارسي الديمقراطيّة, الشرط الأساس لنجاح الديمقراطيّة, فلا ممارسة حقيقية للديمقراطيّة دون مسؤوليّة.. إن كانت مسؤوليّة الفرد تجاه نفسه, أو مسؤوليته تجاه الآخرين. فالمسؤوليّة تشكل في الواقع الشرط الأخلاقي/ ألقيمي لحاملها الاجتماعي, الأمر الذي يفرض عليه – أي على الحامل الاجتماعي – أن يخضعَ لعقلانيّة وعي وممارسة الديمقراطيّة بما يخدم المجتمع ومصالحه, وفقا لطبيعة المرحلة التاريخيّة المعيشة.

     ثالثا: توافر الحامل الاجتماعي للمشروع الديمقراطي: نستطيع القول في هذا الاتجاه : بأنه, لا ديمقراطيّة بدون ديمقراطيين. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا هنا, هو, ما هي طبيعة هذا الحامل الاجتماعي للمشروع الديمقراطي؟ .                

      نؤكد في هذا السياق بأن لكل صيغة من صيغ الديمقراطيّة حواملها الاجتماعيّة المسؤولة عن تطبيقاتها, ومعرفة آليّة عملها, وظروف إنتاجها,  وهذا يعني أن الصيغة الديمقراطيّة وحواملها كلاهما يرتبطان بجملة الشروط الموضوعيّة والذاتيّة التاريخيّة للوجود الاجتماعي في مرحلة تاريخيّة محددة, فعلى سبيل المثال لاالحصر, إن الصيغة الديمقراطيّة وحواملها من الطبقة الارستقراطيّة عند اليونان مثلاً, التي كانت تعبر عن عدالة اجتماعيّة تقر بالعبوديّة والتفاوت الطبقي, هي غيرها في المرحلة التاريخيّة للنظام الاقطاعي والرأسمالي, أو في دول العالم الثالث التي يغيب فيها الوضوح الطبقي ولم تزل تتحكم في بنيتها الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافية- أي وجودها الاجتماعي- المرجعيات التقليديّة, من عشيرة وقبيلة وطائفة.. الخ. لذلك نستطيع القول في هذا الاتجاه: إن طبيعة الحامل الاجتماعي ومدى وعيه الديمقراطي ودرجة مسؤوليته تجاه المهام الديمقراطيّة التي يمارسها داخل مجتمعه في مرحلة تاريخيّة محددة, هي التي تلعب الدور الكبير في تحديد طبيعة النشاط الديمقراطي, ومستوى درجة نجاحه في تطبيق العدالة والمساواة التي يتضمنها هذا النشاط, ثم مستوى مطابقته للظروف الموضوعيّة والذاتيّة للمجتمع في المرحلة التاريخية ذاتها.

     معوقات الديمقراطية :

     إذا كانت هذه هي مقومات التطبيق الديمقراطي, فإن معوقاته تكمن حقيقة في غياب هذه المقومات. فغياب الوعي الديمقراطي, والشعور بمسؤوليتها الأخلاقيّة, وبأهميّة حواملها الاجتماعيّة, سيؤدي بالضرورة إلى فوضى الديمقراطيّة, بحيث تتحول الديمقراطيّة هنا إما إلى وسيلة لتحقيق المصالح الأنانيّة الضيقة لمن يحمل المشروع الديمقراطي تحت مظلة هذه الفوضى, أو إلى سلعة يحاول بعضهم استيرادها من مجتمعات أكثر تطوراً من المجتمع الذي يعيش فيه بعضهم  من حواملها الاجتماعّية. مع يقيننا بأن النيات القائمة وراء استيراد شعاراتها هي نيات حسنة, يرغب مستوردوها تطوير المجتمع وتنميته, بيد أن النتائج في التطبيق الديمقراطي ستساعد هنا بناءً على هذه الشعارات الديمقراطيّة المستوردة في تعميق أزمة المجتمع بدلا من انفراجها, بل ستُدخل المجتمع في صراعات داخليّة وحروب أهليّة وخاصة في بعدها السياسي بغية الوصول إلى السلطة, وغالبا ما تحرك هذه الصراعات دوافع مصلحيّه ضيقة (عشيرة قبيلة طائفة حزب),  بالرغم من السعة الاجتماعيّة والوطنيّة لهذه الشعارات الديمقراطيّة المستوردة, والمطروحة للممارسة هنا من قبل هذه القوى المتصارعة, وهنك أمثلة كثيرة على مأزق و(فوضى الديمقراطيّة) في دول العالم الثالث بشكل خاص, التي سببتها تلك الشعارات الديمقراطيّة الفضفاضة المستوردة من مجتمعات أكثر تطورا,  تؤكد صحة ما جئنا عليه.

      أما إذا أخذنا الجانب السياسي للديمقراطيّة في هذه المجتمعات أيضا, فنستطيع القول في هذا الاتجاه : إن الديمقراطيّة هنا تشكل عنصر إصلاح أساسي في المجتمع, وخاصة إصلاح السلطة, أي هي تعمل على تداول السلطة والتشاركيّة, وهذا في الواقع ما لا تسمح به السلطات الحاكمة الشموليّة في دول العالم الثالث ومنها وطننا العربي على سبيل المثال, وهذه إشكالية قائمة بذاتها.   

 ختاما نقول: تظل الديمقراطيّة في سياقها العام مشروعاً إنسانيّاً بالنسبة للمجتمعات البشريّة عموما ومنها مجتمعنا العربي على وجه الخصوص, يهدف إلى سعادة الإنسان وتقدمه ورقيّه, بالرغم من كل معوقاته, والتي يأتي في مقدمتها غياب الحامل الاجتماعي الوعي والمسؤول معاً عن فكر وممارسة الديمقراطيّة, هذا الغياب الذي يعكس في المحصلة غياب جملة من الظروف الموضوعيّة والذاتيّة لمقومات التطبيق الديمقراطي السليم في الوجود الاجتماعي لمجتمعاتنا ..  مجتمعات العالم الثالث المتخلف عموما. 

كاتب وباحث من سوريّة

‫شاهد أيضًا‬

التيار الجبري من السلف إلى الخلف* د. عدنان عويّد

     إن من يتابع الحراك الديني على المستوى الشعبي والرسمي/ الدولتي وال…